بحوث ودراسات

التنافس السعودي – الإيراني في السودان.. التداعيات الاستراتيجية على البحر الأحمر (2023-2025)

الملخص التنفيذي

تتناول هذه الدراسة الأزمة السودانية التي اندلعت في أبريل/ نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، والتي دخلت عامها الثالث بحلول مارس/ آذار 2025 دون تسوية واضحة.

تركز الدراسة -الصادرة عن مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات، والمنشورة في مجلة بريم الصادرة عن المؤسسة – على صعود الإخوان المسلمين بوصفهم فاعلًا رئيسًا عبر تحالفهم مع الجيش، وتحول الدور السعودي من الوساطة إلى دعم البرهان، وتجدد العلاقات مع إيران ضمن إطار التنافس الإيراني السعودي المتصاعد في المنطقة.

تعتمد الدراسة منهجًا وصفيًا تحليليًا، متتبعة الأحداث السياسية والعسكرية منذ 2023، مع تحليل المواقف الإقليمية واستقراء التداعيات. وتشير النتائج إلى أن سيطرة الجيش على الخرطوم في مارس 2025، بدعم الإخوان، قد تعزز استقرارًا مؤقتًا، لكنها تهدد بانقسامات داخلية وحكم استبدادي محتمل. إقليميًا، فشل الوساطات، خاصة السعودية، ودعم إيران العسكري بالطائرات المسيرة، يفاقمان التنافس الإيراني السعودي، مما يزيد مخاطر التصعيد مع دول الجوار (تشاد وجنوب السودان) ويحول الأزمة إلى حرب بالوكالة محتملة.

تسلط الدراسة الضوء على الأزمة الإنسانية الكارثية، مع نزوح 14.6 مليون شخص ومجاعة تهدد 750 ألفًا في دارفور، إلى جانب تفشي الأمراض نتيجة انهيار النظام الصحي. اقتصاديًا، تهدد التهديدات لخط أنابيب النفط مع جنوب السودان بتفاقم الوضع.

تطرح الدراسة ثلاثة سيناريوهات مستقبلية: استقرار مشروط تحت هيمنة الإخوان، حرب أهلية شاملة نتيجة الانقسامات، أو حرب بالوكالة مدفوعة بالتنافس الإيراني السعودي. وتوصي بتعزيز الحوار الوطني بمشاركة القوى المدنية، نزع عسكرة الحياة السياسية، مراقبة تمدد الإسلاميين، ودور إقليمي متوازن بقيادة السعودية والإيغاد لاحتواء الصراع وتخفيف حدة التنافس مع إيران.

تؤكد الدراسة أن غياب حل سياسي شامل سيؤدي إلى تعميق الأزمة داخليًا وتوسيع نطاقها إقليميًا، مدفوعًا بالتنافس الإيراني السعودي، مما يستدعي تدخلًا عاجلًا لتجنب انهيار الدولة وتهديد استقرار القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر.

المـــقـــدمــــة

 تشهد السودان منذ أبريل/ نيسان 2023[1] صراعًا مسلحًا داميًا بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق عبدالفتاح البرهان ، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في نزاع سرعان ما اتخذ أبعادًا سياسية وإيديولوجية وإقليمية متشابكة، وعلى الرغم من تعدد المبادرات الإقليمية والدولية لاحتواء الأزمة([2])، إلا أن الحرب دخلت عامها الثالث دون أفق واضح للتسوية، وسط مؤشرات على تعثر الوساطات، لا سيما المبادرة السعودية، التي انتقلت من موقع الوسيط إلى موقف داعم لأحد أطراف الصراع، فيما دخلت إيران بوصفها منافسًا على النفوذ في الخرطوم مع السعودية.

 في هذا السياق، برزت مؤشرات لعودة التيارات الإسلامية – وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين – إلى واجهة المشهد السياسي من خلال تحالفها مع الجيش السوداني، في ما يشبه إعادة إنتاج للنظام الذي أسقطته ثورة ديسمبر/ كانون الأول 2019. ويثير هذا التحول تساؤلات حول مآلات الصراع، واحتمالات تحوّله من حرب داخلية إلى تهديد فعلي للاستقرار الإقليمي، خاصة في ظل تصاعد خطاب المواجهة مع دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان.

 تنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تسعى إلى تحليل ديناميات الصراع السوداني في ضوء تحولات المواقف الإقليمية، وصعود الفاعلين الإسلاميين، وما يترتب على ذلك من تداعيات محتملة على الداخل السوداني والنظام الإقليمي المحيط.

 كما تركز على تفكيك العلاقة بين التحولات العسكرية في الميدان، والتغيرات في ميزان القوى السياسية، والدور الذي تلعبه القوى الإقليمية في تأجيج أو احتواء الأزمة.

 تنطلق الدراسة من السؤال الرئيس: إلى أي مدى يسهم فشل الوساطات الإقليمية، وخصوصًا السعودية، وصعود الإسلاميين في تعميق الأزمة السودانية وتهديد الاستقرار الإقليمي؟، وهل تشهد العلاقة الإيرانية – السعودية تكاملا على البحر الأحمر من الضفة السودانية؟.

 وتفترض الدراسة أن غياب التسوية السياسية وعودة الإسلاميين إلى موقع النفوذ عبر التحالف مع الجيش قد يؤديان إلى تعزيز الانقسامات الداخلية، وخلق بيئة مواتية لامتداد الصراع إلى خارج الحدود السودانية، وفي الوقت ذاته قد يخلق هذا الصعود علاقة مؤقتة بين طهران والرياض.

 وتعتمد الدراسة منهج التحليل الوصفي-التحليلي، مستندة إلى تتبع الوقائع السياسية والعسكرية، وتحليل المواقف الإقليمية، واستقراء تأثيرات عودة الفاعلين الإسلاميين على مستقبل الدولة السودانية والتوازنات الإقليمية.

المحور الأول: تاريخ السودان “موقع جغرافي مليء بالأحداث والتحولات”
يقع السودان في الجزء الشمالي الشرقي لقارة أفريقيا بين دائرتي العرض 8.45˚ ش إلى 22.8˚ شمال خط الاستواء وخطي الطول 21.49˚ إلى 38.34˚ شرقًا، وتبلغ حدوده البحرية على ساحل البحر الأحمر 853 كلم والسودان تجاوره سبع دول هي مصر وليبيا شمالًا، وفي الشرق والجنوب الشرقي أريتريا وأثيوبيا وجنوبًا دولة جنوب السودان وفي الغرب والجنوب الغربي دولتي تشاد وأفريقيا الوسطى([3]).

وقد ظل السودان بفضل موقعه معبرًا تجاريًا وثقافيًا بين شمال أفريقيا وجنوبها وحتى منتصف القرن الماضي حيث كان ممرًا لقوافل الحجاج والتجارة من غرب أفريقيا إلى الأراضي المقدسة وشرق أفريقيا. وتبلغ مساحته 1.882.000 كليومتر مربع، وهو بذلك ثالث الدول من حيث المساحة في أفريقيا ومن العشرين دولة الأكبر مساحة في العالم.

إن موقع السودان الاستراتيجي وغنى موارده وثرواته الطبيعية جعله أحد محاور التنافس الاستعماري القديم في أفريقيا. وظل يمثل أحد أطماع الاستعمار الحديث، لاسيما بعد أن شحت موارد الأرض الطبيعية وأصبحت مشكلة الغذاء في المستقبل هاجسًا يؤرق العالم المعاصر.

والحديث عن تاريخ السودان يمثل مسارًا مشحونًا بالأحداث والتحولات؛ من أولى شرارات النضال ضد الاستعمار إلى فصول ما بعد الاستقلال المليئة بالتحديات والآمال. لم يكن مؤتمر الخريجين عام 1938 مجرد لقاء اجتماعي ثقافي لخريجي المدارس العليا، بل كان الشرارة التي أشعلت نار الوعي الوطني، فنادت بتصفية الاستعمار ومنح الشعب السوداني حق تقرير مصيره([4]). هذا الحدث التاريخي، الذي مهد الطريق للجلسات البرلمانية في ديسمبر 1955 وإعلان الاستقلال في يناير 1956، يظهر لنا كيف يمكن للحظة حاسمة أن تغيّر مجرى التاريخ.

وقد واجه السودان ثلاثة تحديات رئيسة بعد الاستقلال؛ تحديات لازالت أصداؤها تتردد حتى يومنا هذا: مسألة الدستور، ومشكلة الجنوب، ومعضلة التنمية. وفي قلب هذه التحديات، نشهد صراعات إيديولوجية بين تيارات سياسية متباينة؛ من الأحزاب الطائفية التي استمدت قوتها من الجماعات الدينية الصوفية إلى الإخوان المسلمين الذين ازدهر نشاطهم في الجامعات ومثّلوا قوة سياسية محورية، فضلًا عن التيارات اليسارية والليبرالية وغيرها من القوى السياسية المستقلة([5])، هذا التعدد في الآراء والتجارب السياسية يبرز التوتر بين الماضي التقليدي ورؤية مستقبلية متجددة.

لم يكن المشهد السياسي بعد الاستقلال لوحة بسيطة، بل فسيفساء معقدة تُظهر تداخل الإيديولوجيات والخبرات المختلفة؛ حيث لعبت الأحزاب الطائفية والإخوان المسلمون واليساريون أدوارًا حاسمة في تشكيل مصير البلاد([6]). وفي خضم هذا التنوع، برزت الأزمة الدستورية ومثلت موضوعًا أساسيًا، إذ لم يتم الاتفاق على صيغة الحكم الملائمة في أثناء الاستقلال وبعده، ما أدى إلى إلغاء دستور الحكم الذاتي وتعديل دستور الفترة الانتقالية استجابةً للتغيرات السياسية([7]).

الإخوان المسلمون في السودان

بدأ نشاط جماعة الإخوان في السودان في 1946، مستفيدًا من العلاقات الثقافية مع مصر، حيث لعب الطلاب السودانيون في القاهرة دورًا محوريًا في نقل الأفكار الإخوانية بقيادة جمال الدين السنهوري، المقرب من حسن البنا. وبحلول 1949، أُسس أول فرع رسمي للجماعة، وفي الخمسينيات توسع التنظيم بسرعة، ليصل إلى السلطة بانقلاب 1989، حيث نجحت الجماعة في الاستيلاء على السلطة في ذلك الانقلاب، بقيادة الجبهة الإسلامية القومية، وحافظت الجماعة عليها ثلاثة عقود عبر القوة العسكرية، قبل أن تخطط للانتقال من مرحلة “التأمين” إلى “التمكين”، لكن هذا المشروع فشل مع ثورة 2019 السلمية التي أطاحت بالجماعة، التي تحاول من خلال انتصار “مارس/ آذار 2025م”، إلى إعادة إنتاج نفسها مرة أخرى عبر تأجيج الصراعات.

وقد اختلف إخوان السودان عن نظيرهم المصري، حيث اعتمدوا على استقطاب تيارات دينية متنوعة (صوفية، سلفية، دعوية) بدلًا من هيكل تنظيمي صلب، مما عزز قاعدتهم الشعبية.

تحت قيادة الترابي، تحول الإخوان إلى جزء من “الحركة الإسلامية”، التي أصبحت مظلة واسعة للتيارات الإسلامية، ثم أُسست الجبهة الإسلامية القومية كأداة للوصول إلى السلطة. في 1991، أسس الترابي حزب المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي، مؤكدًا دوره بوصفه منظّرًا إقليميًا للحركة الإسلامية، ولكن حدثت انشقاقات داخلية، أبرزها ما حدث في 1969 مع انتخاب الترابي أمينًا عامًا، وأدت إلى تكفيره من قبل بعض الأعضاء بسبب اجتهاداته الدينية.

أسهم الإخوان المسلمون في السودان في تأجيج حربين كبيرتين: الأولى، حرب دارفور (2003)، حيث دعمت الجماعة مليشيات الجنجويد، مما أدى إلى جرائم تطهير عرقي وإبادة جماعية؛ والثانية، النزاع المسلح في 2023، حيث لعب الإخوان دورًا تعبويًا إلى جانب الجيش السوداني، الذي ارتكب انتهاكات جسيمة عبر قصف جوي لمناطق مدنية مأهولة([8]). ويسعى الإخوان إلى تصعيد الصراع لتحقيق مكاسب سياسية، مستلهمين سقوط نظام بشار الأسد في سوريا وصعود الإسلاميين هناك بقيادة أحمد الشرع، الملقب بـ”أبو محمد الجولاني”، القائد السابق في تنظيم القاعدة، الذي تولى رئاسة سوريا رغم خلفيته الإرهابية في العراق.

يبدو أن انهيار نظام الأسد قد أثار طموحات الإخوان لإعادة إشعال الصراعات في دول أخرى، بما فيها اليمن. ففي مدينة تعز، يحشد الإخوان قوات عسكرية، وتشير معلومات حصلت عليها مجلة “بريم” إلى استعدادهم للسيطرة على ميناء المخا الاستراتيجي المطل على باب المندب، حال نجاح التدخل الأمريكي في إسقاط الحوثيين في صنعاء. ويعكس ذلك استراتيجية الإخوان في استغلال الفوضى لتعزيز نفوذهم السياسي والعسكري في المنطقة.

في  يوليو/ حزيران العام  2023، ظهرت بشكل علني قيادات الإخوان مما أثار  جدلًا حول دورهم في حرب السودان”، حيث وجهت حينها اتهامات لتنظيم الإخوان المسلمين بالتورط في الصراع المسلح بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، الذي اندلع في 15 أبريل، نيسان 2023، حيث أشار الكاتب منير أديب إلى أن ظهور قيادات الإخوان حينها كان الهدف منه التأسيس لعودة جماعة الإخوان لاسيما بعد إسقاط نظام عمر البشير في أبريل/ نيسان 2019، حيث تسعى الجماعة لاستعادة النفوذ السياسي بعد الثورة السلمية التي أنهت حكم الجماعة التي هددت  قادتها ومنهم أنس عمر، في ديسمبر/ تشرين الأول 2022م، بإفشال الاتفاق الإطاري، وهو اتفاق مدعوم دوليًا لنقل السلطة للمدنيين، وقد اعترف عمر لاحقًا، بعد القبض عليه من قبل قوات الدعم السريع([9])، بدوره في تعبئة الجماهير بالتنسيق مع الجيش بقيادة البرهان، الذي شارك لاحقًا في كتائب جهادية تابعة للإخوان في القتال ضد قوات الدعم السريع([10]).

ولكن تظل عودة الإخوان المسلمين للحكم تمثل حكمًا أكثر استبدادية مع سياسات إسلامية، مما قد يؤدي إلى قمع المعارضة وتأثير سلبي على حقوق الإنسان، وقد تتأثر العلاقات الإقليمية، خاصة مع مصر والإمارات، بسبب معارضة الدولتين للإخوان، بينما قد تقترب السودان من دول مثل قطر وتركيا والسعودية وإيران([11]).

سيطرة (إخوان البرهان)، الطارئة على الخرطوم، لا يعني نهاية الأزمة وعودة حكم الإخوان، فقد يواجه ذلك مقاومة داخلية من حركات ديمقراطية، وهو ما يزيد من عدم الاستقرار، وقد يتأثر الاقتصاد بسبب العزلة الدولية المحتملة، خاصة مع احتمال فرض عقوبات، لكن إذا عادت جماعة الإخوان المسلمين للحكم، فمن المرجح أن تعيد تطبيق سياسات أكثر تطرفًا تجاه القوى السودانية المدنية، مما قد يقيد الحريات الشخصية ويؤثر على حقوق المرأة والأقليات، ويبدو من المحتمل أن يؤدي ذلك إلى قمع المعارضة السياسية، كما حدث خلال حكم عمر البشير (1989-2019)، حيث سجلت انتهاكات لحقوق الإنسان. 

أما على صعيد التأثير الإقليمي، فقد تتأثر العلاقات مع الجيران “سلبًا”، لاسيما مع مصر والإمارات، اللذين يعارضان الإخوان، بينما قد تقوى العلاقات مع دول داعمة مثل قطر وتركيا وغيرها، وهذا قد يزيد من التوترات الإقليمية، في ظل تهديدات سابقة لدول الجوار. 

وعلى صعيد التأثيرات الاقتصادية، قد تواجه السودان تحديات اقتصادية إضافية إذا عادت الإخوان، حيث كانت فترة حكم البشير مليئة بالفساد والعزلة الدولية، مما أدى إلى فرض عقوبات أمريكية حتى 2017، قد تتكرر هذه المشكلات، ومن المرجح أن تواجه جماعة الإخوان مقاومة داخلية من حركات ديمقراطية، خاصة بعد الثورة ضد البشير في 2019، التي قادها الشباب والمجتمع المدني مطالبين بالحرية والعدالة. وقد يؤدي ذلك إلى مزيد من الاضطرابات، خاصة مع الانقسامات العرقية والإقليمية الموجودة بالفعل.  

“يواجه السودان اليوم تحديات معقدة ومتشابكة، تتفاقم في ظل سعي الإخوان المسلمون لاستعادة نفوذهم السياسي الإسلامي في الحكم، ومحاولاتهم لإحياء ‘الدولة العميقة’ التي هيمنت على مؤسسات السلطة في عهد عمر البشير. يتزامن ذلك مع تعميق الانقسامات بين القوى المدنية والتيارات الإسلامية، مما يُهدد بتوسيع الفجوة السياسية، ويزيد من احتمالات تفاقم التوترات القبلية والأثنية. كما تواجه البلاد عقبات جمة في إعادة الإعمار وسط اقتصاد منهار، جراء الحرب والإرث الثقيل للسنوات الماضية، مع تزايد الاعتماد المحتمل على حلفاء إقليميين، مثل المملكة العربية السعودية، لدعم الاستقرار وإعادة البناء”.

 ولكن تظل “عودة الإسلاميين عبر الجيش”([12])، محاولات لاستغلال الحرب لاستعادة نفوذهم، وهو ما يتضح من خلال ظهور قادة كتائب كـ”البراء”، وتاريخهم السياسي الفاشل خلال حكم عمر البشير (1989-2019)، وعودتهم قد تشكل تهديدًا خطيرًا لآمال بناء دولة ديمقراطية مدنية.

تحولات الحرب في السودان (2023 – 2025)

تدخل الحرب الأهلية في السودان عامها الثالث منتصف أبريل/ نيسان 2025، حيث تستمر المواجهات بين القوات المسلحة السودانية، بقيادة عبدالفتاح البرهان، المدعومة من جماعات الإسلام السياسي([13])، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، فالصراع، الذي اندلع في 15 أبريل 2023، يقترب الآن من إكمال عامين كاملين، مع تصاعد التهديدات المتبادلة بين الطرفين بإعادة القتال إلى العاصمة الخرطوم، التي كانت قد شهدت سيطرة الجيش عليها بعد تراجع قوات الدعم السريع منها في وقت سابق.

تشير كافة المؤشرات إلى أن دخول الحرب عامها الثالث يعكس فشلًا واضحًا في الجهود الإقليمية لاحتواء الأزمة، وعلى الرغم من تقارير إعلامية سعودية تشير إلى استعداد الرياض لدعم الفريق عبدالفتاح البرهان، القائد الفعلي للجيش السوداني، إلا أن هذا الدعم لم ينجح حتى الآن في إنهاء النزاع أو استعادة الاستقرار، ففي ظل استمرار الاشتباكات حتى 30 مارس 2025، دون بوادر لحل نهائي، يبدو أن السودان مقبل على مزيد من التصعيد.

الصراع في السودان يتجاوز كونه مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل يعكس انقسامات سياسية وعرقية وإقليمية عميقة. ودعم البرهان من جماعات الإسلام السياسي يضعه في صراع إيديولوجي مع قوات الدعم السريع، التي تمثل قاعدة قبلية ومصالح اقتصادية مرتبطة بالسيطرة على الموارد. تهديدات إعادة القتال إلى الخرطوم تشير إلى استراتيجية “حرب المدن” التي قد تؤدي إلى كارثة إنسانية أكبر، خاصة مع تدهور الأوضاع المعيشية بالفعل، في ظل فشل زيارة رسمية قام بها البرهان إلى السعودية، للحصول على دعم لوجستي ودبلوماسي في مواجهة قوات الدعم السريع بعد السيطرة على الخرطوم.

الأربعاء، 27 مارس/آذار 2025، أعلن الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني، تحرير العاصمة الخرطوم. ومن داخل القصر الرئاسي، قال في كلمته: “الخرطوم حرة وانتهى الأمر”، مؤكدًا سيطرة قواته الكاملة على المدينة. ولتعزيز هذا الإعلان، ظهر البرهان في تسجيلات مرئية، وهو يتفقد مطار الخرطوم الدولي، في خطوة رمزية تبرز التقدم العسكري الذي حققه الجيش بعد حرب استمرت أكثر من 24 شهرًا.

وكان الجيش السوداني، الذي تربطه صلة بجماعة الإخوان في السودان([14])، قد شن هجومًا واسعًا في سبتمبر/ أيلول 2024 لاستعادة العاصمة من “قوات الدعم السريع”. في بداية الصراع قبل عامين، خسر الجيش السيطرة على الخرطوم ومدن أخرى، رغم تفوقه بسلاح الجو. لكنه لجأ إلى قصف مناطق مأهولة بالسكان، مما تسبب في سقوط مئات الضحايا من المدنيين.

في قلب العاصمة، نقل مراسل قناة “العربية” السعودية، نزار البقداوي، مشاهد حية من حي الرياض، حيث التقى رعايا مصريين ظلوا عالقين في الخرطوم لنحو عامين بسبب الاشتباكات. من جانبه، أفاد الجيش السوداني بأن قواته استعادت السيطرة على مطار الخرطوم الدولي وأمنته بالكامل بعد أن ظل تحت قبضة “قوات الدعم السريع” لسنتين، وذلك إثر عملية عسكرية واسعة النطاق استهدفت فرض السيطرة على العاصمة.

ونقلت وسائل إعلام سعودية عن مصادر عسكرية أن الجيش السوداني يفرض حصارًا محكمًا على منطقة جبل أولياء جنوب الخرطوم من ثلاث جهات – الشمال والجنوب والشرق، وتُعدُّ هذه المنطقة آخر معاقل “قوات الدعم السريع” الرئيسة في محيط العاصمة، والبوابة الوحيدة التي تربطها بمعقلها الأساسي في إقليم دارفور غرب السودان.

لم تتوقف التطورات عند هذا الحد([15])، إذ سافر البرهان في اليوم التالي إلى مدينة جدة بالسعودية([16])، حيث استقبله في مطار الملك عبدالعزيز الدولي الأمير سعود بن مشعل والمهندس علي القرني، نائب أمين محافظة جدة. وهناك، التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وأفادت وكالة الأنباء السعودية (واس) أن اللقاء تناول مستجدات الأوضاع في السودان والجهود المبذولة لتحقيق الأمن والاستقرار، حيث اتفق الطرفان على إنشاء مجلس تنسيق([17]) لتعزيز العلاقات الثنائية في مختلف المجالات.

من جهتها، أكدت وكالة الأنباء السودانية أن زيارة البرهان “الأخوية” إلى السعودية تعكس متانة العلاقات بين البلدين، مشيرة إلى أن المباحثات مع ولي العهد ركزت على تطوير التعاون المشترك وفتح آفاق جديدة للشراكة الاستراتيجية.

لم تُنهِ سيطرة الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان على العاصمة الخرطوم في مارس 2025 الأزمة المستمرة منذ أكثر من عامين، بل فتحت الباب أمام مخاطر إقليمية تلوح في الأفق، ورغم مساعي المملكة العربية السعودية لتهدئة الوضع من خلال تأكيد انتهاء الأزمة بانتصار البرهان، فقد حذرت الصحافة السعودية سريعًا من تداعيات محتملة قد تؤدي إلى صراع إقليمي أوسع. جاء ذلك في ظل تهديدات صريحة أطلقها القائد العسكري ياسر العطا ضد دول الجوار، خاصة تشاد وجنوب السودان، متهمًا إياها بدعم “قوات الدعم السريع” التي خسرت الخرطوم بعد معارك طويلة.

 وتُعدّ الخرطوم، العاصمة السودانية الواقعة عند ملتقى النيل الأبيض والنيل الأزرق، مركزًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا حيويًا. أصبحت سيطرة القوات المسلحة السودانية، بقيادة الفريق عبدالفتاح البرهان، عليها في مارس/ آذار 2025 نقطة تحول في الصراع المستمر مع قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).و يعكس هذا التطور تنافسًا بين الجيش، المدعوم من جماعة الإخوان المسلمين، وقوات الدعم السريع، التي تعارض هيمنة التيارات الإسلامية على الحكم.

تتحكم الخرطوم في شبكات النقل والمواصلات الرئيسة، بما في ذلك مطار الخرطوم الدولي الذي أُعيد تأمينه، مما يعزز القدرات اللوجستية للجيش. ومع ذلك، فإن هذه السيطرة لا تُنهي الصراع، بل تُعيد صياغته جغرافيًا وسياسيًا. فقد أشار البرهان، عقب زيارته للمملكة العربية السعودية، إلى رفضه المصالحة مع قوات الدعم السريع، مهددًا بملاحقتها إلى معقلها في دارفور. في المقابل، تُظهر تصريحات قادة قوات الدعم السريع عزمهم على استعادة العاصمة، مما يُنذر باستمرار النزاع المسلح.

تُبرز استعادة الخرطوم، إلى جانب السيطرة على مناطق مثل حي الرياض، استراتيجية الجيش لفرض هيمنته على المراكز الحضرية الرئيسة، مما يُضعف نفوذ قوات الدعم السريع التي سيطرت سابقًا على هذه المناطق. كما يعكس حصار جبل أولياء، أحد آخر معاقل قوات الدعم السريع قرب العاصمة، بعدًا جغرافيًا يهدف إلى تطويق الخرطوم وحمايتها من الهجمات المضادة. ومع تراجع قوات الدعم السريع إلى دارفور في غرب السودان، يتحول الصراع من نزاع مركزي يتركز في العاصمة إلى صراع طرفي، حيث تظل دارفور قاعدة استراتيجية لقوات حميدتي.

في هذا السياق، تعكس سيطرة الجيش، بدعم من الإخوان المسلمين، محاولة لإعادة تشكيل الفضاء السياسي السوداني وفق أيديولوجيا إسلامية([18]).

 وقد أفصحت تصريحات مقاتلين إسلاميين عن طموحات لإقامة “دولة الخلافة” انطلاقًا من الخرطوم، مما يكشف عن رؤية جغرافية _ سياسية تتجاوز الحدود الوطنية نحو نفوذ إقليمي أوسع. ومع ذلك، فإن هذه التطورات تُثير تساؤلات حول استقرار السيطرة على العاصمة وقدرتها على تغيير مسار الصراع في ظل التهديدات المستمرة والتحديات الإقليمية المتصاعدة.

 التهديدات التي وجهها الجيش السوداني إلى تشاد، متهمًا إياها بتسهيل دعم قوات الدعم السريع عبر مطار أم جرس، البعد الحدودي للصراع، تمتد الحدود المشتركة بين السودان وتشاد لمسافة تقارب 1400 كيلومتر، مما يجعل تشاد هدفًا محتملًا للتصعيد العسكري، وقد عدَّت تشاد هذه التهديدات بمثابة “إعلان حرب”، مما يشير إلى مخاطر تحوّل السيطرة على الخرطوم إلى نقطة انطلاق لتوسيع نطاق الصراع جغرافيًا.

بالمثل، وُجهت تهديدات مماثلة إلى جنوب السودان، مع الإشارة إلى أنبوب النفط المشترك، الذي ينقل حوالي 150 ألف برميل يوميًا عبر الأراضي السودانية، قد يتعرض للتهديد، يربط هذا الوضع الجغرافيا السياسية بالاقتصاد، حيث يعتمد كلا البلدين على هذا المورد بشكل حيوي، حيث وصف جنوب السودان هذه التهديدات بأنها “استفزازية”، مما يكشف عن مخاطر إقليمية محتملة قد تؤدي إلى تعطيل الاستقرار الاقتصادي والسياسي في المنطقة.

فيما يتعلق بمصر، وعلى الرغم من دعمها للفريق عبدالفتاح البرهان، فإن تعزيز نفوذ جماعة الإخوان المسلمين في الخرطوم يثير قلق القاهرة، نظرًا لمعارضتها التاريخية للجماعة، لكن على أي حال يظل السودان، بصفته جزءًا من حوض النيل، عنصرًا حاسمًا لأمن مصر المائي، مما يضيف تعقيدًا إضافيًا للعلاقات الثنائية.

تكشف زيارة البرهان إلى جدة في مارس 2025 ولقاؤه بولي العهد السعودي محمد بن سلمان عن دعم استراتيجي سعودي عقب السيطرة على الخرطوم، تتجلى هذه العلاقة في تقديم مساعدات، مثل جهاز المسح الضوئي لمطار بورتسودان، ورغبة المملكة في احتواء التصعيد، مما يعكس مصالحها في استقرار منطقة البحر الأحمر ومنع امتداد الاضطرابات إلى القرن الأفريقي.

من جهة أخرى، يُشير تعزيز نفوذ الإخوان إلى احتمالية تقارب السودان مع قطر وتركيا، وهما دولتان تدعمان تقليديًا الحركات الإسلامية، مما قد يُعيد تشكيل التحالفات الجغرافية-السياسية في المنطقة. في المقابل، قد تتدهور العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة، التي تعارض الإخوان، مما يُظهر تنافسًا إقليميًا متأثرًا بتطورات الخرطوم.

تُعزز سيطرة الجيش على الخرطوم قدرته على التحكم في موانئ البحر الأحمر، مثل بورتسودان، التي تُعدّ بوابة اقتصادية حيوية، مما يمنحه ميزة استراتيجية مقابل قوات الدعم السريع التي تعتمد على موارد دارفور، مثل الذهب. ومع ذلك، تُظهر الأزمة الإنسانية الناتجة عن الصراع – بما في ذلك نزوح 8.8 مليون شخص داخليًا و3.5 مليون إلى دول الجوار، إلى جانب تفشي المجاعة في دارفور – كيف تؤثر هذه السيطرة في إعادة توزيع الموارد وتفاقم الأوضاع في المناطق الطرفية.

تشير التهديدات بإعادة القتال إلى الخرطوم إلى احتمال اعتماد استراتيجية “حرب المدن”، التي قد تمتد إلى مناطق أخرى مثل كردفان والجزيرة، كما يحذر السياق العام. علاوة على ذلك، تُنذر تهديدات الجيش، كما ورد في تصريحات القائد العسكري ياسر العطا، بقصف أهداف في تشاد وجنوب السودان، بتحول الصراع إلى نزاع إقليمي، مستفيدًا من الخرطوم بوصفها قاعدة عملياتية.

تُعيد سيطرة الجيش السوداني المدعوم من جماعة الإخوان على الخرطوم العاصمة في مارس/ آذار 2025 تشكيل الجغرافيا السياسية للصراع بأبعاد داخلية وإقليمية متعددة، داخليًا، تُعزز الخرطوم بوصفها رمزًا للسلطة المركزية، لكنها لا تُنهي النزاع، بل تُحوله إلى صراع طرفي مع تراجع قوات الدعم السريع إلى دارفور، وإقليميًا، تُثير توترات مع تشاد وجنوب السودان، مع تهديد الموارد المشتركة مثل النفط، وتُعزز التدخلات السعودية مع إمكانية نشوء تحالفات جديدة مع قطر وتركيا، واستراتيجيًا، تمنح الجيش وداعميه من الإخوان ميزة جغرافية عبر السيطرة على العاصمة وموانئ البحر الأحمر، لكنها تُنطوي على مخاطر تصعيد إقليمي إذا تُرجمت التهديدات إلى أفعال. تُظهر هذه الديناميات توازنًا هشًا بين السيطرة المركزية والفوضى الإقليمية، مما يجعل السودان نقطة تقاطع للمصالح الداخلية والخارجية في سياق جغرافي – سياسي معقد.

المحور الثاني: موقف السعودية تجاه الأزمة السودانية

لطالما شكل السودان بؤرة صراعات سياسية وعسكرية معقدة، حيث شهد منذ استقلاله عام 1956 سلسلة من الانقلابات العسكرية والانتفاضات الشعبية والحروب الأهلية التي أسهمت في انفصال جنوب السودان عام 2011، ومع ذلك، فإن الأزمة الراهنة التي اندلعت في أبريل/ نيسان 2023 تُعدُّ واحدة من أخطر الأزمات في تاريخ البلاد، حيث انتقلت من صراع على النفوذ بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى صراع متعدد الأبعاد، يتداخل فيه البعد السياسي مع العامل الإيديولوجي والتدخلات الإقليمية والدولية. 

تشير الأدبيات المتخصصة إلى أن النزاعات في السودان غالبًا ما تتغذى على التنافس بين القوى العسكرية والمدنية، وغياب المؤسسات الديمقراطية الراسخة، إضافة إلى التأثيرات الخارجية التي تلعب دورًا رئيسًا في تحديد مسار الأحداث، سواء عبر الدعم المالي والعسكري أو من خلال المبادرات الدبلوماسية التي غالبًا ما تصطدم بتباين مصالح الأطراف الفاعلة. 

لعبت الوساطات الإقليمية والدولية دورًا محوريًا في محاولات احتواء النزاعات السودانية السابقة، حيث كانت هناك جهود متعددة من الاتحاد الإفريقي، ومنظمة “الإيغاد”، والدول العربية، لعل أبرزها دور السعودية ومصر، فضلًا عن الجهود الأممية والأمريكية. 

لكن في الأزمة الحالية (مارس/ آذار 2025)، برزت المبادرة السعودية – الأمريكية بوصفها أحد أهم المسارات التفاوضية، حيث استضافت جدة عدة جولات تفاوضية بين الأطراف المتحاربة. غير أن هذه المبادرة تعرضت لانتكاسات متكررة نتيجة انحياز السعودية لاحقًا إلى طرف الجيش السوداني، مما أفقدها صفة الوسيط المحايد، وأسهم في تعقيد المشهد. 

 وتبنّت مصر منذ البداية موقفًا أكثر دعمًا للمؤسسة العسكرية بقيادة البرهان، مع محاولات دبلوماسية للحفاظ على استقرار حدودها الجنوبية، فيما سعت الإيغاد والاتحاد الإفريقي إلى تقديم حلول أفريقية، لكنها لم تحظَ بتأثير فعّال في ظل تعقيدات النزاع وتضارب مصالح القوى الإقليمية. 

أعلنت السعودية بشكل واضح رغبتها في تهدئة التصعيد السوداني تجاه الجيران، وذلك خلال لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بقائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان، لكن جماعة الإخوان التي لم تخف من الاحتفاء بالسيطرة على العاصمة السودانية، بل ذهبت وسائل إعلام ومنصات الجماعة المدعومة من بعض الأطراف الإقليمية([19])، إلى بث تسجيلات مرئية لإسلاميين، وهم يتعهدون بإقامة دولة الخلافة الإسلامية انطلاقا من الخرطوم، زاعمين أن تلك الحرب التي أوقعت آلاف الضحايا في المدنيين، تمثل فتحًا إسلاميًا، فالحرب التي اندلعت في  أبريل/ نيسان 2023، بين القوات المسلحة السودانية (SAF) و”قوات الدعم السريع” (RSF)، تسببت في جرائم حرب واسعة النطاق وجرائم ضد الإنسانية، وفق اتهامات من “هيومان رايتس ووتش” والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، حيث اتسمت الهجمات العشوائية على الأسواق والأحياء السكنية بتدمير المستشفيات، ومقتل وجرح الآلاف من المدنيين ونزوح الملايين خارج السودان.

وتشير التقديرات إلى أن عدد القتلى الناتج عن العنف المباشر وغير المباشر يزيد عن مائتين ألف شخص، وفقًا لتقارير منظمة “ACLED” وتصريحات المبعوث الأمريكي السابق توم بيرييلو في مايو 2024، بالإضافة إلى تقارير صحفية من “واشنطن بوست” و”نيويورك تايمز” حتى يناير 2025. سجلت “ACLED” حتى ديسمبر/ كانون الأول 2024 مقتل 28,700 شخص نتيجة “إصابات عمدية”، منهم 7,500 مدني.

بينما أشارت ” مجموعة أبحاث السودان” في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 إلى أن الوفيات غير المباشرة بسبب الأمراض والجوع تشكل السبب الرئيس للوفيات، حيث سجلت 61,000 قتيل في ولاية الخرطوم وحدها، مع اكتشاف مقابر جماعية تضم مئات الضحايا. في دارفور، وخاصة الجينينة، قُدر عدد القتلى بما بين 10,000 و15,000 شخص نتيجة مجازر عرقية نفذتها “قوات الدعم السريع”، وفق تقرير للأمم المتحدة في 2023، بينما أفادت الأمم المتحدة في أغسطس 2023 بمقتل 435 طفلًا على الأقل خلال الصراع. أما من حيث النزوح، فقد أفادت الأمم المتحدة في فبراير 2025 بنزوح 8.8 مليون شخص داخل السودان، مما يجعلها أكبر أزمة نزوح داخلي عالميًا، بينما فرَّ 3.5 مليون لاجئ إلى دول مجاورة مثل تشاد وجنوب السودان ومصر، ليصل إجمالي النازحين داخليًا وخارجيًا إلى 14.6 مليون شخص، وفقًا لـ” اللجنة الدولية للإنقاذ”.

وفي يناير 2025، تفاقمت الأوضاع الإنسانية مع إعلان مجاعة رسمية في شمال دارفور (مخيم زمزم) في أغسطس 2024، حيث واجه 750,000 شخص انعدام أمن غذائي كارثي (IPC 5) خلال موسم الجفاف 2024، وفق “IRC”، مما تسبب في وفيات يومية بسبب الجوع، بينما يحتاج 30.4 مليون شخص، أي أكثر من نصف سكان السودان، إلى مساعدات إنسانية.

وتفشت الكوليرا وأمراض أخرى بسبب انهيار النظام الصحي ونقص المياه النظيفة، مما زاد من الوفيات غير المباشرة، وكانت المناطق الأكثر تضررًا تشمل الخرطوم، التي شهدت أعلى نسبة قتلى([20])، ودارفور، حيث سجلت مجازر في الجينينة وأرداماتا ومستري ضد المساليت، بالإضافة إلى جزيرة كردفان، حيث تصاعد القتال في 2024 – 2025.

وقالت وسائل إعلام دولية إن التوثيق في هذه المناطق ظل محدودًا بسبب صعوبة الوصول، وتظل هذه الأرقام تقديرية بسبب استمرار النزاع الذي قد يتوسع خاصة في ظل التهديدات المصحوبة بنشوة الانتصار (المزعوم)، في ظل الصراع الذي تحاول الرياض، احتوائه بسرعة استدعاء “البرهان”، وذهبت صحيفة الشرق الأوسط السعودية، إلى التحذير من مخاطر اندلاع صراع إقليمي أوسع، لاسيما بعد أن تضمنت تصريحات “ناطق الجيش”، تهديدات عسكرية مباشرة، مثل القصف المحتمل لأهداف في تشاد، بمزاعم تقديم تسهيل نقل الإمدادات لـ”قوات الدعم السريع” عبر مطار أم جرس، وهي اتهامات تكررت منذ نوفمبر/ 2023. كما وجه اتهامات مماثلة لجنوب السودان، مشيرًا إلى دعم مزعوم لخصوم الجيش. وردت تشاد ببيان رسمي حاد، وصفت فيه التهديدات بـ”إعلان حرب”، مؤكدةً أنها ستدافع عن سيادتها إذا لزم الأمر. في المقابل، أدانت جنوب السودان التصريحات ووصفتها بأنها “استفزازية” و”انتهاك للقانون الدولي”، داعيةً إلى تدخل الاتحاد الأفريقي لاحتواء التصعيد. هذه الردود تعكس حساسية الجوار تجاه أي تهديد لأمنه، مما يزيد من احتمالات الاشتباك إذا تحولت التهديدات إلى أفعال.

العلاقات السعودية السودانية

تُعدُّ العلاقات السودانية السعودية واحدة من العلاقات التاريخية التي تربط البلدين، حيث كان السودان معبرًا للهجرات العربية إلى أفريقيا بغرض التجارة ونشر الدعوة الإسلامية[21] ، كما أن رحلات الحج والعمرة للسودانيين قد أسهمت في تجديد العلاقات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية بين السودان والمملكة العربية السعودية، وقد أسهمت رحلات الحج لاسيما الرحلات السنارية والدارفورية وما تبعها من ركاب للحج في مقدمته محمل السلطان علي دينار في لعب دور كبير في العلاقات.

أعلن السودان استقلاله عن بريطاني في الأول من يناير كانون/ الثاني في العام 1956م، لتصبح العلاقة بين البلدين رسمية بإنشاء أول تمثيل دبلوماسي بين البلدين فضلًا عن التواصل القائم بين البلدين عبر البحر الأحمر[22].

مثلت قمة الخرطوم في العام 1967م التي عرفت بقمة اللاءات الثلاث([23]) تحولًا كبيرًا في العلاقات السياسية وذلك عند زيارة المغفور له بإذن الله جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز ، ودور السودان الفاعل في المصالحة بين الملك فيصل بن عبد العزيز والرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

وقد شهدت العلاقات تطورًا منذ السبعينات، وأسهمت أعداد كبيرة من النخب السودانية في عمليات البناء والنماء والتطور التي شهدتها المملكة العربية السعودية.

كما أن المملكة لعبت أيضًا دورا مقدرًا في مشروعات التنمية في السودان من خلال الاستثمارات والمشروعات الكبيرة التي تبنتها، فهي مشارك أصيل فى مصنع سكر كنانة وعدد من المشروعات التنموية الأخرى التي لا مجال لحصرها في هذا المقام، فضلًا عن النشاط الثقافي المشترك لاسيما في ما يتعلق بوجود الطلاب السودانيين في بعض الجامعات السعودية ومساهمتها في جامعة أفريقيا العالمية بجانب التعاون في ميدان الثقافة الواسع عبر البرامج التلفزيونية والإذاعية والمنتديات والمهرجانات وغيرها.

ويمثل أيضًا البعد الاقتصادي ركيزة أساسية في العلاقة بين البلدين في مجال الزراعة بشقيها النباتي والحيواني، حيث وصلت حجم الاستثمارات السعودية المصادق عليها من الجانب السوداني في الفترة من العام 2000 حتى 2020 إلى 35.7 مليار دولار، نفذت منها على أرض الواقع مشروعات بنحو 15 مليار دولار، وشملت المجالات الزراعية والصناعية والخدمية.

 وبلغت صادرات السعودية إلى السودان في 2021م، 1.8 مليار ريال من الصادرات النفطية، و2.6 مليار ريال من الصادرات غير النفطية، فيما بلغت واردات المملكة غير النفطية من السودان 1.28 مليار ريال، وتُعدُّ المركبات وقطع الغيار، والبتروكيماويات، والمنتجات الغذائية، والتعبئة والتغليف، والأدوية، من أهم الصادرات، وتستورد أوراق خشبية ومنتجات غذائية([24]).

تسعى المملكة العربية السعودية، التي تطمح لأن تكون طرفًا فاعلًا في معالجة الأزمة السودانية، إلى الحد من أي تهديدات قد تمتد إلى جيران السودان، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية. لكن يبدو أن التهديدات التي تروج لها وسائل إعلام مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين تحمل أبعادًا استراتيجية، حيث يسعى الجيش السوداني، الذي يحاول استعادة هيبته بعد استعادة السيطرة على الخرطوم في مارس 2025، إلى اتخاذ خطوات استباقية لتفادي تفاقم المشكلات الداخلية، لاسيما مع انسحاب “قوات الدعم السريع” (RSF) من العاصمة. ويهدف الجيش، الذي حقق انتصارًا مؤقتًا في معركة الخرطوم، إلى لفت أنظار الإقليم والدول المجاورة إلى خطورة الوضع في السودان، وذلك في محاولة لكسب دعم خارجي لإعادة بناء الدولة ومعالجة الانقسامات السياسية العميقة. وعلى الصعيد الاقتصادي، تلعب العلاقات مع جنوب السودان دورًا حاسمًا في تهدئة الصراع، نظرًا لأهمية أنبوب النفط المشترك الذي ينقل حوالي 150 ألف برميل يوميًا عبر الأراضي السودانية. وأي تصعيد قد يؤدي إلى تعطيل هذا الأنبوب، مما يهدد الاقتصاد الهش لكلا البلدين، ويضاعف من تعقيد الأزمة الإقليمية.

وتسعى السعودية، كقوة إقليمية، إلى احتواء الصراع، كما يتضح من تأكيدها على نهاية الأزمة بانتصار البرهان، لكن تحذيرات الصحافة السعودية تشير إلى وعي بمخاطر التصعيد، ربما نتيجة تقييم داخلي لعدم استقرار الوضع. وهذا التناقض قد يعكس رغبة في دعم البرهان بوصفه حليفًا استراتيجيًا مع الحذر من تداعيات تهديداته على استقرار المنطقة، لاسيما مع وجود مصالح سعودية في البحر الأحمر.

ففي اليوم الذي أعلن فيه الجيش السوداني، سيطرته على الخرطوم، أرسلت السعودية وفدًا رفيع المستوى برئاسة السفير السعودي لدى السودان، علي بن حسن جعفر، إلى مطار بورتسودان، ضم الوفد ممثلين عن وزارة الخارجية السعودية، والصندوق السعودي للتنمية، ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.

وخلال الزيارة، سلّم الوفد سلطات المطار جهازًا حديثًا للمسح الضوئي للبضائع، ضمن حزمة مساعدات سعودية تهدف إلى دعم البنية التحتية في السودان.

وتؤكد السعودية أن معالجة الأزمة السودانية تتطلب وقف القتال كخطوة أولى، مع تعزيز الاستجابة الإنسانية، وتهيئة الظروف لمستقبل سياسي يضمن الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية والسيادة للسودان، إلى جانب الحد من التدخلات الخارجية. وفي هذا السياق، تؤكد الرياض على أهمية استمرار التنسيق مع الدول العربية والإسلامية الشقيقة والدول الصديقة، بهدف إنهاء الصراع في السودان وتخفيف المعاناة عن الشعب السوداني.

ولكن تظل مخاطر التصعيد الإقليمي مرتفعة، خاصة فيما إذا تحولت تهديدات الجيش إلى عمل عسكري، مع تشاد التي تمتلك حدودًا طويلة ومشتركة مع السودان (حوالي 1400 كيلومتر)، مما يجعل الاشتباكات الحدودية محتملة، اما جنوب السودان، رغم ضعفها النسبي، قد تلجأ إلى حلفاء إقليميين كأوغندا إذا شعرت بالتهديد، مما يوسع الصراع. ودور السعودية قد يحد من التصعيد إذا نجحت في الوساطة، لكن نجاحها يعتمد على قدرتها على كبح جماح الخطاب العسكري السوداني. أما بالنسبة للإخوان، فإن عودتهم الكاملة تبدو غير مؤكدة في ظل التحديات الداخلية والإقليمية.

ويرتبط الجيش السوداني تاريخيًا بجماعة الإخوان المسلمين، التي كان لها نفوذ قوي في عهد عمر البشير قبل سقوطه في 2019، واستعادة الخرطوم قد تعزز موقف الفصائل الموالية للإخوان داخل الجيش، لكن عودة هيمنتهم الكاملة على الدولة تواجه عقبات، مثل التنافس مع القوى المدنية والضغوط الدولية، وهذا الانتصار قد يكون خطوة لتعزيز النفوذ الإسلامي، لكنه لا يضمن عودة النموذج السياسي السابق دون توافق داخلي وخارجي.

فشل الوساطات الإقليمية (السعودية نموذجًا)

سبع مبادرات إقليمية دولية وأخرى محلية، من أبرزها الوساطة السعودية – الأمريكية التي تُعدُّ من أبرز المبادرات الدولية، حيث استضافت مدينة جدة منذ مايو/ آيار 2023 مفاوضات بين وفود الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ركزت هذه المبادرة على تخفيف التوترات، وتهيئة الأجواء للحوار، والاتفاق على هدنة تمهد لوقف دائم لإطلاق النار، مع تسهيل إيصال المساعدات الإنسانية، وقد قالت السعودية إن تلك المبادرة نجحت في التوصل لاتفاق مبدئي على الهدنة، لكن تلك المبادرة فشلت بفعل  – ما تشير إليه الصحافة السعودية – عدم التزام الطرفين ببنود الاتفاق.

وقد ظلت السعودية تلعب دور المحايد والوسيط في الأزمة السودانية، غير أن المكاسب التي حققتها قوات الجيش، قد تحولت على أثرها السعودية من دور الوسيط، إلى دور المساند للفريق عبدالفتاح البرهان الذي زار المملكة للحصول على دعم سياسي وعسكري لملاحقة قوات الدعم السريع التي هي الأخرى تتوعد بالعودة إلى الخرطوم بعد أيام من خروجها.

وعلى الرغم من أن الأزمة السودانية قد وصلت محطة اللاعودة، إلا أنه وجب الإشارة الى مبادرات (إيغاد)، التي حاولت تيسير حوار بين البرهان ودقلو، وسعت الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيغاد)، منذ الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في 2019، إلى التوفيق بين الأطراف السودانية لتسوية أزمة تقاسم السلطة ودعم الانتقال إلى حكم مدني، وكررت (إيغاد) في الـ 26 أبريل/ نيسان 2023 طرح مبادرة جديدة لتيسير الحوار بين البرهان ودقلو، بهدف إيجاد حل جذري للأزمة، لكن لم تُحقق هذه المبادرة نتائج ملموسة حتى الآن.

وفي مايو/  آيار قدم الاتحاد الأفريقي خريطة طريق تهدف إلى حل النزاع السوداني، تضمنت دعوة لوقف فوري ودائم للأعمال العدائية، وحماية المدنيين، واستكمال العملية السياسية الانتقالية، وتشكيل حكومة مدنية ديمقراطية، ورغم وضوح الأهداف، إلا أن هذه الخطة لم تترجم إلى تقدم عملي على الأرض.

وفي يونيو حزيران 2023، أعرب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عن استعداده لزيارة الخرطوم للتوسط بين الأطراف المتحاربة ودعم وقف إطلاق النار، وذلك خلال لقاء مع نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، ولم تتجاوز هذه المبادرة مرحلة النوايا الأولية.

وتلقت الأمانة العامة للجامعة العربية مبادرة وطنية من شخصيات مدنية سودانية لحل الأزمة، فيما دعا الأمين العام أحمد أبو الغيط في مارس 2024 إلى وقف الاقتتال وحقن الدماء، مشددًا على ضرورة التوصل إلى اتفاق سريع لوقف إطلاق النار. ولم تُسفر هذه الجهود عن اختراق ملحوظ.

وفي فبراير/ شباط 2024، أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة عن مبادرة تهدف إلى إحلال السلام ووقف القتال في السودان، لكنها لم تُحدث تأثيرًا يُذكر.

وفي يوليو/ حزيران 2023، استضافت مصر قمة لدول الجوار المباشر للسودان، بهدف صياغة رؤية مشتركة تتضمن وقف إطلاق النار، وفتح ممرات إنسانية آمنة، وإجراء حوار شامل. كما استضافت القاهرة اجتماعات لائتلاف قوى الحرية والتغيير وتنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) بقيادة عبد الله حمدوك، لتطوير إطار سياسي مدني لإنهاء النزاع. ولم تُحقق هذه الجهود تقدمًا حاسمًا.

المبادرات الإقليمية والدولية وإعلان فشلها، كانت هناك مبادرة محلية تطرح في الداخل السوادني، ففي 15 أغسطس/ آب 2023، قدم مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، خريطة طريق لوقف الصراع، تضمنت خطوات عملية لتهدئة النزاع، لكن هذه المبادرة فشلت مثل ما فشلت مبادرة لجبهة المدنية من تحالف قوى سياسية ونقابية ومنظمات مجتمع مدني، بهدف إنهاء الصراع واستعادة المسار الديمقراطي. وركزت الجبهة على حماية المدنيين ومعالجة الأزمة الإنسانية كأولويات، مؤكدة التزامها بالعمل السلمي لوقف الاقتتال.

إن المبادرات الدولية والإقليمية والمحلية، وعلى رأسها المبادرة السعودية لوقف النزاع المسلح في السودان، قد أخفقت في تحقيق أهدافها رغم تنوعها وشموليتها، تُعزى  _ وسائل إعلام سعودية من بينها صحيفة إندبندنت عربية([25])– هذه الإخفاقات إلى عدة عوامل رئيسة، من أبرزها  فرض القوات المسلحة السودانية شروطًا تعجيزية، مثل انسحاب قوات الدعم السريع من المواقع المدنية، مما أعاق التوصل إلى هدنة شاملة، كما نصَّت عليه مبادرة السعودية، وهو ما يؤكد أن الشرط التعجيزي من قبل البرهان، لم يواجه أي ضغوط للتراجع عنه، ناهيك عن تأثير الأجندات الداخلية، خاصة التيار الإسلامي داخل الجيش، الذي يرفض التسوية دون نصر عسكري شامل، وهو الأمر الذي يؤكد على أن قوى الإسلام السياسي، وغياب أي ضغوط إقليمية قد أسهمت في تعطيل التفاوض.  

لم تكن زيارة البرهان إلى السعودية ولقاء ولي العهد ([26])، إلا مؤشر على تحول الموقف السعودي المعلن “الوساطة والحياد”، إلى المساند للبرهان، مع وجود نبرة واضحة في الصحافة السعودية، توحي بأن قوات الدعم السريع أصبحت من الماضي، هذه المواقف التي قد تعلق عليها آمالا في إنهاء الصراع، لا يستبعد أن تعيد إنتاجه بشكل أقوى، وقد تفتحت سيطرة قوات البرهان على الخرطوم، الشهية لدى جماعات الإخوان ومنها الجماعة اليمنية لإعادة السيطرة على ميناء المخأ الاستراتيجي، حيث تشير معلومات – حصلت عليها مجلة بريم – إلى وجود رغبة ونية لدى جماعة الإخوان بالتحرك العسكري ضد قوات حراس الجمهورية.

المحور الثالث: صعود الإسلاميين (إخوان السودان) ودلالاته

إن صعود الإسلاميين في السودان، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، مرتبط بتحالفهم مع القوات المسلحة السودانية  في الصراع الحالي ضد قوات الدعم السريع التي تريد إقامة دولة مدنية بعيدة عن حكم ما با يعرف بـ”الكيزان”، حيث تشير العديد من التقارير إلى أن هذا الصعود قد يؤدي إلى حكم أكثر استبدادية[27]، مع مخاطر على حقوق الإنسان والاستقرار الداخلي، مع احتمالية أن يكون له تأثيرات إقليمية، بما في ذلك توتر العلاقات مع دول مثل مصر، وزيادة تدفق اللاجئين إلى الدول المجاورة، وقد يفتح الباب أمام فتح علاقات مع إيران وتركيا، ويعيد الصراع إلى البحر الأحمر من جبهة السودان.

لعب الإسلاميون في السودان، وخاصة الإخوان المسلمين، دورا رئيسًا في السياسة خلال حكم عمر البشير (1989-2019)[28]، لكن بعد ثورة 2019 التي أطاحت به، حاولوا استعادة النفوذ، غالبًا بالتحالف مع الفصائل العسكرية، غير أن أحداث الحرب الأخيرة التي نشبت في أبريل/ نيسان 2023، وتدور بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF)، انحاز الإسلاميون إلى دعم الجيش، وكان التحول الأخير في الحرب باستعادة الخرطوم (العاصمة) في مارس/ آذار 2025، وفقًا للتقارير الأخيرة، مثَّل انتصارًا للإخوان، حيث إن الجماعة الإسلامية لم تخف الدعم الذي تحصل عليه الجيش السوداني، من تركيا وبعض الدول الإقليمية الداعم للإخوان ([29]). 

لم يخف سودانيون مخاوفهم من أن عودة الإسلاميين للحكم في السودان قد يؤدي ذلك إلى حكم استبدادي مشابه لعصر البشير، مع مخاطر على حقوق الإنسان والاقتصاد، ناهيك أن هيمنة جيش البرهان وصعود الإسلاميين من بوابته، قد يؤدي إلى توتر العلاقات مع بعض الدول وأبرزها مصر، وزيادة تدفق اللاجئين إلى تشاد وجنوب السودان. ومن المحتمل أيضًا تعزيز العلاقات مع قطر وتركيا.

تاريخيًا، بدأت حركة الإسلاميين في السودان في الجامعات والمدارس الثانوية في أربعينيات القرن العشرين تحت تأثير جماعة الإخوان المسلمين المصرية. في عام 1949، تأسست حركة التحرير الإسلامي، وهي سابقة للإخوان المسلمين السودانيين، تحت قيادة حسن الترابي لاحقًا. وخلال حكم عمر البشير، استولى الإسلاميون على السلطة من خلال انقلاب عسكري في 1989، حيث طبقوا الشريعة الإسلامية وشاركوا في انتهاكات حقوق الإنسان. وبعد الثورة الشعبية في 2018 _ 2019 التي أطاحت بالبشير، حاولوا استعادة النفوذ، مستغلين الفراغ السياسي والصراعات العسكرية.

 الصراع الحالي في السودان، الذي بدأ في أبريل/ نيسان 2023، يشهد مواجهة بين  ([30])SAF بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان وقوات RSF بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). وفقًا للتقارير[31]، يدعم الإسلاميون، لاسيما أعضاء سابقين من النظام البشيري. فضلًا عن تأكيد بيانات صحفية ([32]) أن الإخوان المسلمين السودانيين أعلنوا دعمهم للجيش، معتبرين قوات الدعم السريع تمردًا على بقايا الدولة([33])، وعودة النظام القديم للحكم، أو استمرار الصراع المدعوم من الإسلاميين، وقد يؤدي ذلك إلى عودة إلى نظام حكم استبدادي مشابه لعصر البشير([34])، يشمل قمع المعارضة وانتهاك حقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق النساء والأقليات، ناهيك عن توسع الانقسامات الداخلية، حيث تحذر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ([35]) من أن صعود الإسلاميين سيعمق الانقسامات السياسية والعرقية، وقد يؤدي إلى مزيد من الاضطرابات، مع احتمالية حرب أهلية جديدة، واقتصاديا قد يؤدي إلى عزلة دولية واقتصادية، حيث قد تتردد الدول الغربية في التعامل مع حكومة ذات طابع إسلامي، مما يؤثر على إعادة بناء الاقتصاد بعد الحرب.

أما على الصعيد الإقليمي فقد يؤدي صعود الإسلاميين إلى توتر العلاقات مع دول مثل مصر والإمارات، التي تعارض الإخوان المسلمين، وعلى العكس من ذلك قد يتعزز التعاون مع قطر وتركيا، مما قد يغير توازن القوى الإقليمي، ناهيك عن ذلك فإن استمرار الصراع قد يزيد من تدفق اللاجئين إلى دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان، مما يزيد من الضغوط على هذه الدول، وفقًا لـ  ([36])UNHCR، وقد يؤدي ذلك إلى تهديدات إقليمية، مثل الصراعات حول الموارد (مثل خطوط الأنابيب النفطية)، مما قد يؤدي إلى حروب بالوكالة.

 ومن بين الجوانب غير المتوقعة، قد يؤدي صعود الإسلاميين إلى محاولات لتوسيع النفوذ خارج السودان، مثل التخطيط للسيطرة على مواقع استراتيجية في اليمن كباب المندب والمخأ، خاصة فيما إذا ذهب الإخوان في تعز إلى خوض معركة مع قوات حُرَّاس الجمهورية التي ترابط في المخأ، فالإخوان في اليمن يسعون إلى تقديم أنفسهم بوصفهم البديل للحوثيين، لاسيما إذا نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في القضاء على الحوثيين، وقد يستفيد تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية من الهيمنة الإخوانية على السودان، في تهريب الأسلحة من القرن الأفريقي عبر البحر الأحمر.

المحور الرابع: التهديد الإقليمي المحتمل

إن صعود التيارات الإسلامية، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، وتحول الدور السعودي من الوساطة المحايدة إلى دعم الجيش السوداني، يعزز من مخاطر التصعيد الإقليمي، الناتج عن الأزمة السودانية، خاصة مع العلاقات مع دول الجوار (تشاد، جنوب السودان، مصر)، بما في ذلك الهجرة، والتسلح، والنفط.   

وتشترك تشاد مع السودان في حدود تمتد لنحو 1400 كيلومتر، مما يجعلها عرضة للتأثيرات المباشرة للصراع السوداني. وتاريخيًا شهدت العلاقات بين البلدين توترات متكررة، لاسيما خلال نزاع دارفور (2003 – 2010)، حيث تبادل الطرفان اتهامات بدعم حركات متمردة عابرة للحدود.

وفي سياق الأزمة الحالية، زعمت تقارير صحفية قطرية [37] أن الجيش السوداني اتهم تشاد بتسهيل دعم قوات الدعم السريع عبر مطار أم جرس منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، وبحلول مارس/ آذار 2025، ومع سيطرة الجيش السوداني على الخرطوم، وجه القائد العسكري ياسر العطا تهديدات صريحة بقصف أهداف في تشاد، وهو ما عدَّته الأخيرة “إعلان حرب”، وفقًا لبيان رسمي تشادي ([38]) أكد استعدادها للدفاع عن سيادتها.

ويصف الكاتب السوداني مجاهد بشرى ([39]) تصريحات العطا بأنها تُعدُّ “قنبلة سياسية موقوتة” تهدد بإشعال صراع إقليمي، وتكشف عن تخبط القيادة العسكرية السودانية، فهو لا يهدد تشاد فحسب، بل يعرض السودان لخسائر إنسانية وعسكرية، لاسيما في مناطق حساسة مثل دارفور، ويبرز مخاطر الكلمات الطائشة في ظل أزمة داخلية وإقليمية معقدة([40]).

وتشكل التداعيات المحتملة التي قد تتحول التهديدات فيها إلى مواجهات عسكرية على الحدود، مما يوسع نطاق الصراع إقليميًا ويهدد الاستقرار في منطقة الساحل الأفريقي، وتسبب بأزمة للاجئين، حيث تستضيف تشاد حاليًا أكثر من 500,000 لاجئ سوداني ([41])، وأي تصعيد قد يزيد من تدفق اللاجئين، مما يضع ضغطًا إضافيًا على الموارد التشادية المحدودة.

ويمكن أن تحمل التهديدات التي أطلقها الجيش السوداني تجاه جنوب السودان تداعيات خطيرة، لاسيما في ظل العلاقات الاقتصادية الحساسة بين البلدين. إذ يعتمد جنوب السودان بشكل أساسي على خط أنابيب يمر عبر الأراضي السودانية لتصدير نفطه، وهو ما يشكل نحو 90% من إجمالي إيراداته. 

وشهدت العلاقات بين الدولتين توترات متكررة، لاسيما حول النزاعات الحدودية في مناطق مثل أبيي، بالإضافة إلى الخلافات المتعلقة برسوم نقل النفط. وفي مارس/ آذار 2025، صعّد الجيش السوداني من خطابه، موجهًا تهديدات مباشرة إلى جنوب السودان، متهمًا إياها بدعم قوات الدعم السريع، ومحذرًا من احتمال استهداف خط الأنابيب النفطي الذي ينقل ما يقارب 150,000 برميل يوميًا. 

من جانبها، رفضت حكومة جنوب السودان هذه التهديدات، ووصفتها بأنها “استفزازية” [42]و”انتهاك للقانون الدولي”، داعية الاتحاد الأفريقي إلى التدخل لاحتواء التصعيد ومنع تفاقم الأزمة، حيث إن أي استهداف لخط الأنابيب قد يؤدي إلى توقف الإمدادات، مما يهدد الاقتصاد الهش لكلا البلدين، ويؤثر على أسواق النفط الإقليمية، ناهيك عن تفاقم الأزمة الإنسانية، على اللاجئين السودانيين، وقد يزيد أعداد اللاجئين إلى مليون لاجئ مما يفاقم التحديات الإنسانية في بلد يعاني من ضعف البنية التحتية.

أما الموقف المصري، فالقاهرة تدعم الجيش السوداني بقيادة البرهان، معتبرة إياه حليفًا استراتيجيًا ضد التيارات الإسلامية، وخاصة الإخوان المسلمين، الذين تعارضهم مصر بشدة منذ الإطاحة بنظام محمد مرسي في 2013. كما أن السودان، بصفته جزءًا من حوض النيل، يُعدُّ عنصرًا حاسمًا لأمن مصر المائي، خاصة في ظل التوترات مع إثيوبيا حول سد النهضة. ومع ذلك، فإن صعود الإخوان المسلمين في السودان، كما حدث بعد سيطرة الجيش على الخرطوم في مارس/ آذار 2025، يثير قلق القاهرة بسبب التهديد المحتمل لأمنها القومي.

 وسيطرة الإخوان على السلطة في السودان _ من بوابة الجيش السوداني _ قد تؤدي إلى تدهور العلاقات مع مصر، مما يعقد التعاون في قضايا مثل إدارة مياه النيل وأمن الحدود، وقد يتسبب بضغوط إنسانية، حيث تستضيف مصر أكثر من 300,000 لاجئ سوداني، فبراير/ شباط (2025)([43])، وأي تصعيد قد يزيد من هذا العدد، مما يضغط على الاقتصاد المصري الذي يواجه تحديات داخلية.

وتُعدُّ الأزمة السودانية واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، حيث أفادت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين () في فبراير 2025 بأن 8.8 مليون شخص نازحون داخليًا، و3.5 مليون فروا كلاجئين إلى دول الجوار، ليصل إجمالي النازحين إلى 14.6 مليون شخص. هذا النزوح الجماعي يشكل تهديدًا كبيرًا للأمن الإقليمي.

وتدفق اللاجئين قد يؤدي إلى توترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين، خاصة في مناطق تعاني من الفقر، مثل شرق تشاد وشمال جنوب السودان، حيث من الممكن ان تُستغل مخيمات اللاجئين كبيئة للتجنيد من قبل الجماعات المسلحة، بما في ذلك الجماعات الجهادية التي قد تنشط في ظل الفوضى، كما حذرت تقارير مثل تلك الصادرة عن ([44])، من تدفق الأسلحة من السودان إلى دول الجوار، وهو ما يزيد من عدم الاستقرار في مناطق مثل تشاد وأفريقيا الوسطى، اللتين تعانيان بالفعل من وجود ميليشيات مسلحة، ناهيك أن صعود الإسلاميين في السودان، مستلهمين من تجربة سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، قد يسهم في ظهور جماعات جهادية جديدة، مما يهدد الأمن الإقليمي.

 وحيال ذلك يجب تعزيز الوساطات الإقليمية من خلال الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيغاد لاحتواء التوترات بين السودان ودول الجوار، ودعم الجهود الإنسانية لتخفيف الضغط على دول الجوار، بما في ذلك زيادة تمويل برامج مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومراقبة انتشار الأسلحة وتعزيز التعاون الأمني بين دول المنطقة لمنع صعود الجماعات الجهادية، مع التأكيد على ضمان استمرار تدفق النفط عبر خط الأنابيب بين السودان وجنوب السودان من خلال اتفاقيات ثنائية مضمونة دوليًا.

المحور الخامس: علاقة السودان بإيران وانعكاسها على البحر الأحمر

أكتوبر/ تشرين الأول العام 2023م، مثل عودة التعاون والعلاقة بين السودان وإيران، عقب 7 سنوات من القطيعة، وبعد هذا التاريخ أي في فبراير/ شباط 2024م، عاد التعاون العسكري بين الخرطوم وطهران، حيث أرسلت الأخيرة “أسلحة نوعية من بينها طائرات مسيرة للجيش السوداني([45])”.

وقد كان للاتفاق الإيراني السعودي([46]) في مارس/ آذار 2023م،الدور الأبرز في عودة التعاون العسكري بين السودان وإيران، حيث نجحت وساطة صينية في عودة العلاقة بين طهران والرياض، وهو الأمر الذي أسهم برفع الحرج عن الخرطوم باستئناف علاقتها مع طهران، وكان السودان قد قام بقطع علاقته مع الجمهورية الإسلامية إثر اقتحام السفارة السعودية([47]) في طهران يناير/كانون الثاني 2016.

وكانت قبل هذا العلاقة بين السودان وإيران قد مرت عبر مراحل متباينة، حيث شكلت المصالح السياسية والاقتصادية والإقليمية محركات رئيسة لها، ففي في أوائل التسعينيات، بعد انقلاب 1989 الذي قاده عمر البشير بدعم الجبهة الإسلامية القومية، شهدت العلاقة تقاربًا قويًا، واستند هذا التقارب إلى رؤية مشتركة بين النظام السوداني والثورة الإيرانية لتعزيز النفوذ الإسلامي.

 قدمت إيران دعمًا عسكريًا واقتصاديًا للسودان، شمل تدريب القوات المسلحة وتزويدها بالأسلحة، إلى جانب استضافة زيارات رفيعة المستوى، مثل زيارة الرئيس الإيراني علي أكبر هاشمي رفسنجاني للخرطوم في 1991، وزيارات البشير لطهران في 2006 و2011. كما سعت إيران لاستخدام السودان بوصفها نقطة انطلاق لتوسيع نفوذها في القرن الأفريقي([48]).

ومع بداية العقد الثاني من الألفية، بدأت العلاقة تشهد توترات. بعد انفصال جنوب السودان في 2011، واجهت الخرطوم أزمة اقتصادية دفعتها لإعادة تقييم تحالفاتها. وفي 2015، انضم السودان إلى التحالف العسكري بقيادة السعودية في اليمن ضد الحوثيين المدعومين من إيران، وهو ما أشار إلى تحول استراتيجي نحو دول الخليج. تبع ذلك قطع العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع إيران في يناير 2016، بالتزامن مع الأزمة السعودية _ الإيرانية بعد إعدام الشيخ نمر النمر. كان هذا القرار مدفوعًا بحاجة السودان لدعم مالي من السعودية والإمارات لتخفيف الضغوط الاقتصادية الداخلية.

وبعد سقوط نظام البشير في أبريل، نيسان 2019، بدأت العلاقة تشهد بوادر تجدد. مع اندلاع الحرب الأهلية في السودان في أبريل/ نيسان 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، وأظهرت تقارير عن دعم إيراني للجيش السوداني، بما في ذلك تزويده بطائرات مسيرة من طراز “مهاجر-6” لاستخدامها في النزاع الحالي([49]).

ودافعت قناة الجزيرة القطرية عن حكومة الإخوان في السودان، حول اتهامات تقديم الدعم الإيراني للجيش، حيث ذهبت الجزيرة التي تمثل صوت التنظيم الدولي، إلى الحديث على لسان مصادر في وزارة الدفاع السودانية، يبرر حصول الجيش على دعم إيراني، بأنه (أي الجيش)، قام بشراء أسلحة وطائرات مسيرة من عدة دول بينها إيران([50])”.

لكن هذا الدعم الإيراني المقر من قبل الجيش السوداني، أسهم في صعود الإسلاميين مرة أخرى، والنتيجة قد يعزز موقف إيران في منطقة البحر الأحمر، خاصة وأن يوليو/ تموز 2024، قد شهد الإعلان رسميًا عن عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد سبع سنوات من القطيعة، مما عكس مرونة العلاقة وقدرتها على التكيف مع المتغيرات السياسية والعسكرية.

والعلاقة بين السودان وإيران مرت بثلاث مراحل رئيسة، تقارب استراتيجي في التسعينيات والعقد الأول من الألفية، وتباعد تكتيكي بين 2015 و2019 بسبب الضغوط الاقتصادية والإقليمية، وتجدد التعاون بعد 2023 مدفوعًا بالحرب الأهلية واحتياجات الجيش السوداني، وموقع السودان الاستراتيجي ومصالح إيران في المنطقة ظلا عاملين حاسمين في هذا السياق.

وعلى مدى ثلاثة عقود، يتبين أن الإخوان كانوا في عهد الرئيس السوداني المعزول عمر البشير، أذرعًا محلية لطهران، فالرئيس الذي أقرَّ في مقابلة تلفزيونية أجريت معه خلال فترة حكمه([51])، بمشاركته مع تنظيم الإخوان – المعروف آنذاك بالجبهة الإسلامية القومية بزعامة حسن الترابي – في التخطيط والتنفيذ لانقلاب 30 يونيو/ حزيران 1989، الذي أطاح بالحكومة المنتخبة عام 1986، ونتيجة لهذا الانقلاب، حكم التنظيم الإسلامي السودان لمدة ثلاثة عقود([52])، حتى أُطيح به عبر ثورة شعبية في أبريل/ نيسان 2019،وقد عُدَّ هذا الإقرار دليلًا محوريًا في قضية اتهامه، حيث يثبت تورطه في تقويض النظام الدستوري ومخالفة قانون القوات المسلحة، وإقامة علاقة مع أنظمة إسلامية سعت لزعزعة الاستقرار في المنطقة.

مؤسسة The Jamestown Foundation ([53])، البحثية الأمريكية المتخصصة بالشؤون الأمنية والاستراتيجية نشرت دراسة حول استراتيجية إيران في البحر الأحمر في ظل الحرب الأخوية بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية في السودان، للباحث أندرو ماكجريجور، أكدت الدراسة أن النظام الإيراني زوّد ​​ القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان بطائرات مُسيّرة وأسلحة أخرى في صراعها ضد قوات الدعم السريع  بقيادة الفريق أول حمدان دقلو “حميدتي”. مؤكدًا رغبة طهران في إنشاء قاعدة بحرية في السودان، بالتعاون مع جماعة الحوثيين اليمنية الموالية لإيران، والهدف الإيراني من وراء هذه القاعدة تأسيس نقطة تستطيع بها أن تهدد بشكل أكبر الشحن في البحر الأحمر([54]).

وقد شهدت العلاقة بين إيران والسودان تقلبات خلال العقود الماضية لاسيما منذ الإطاحة بالرئيس عمر البشير،([55]) وعلى وجه الخصوص، تُشكّل التوترات الناجمة عن الأغلبية السنية في السودان، وترويج إيران للمذهب الشيعي، قيودًا على العلاقات بين طهران والخرطوم، لكن العلاقة الوطيدة بين جماعات الإسلام السياسي، وذهاب تيارات الإخوان صوب إيران، قد يحقق لإيران أهدافه على المدى القريب، لاسيما إنشاء قاعدة بحرية على ساحل البحر الأحمر السوداني أو للوصول إلى موانئ قائمة هناك، لكن جيش البرهان، قد يعيد التفكير في ذلك وقد يُمثل ذلك خرقًا كبيرًا للعلاقات الأمريكية السودانية، التي سعت الخرطوم لسنوات لتحسينها.

إيران، الداعمة للقضية الفلسطينية منذ الثورة الإسلامية عام 1979، تبنت موقفًا عدوانيًا ردًا على الهجوم الإسرائيلي على غزة. وكجزء من استراتيجية لتأكيد نفسها إقليميًا، استفادت طهران من قربها من البحر الأحمر، أحد أهم قنوات التجارة في العالم، للضغط على إسرائيل وداعميها الغربيين. ومع تمركز حركة الحوثيين الصديقة لإيران في اليمن بالقرب من مضيق باب المندب الضيق في الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، تولي إيران اهتمامًا جديدًا للسودان وساحله على البحر الأحمر الذي يبلغ طوله 465 ميلًا. ولتحقيق هذه الغاية، تزود طهران القوات المسلحة السودانية بقيادة الجنرال عبدالفتاح البرهان بأسلحة قد تغير قواعد اللعبة في صراعها ضد قوات الدعم السريع المتمردة بقيادة الجنرال حمدان دقلو “حميدتي”. وهذا يثير سؤالين: ماذا تريد طهران في المقابل؟ وهل من المرجح أن تحصل عليه؟

في تسعينيات القرن الماضي، تمتعت إيران بعلاقة وثيقة مع النظام العسكري الإسلامي للرئيس عمر البشير، وقد رحب البشير بالدعم الفني والدبلوماسي الإيراني في مساعيه لإقامة دولة إسلامية ودحر الانفصاليين في جنوب السودان. ويدعم العديد من الإسلاميين الذين أُطيح بهم من السلطة بعد الإطاحة بالبشير عام ٢٠١٩ القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول برهان.

قُطعت العلاقات مع إيران في يناير/ كانون الثاني 2016 عندما انحازت الخرطوم إلى جانب السعودية بعد أن هاجم حشدٌ السفارة السعودية في طهران ردًا على إعدام رجل الدين الشيعي السعودي البارز الشيخ نمر باقر النمر و46 آخرين في 2 يناير/ كانون الثاني 2016([56]). ثم لجأت حكومة البشير إلى خصوم إيران العرب في دول الخليج طلبًا للدعم([57]). خلال هذه الفترة، قاتلت القوات السودانية (ومعظمها من قوات الدعم السريع) إلى جانب القوات السعودية ضد حركة الحوثيين المدعومة من إيران في اليمن.

في الـ5 من فبراير/ شباط 2024م،التقى علي الصادق علي، القائم بأعمال وزير الخارجية السوداني، بالرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي ([58]) لمناقشة تحسّن العلاقات بين البلدين. وخلال اللقاء، أكد رئيسي أن “النظام الصهيوني المجرم” لا يمكن أن يكون صديقًا للدول الإسلامية. ودون أن يذكر السودان بالاسم، أدان الدول الإسلامية التي اختارت تطبيع العلاقات مع إسرائيل[59].

بعد قانونٍ صدر عام ١٩٥٨، مُنع القادة السودانيون من تطبيع العلاقات مع إسرائيل. وأتاحت الاضطرابات التي أعقبت الإطاحة بالرئيس البشير عام ٢٠١٩ فرصةً للولايات المتحدة لإشراك السودان في اتفاقيات إبراهيم مقابل رفع العقوبات الأمريكية عنه الذي طال انتظاره. ورفض عضو مجلس السيادة السوداني الحاكم، الأدميرال إبراهيم جابر، التلميحات بأن العلاقات مع إيران تعني نهاية الاتفاقية، مؤكدًا أن تجديد العلاقات مع إيران لن يؤثر على التطبيع الدبلوماسي مع إسرائيل([60])”.

في الـ2 من فبراير/شباط 2023، أبرمت السودان وإسرائيل اتفاقًا لتطبيع العلاقات، كانت إسرائيل تأمل أن يُسهّل الاتفاق ترحيل طالبي اللجوء السودانيين، إلا أن اندلاع الأعمال العدائية في السودان منتصف أبريل/ نيسان 2023 أوقف أي تطورات أخرى في هذا المجال ([61]).

قد تكون الأسلحة الإيرانية والتركية العامل الأبرز في صعود الإسلاميين بعد السيطرة على الخرطوم، وهو ما قد يتعزز مستقبلا خاصة في ظل مؤشرات “خاصة من التماهي”، من الجانب السعودي لدور إيراني في دعم الجيش السوداني، خاصة وأن الجمهورية الإسلامية تمتلك سجلا طويلا مع الإسلاميين السودانيين، حيث شملت هذه العلاقات في الماضي تدريبًا عسكريًا إيرانيًا لقوات الدفاع الشعبي السودانية([62]).

في مارس/ آذار2025م، مكّنت التكتيكات المنسقة باستخدام الطائرات المسيرة والمدفعية والمشاة القوات المسلحة السودانية من استعادة منطقة المدينة القديمة في أم درمان، ومقر الإذاعة والتلفزيون الوطني، وجسر واد البشير، وهو رابط إمداد حيوي لقوات الدعم السريع.

 ويُعتقد أن نجاح هذا الهجوم يعود جزئيًا إلى وصول طائرات إيرانية مسيرة حديثة ([63]) تُشغل هذه الطائرات المسيرة، التي تُستخدم أيضًا لتوجيه ضربات المدفعية، انطلاقًا من قاعدة وادي سيدنا شمال أم درمان. وتزعم قوات الدعم السريع أن القوات المسلحة السودانية تتلقى شحنات جوية من الطائرات المسيرة الإيرانية مرتين أسبوعيًا من بورتسودان ([64]).

وبدأت إيران بتزويد السودان بالطائرات المسيرة عام ٢٠٠٨. سمح ذلك للقوات المسلحة السودانية ببناء ترسانة صغيرة من طائرات أبابيل-٣ المسيرة، التي تتمتع بقدرات مفيدة في حرب المدن الشائعة في الصراع السوداني الدائر. كما تنتج السودان نسختها الخاصة من أبابيل-٣، المعروفة باسم زاجل-٣. وتستخدم القوات المسلحة السودانية أيضًا طائرات مسيرة إيرانية من فئة مهاجر، وأحدثها في السلسلة، مهاجر-٦، التي توفر قدرات ثورية، بما في ذلك حمولة أسلحة تصل إلى ١٥٠ كجم ([65])، وقد تم إنتاج طائرة مهاجر-6 لأول مرة في عام 2018، ولها سقف منخفض نسبيًا يبلغ 3.4 ميل، مما يجعلها عرضة للدفاعات المضادة للطائرات.

 صحيفة وول ستريت جورنال([66]) في 3 مارس/ آذار، نقلت عن أحمد حسن محمد، “مسؤول استخبارات سوداني رفيع المستوى” ومستشار مزعوم للجنرال البرهان، أن إيران ضغطت على السودان دون جدوى للحصول على إذن لإنشاء ميناء بحري إيراني على البحر الأحمر مقابل أسلحة متطورة وطائرات بدون طيار وحاملة مروحيات بحرية ([67])، وردّ وزير الخارجية السوداني السابق علي الصادق علي بسرعة ووصف التقرير بأنه “غير صحيح”، قائلًا: “لم تطلب إيران قط من السودان بناء قاعدة إيرانية. لقد زرت إيران مؤخرًا، ولم يُناقش هذا الأمر” ([68]).

أشارت مصادر أخرى في الاستخبارات العسكرية السودانية إلى أن مثل هذا العرض لم يُقدّم على الأرجح، وربما كان الكشف عنه وسيلةً من البرهان للتعبير عن استيائه من قلة الدعم الذي تتلقاه القوات المسلحة السودانية من المجتمع الدولي ([69]). ووصف متحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية التقرير بأنه “لا أساس له من الصحة وذو دوافع سياسية” ([70]). ونفى المتحدث باسم القوات المسلحة السودانية، العميد نبيل عبدالله، هذا الادعاء ووصفه بأنه “غير صحيح على الإطلاق” ونفى وجود أي مستشار للبرهان يحمل اسم أحمد حسن محمد (سودان تريبيون ، 4 مارس).

على الرغم من النفي القوي، سيكون من الغريب ألا تكون إيران قد طرحت إمكانية استخدام ميناء على ساحل البحر الأحمر السوداني خلف الأبواب المغلقة، حتى لو لم تطلب إيران بناء قاعدة عسكرية.

إن وجود قاعدة عسكرية إيرانية أو منفذ إلى ميناء على الساحل الغربي للبحر الأحمر – إلى جانب الحوثيين الموالين لإيران على الجانب الشرقي من البحر الأحمر – من شأنه أن يسهل على طهران أن يكون لها وجود مسلح على طول أحد أهم الطرق البحرية في العالم.

 كما قامت إيران مؤخرًا بتشغيل ثلاث سفن في البحر الأحمر وحوله. الأولى، التي تعمل في البحر الأحمر، هي IRIS Alborz ، وهي فرقاطة بريطانية الصنع من طراز Alvand تم إطلاقها في عام 1969 وتم تحديثها منذ ذلك الحين. وهي ترافقها IRIS Beshehr ، وهي سفينة تجديد من فئة Bandar Abbas. أما السفينة الثالثة فهي سفينة الشحن “إم في بهشاد”، التي يُعتقد أنها تعمل بوصفها سفينة تجسس لصالح إيران في خليج عدن منذ عام 2021.

 ويُزعم أن بهشاد زودت مجموعات الصواريخ الحوثية بمعلومات من خليج عدن، لكن يبدو أنها عادت إلى إيران في أبريل/ نيسان، بالتزامن مع انخفاض حاد في هجمات الصواريخ الحوثية([71]).

ستُثبط مصر، التي تدعم القوات المسلحة السودانية، وتمتلك أربعة موانئ بحرية خاصة بها على البحر الأحمر، أي وجود إيراني.

 ولا شك أن روسيا، التي لطالما سعت إلى قاعدة بحرية على ساحل السودان، ستشعر بالاستياء لرؤية حليفها الإيراني يحظى بالأولوية، وعلى الرغم من التحسن الطفيف للعلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران، لكن لن يكون السعوديون سعداء برؤية قاعدة بحرية إيرانية مقابل ميناء جدة، نقطة الدخول البحري الرئيسة للمسلمين الذين يؤدون فريضة الحج إلى مكة والمدينة.

كما أن للسودان مخاوفه الخاصة، وكما هو الحال مع وجود قاعدة بحرية روسية في بورتسودان، فإن وجود قاعدة إيرانية قد يجذب انتباهًا عسكريًا غير مرغوب فيه من قوى أخرى. ولا يمكن للسودان أن يتحمل تضرر أو تدمير مينائه البحري الحديث الوحيد ومدخله الرئيس للتجارة من خلال عمل عسكري.

 ومن شبه المؤكد أن الولايات المتحدة، التي يُعتقد أنها نفذت هجومًا إلكترونيًا مُشلًا على بهشاد في فبراير، ستعيد فرض العقوبات على السودان إذا ما وفّر ميناءً بحريًا لإيران.

على الرغم من أن حاجتها للدعم العسكري ضد قوات الدعم السريع جادة، فمن المرجح أن تتخذ الحكومة السودانية نهجًا مدروسًا تجاه تحسين علاقاتها مع إيران، ولا تتمتع القوات المسلحة السودانية بدعم شعبي أكبر من قوات الدعم السريع، ويرى الكثير من السودانيين أنها متورطة بشكل عميق مع الإسلاميين الذين مارسوا السلطة في السودان خلال العقود الثلاثة من نظام عمر البشير غير الشعبي.

لا يمكن للإخوان المسلمين في السودان، بصفتهم إسلاميين سنة متجذرين بعمق في النسيج السياسي والعسكري للبلاد، أن يعارضوا بسهولة تحالفًا مع إيران، خاصة إذا أبدت طهران جدية حقيقية في بناء قاعدة عسكرية على ضفاف البحر الأحمر المقابلة للسعودية. فالإسلاميون السودانيون، قد يجتهدوا ليكونوا مرشحين مثاليين ليصبحوا أدوات في يد إيران الشيعية، لأنهم قد لا يجدون مفرًا من قبول مثل هذا التحالف إذا كان يخدم مصالحهم الاستراتيجية. كذلك، فإن الجيش السوداني، الذي يهيمن عليه إسلاميون سنة، قد لا يرفض التزامًا عسكريًا يحقق أهدافًا مشتركة مع إيران، رغم الاختلافات العقائدية، إذا ما ضمن ذلك تعزيز موقفه في الصراع الداخلي.

كما أنه ليس من مصلحة السودان العودة إلى دائرة العقوبات الأمريكية المدمرة، بعد جهود طويلة لإثبات أنه لم يعد دولة راعية للإرهاب. وبعد انتهاء الصراع الحالي، سيكون السودان بحاجة إلى مساعدات واسعة لإعادة الإعمار، تتجاوز ما يمكن أن تقدمه إيران وحدها، مما يعقد فكرة إقامة منشأة بحرية إيرانية أو تحالف رسمي. ومع ذلك، إذا أسهمت المساعدة الإيرانية في تحقيق انتصار للقوات المسلحة السودانية، فإن طهران ستسعى بلا شك للحصول على مقابل، قد يشمل تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، وهو ما قد لا يستطيع الإخوان المسلمون معارضته إذا كان يتماشى مع بقائهم في السلطة.

المحور السادس: النتائج والتوصيات


إن سيطرة الجيش السوداني، المدعوم من الإخوان المسلمين، على الخرطوم في مارس/آذار 2025 قد تؤسس لاستقرار مؤقت إذا نجحت في فرض هيمنتها على بقية المناطق.

 لكن هذا الاستقرار مشروط بقبول القوى الداخلية والإقليمية لهذا الواقع، وهو أمر غير مرجح بسبب معارضة القوى المدنية والدول مثل مصر والإمارات لعودة الإخوان.

ولكن في حال نجحت “عودة الإسلاميين عبر الجيش” قد تؤدي إلى حكم استبدادي مشابه لعهد البشير، مع قمع المعارضة وتقييد الحريات، مما قد يحقق استقرارًا سطحيًا على حساب الانقسامات الداخلية العميقة.

إن استمرار الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع، مع تهديدات البرهان بملاحقة الأخيرة إلى دارفور، قد يدفع البلاد نحو حرب أهلية شاملة. وتصريحات قادة الدعم السريع عن عزمهم استعادة الخرطوم، إلى جانب الانقسامات العرقية والقبلية المتصاعدة (مثل المجازر في دارفور)، تشير إلى احتمال تحول النزاع من صراع مركزي إلى حرب متعددة الجبهات. كما أن “توسيع الفجوة السياسية” بين القوى المدنية والإسلامية، كما يذكر المستند، قد يفاقم الوضع ويؤدي إلى انهيار كامل للدولة.

تبرز مخاطر التدخلات الخارجية بوصفها عاملًا قد يحول الأزمة إلى حرب بالوكالة، فدعم إيران للجيش السوداني بطائرات مسيرة، إلى جانب الدعم السعودي للبرهان، يشير إلى تنافس إقليمي محتمل. كما ينوه إلى احتمال تقارب السودان مع قطر وتركيا، مما قد يعزز نفوذ الإخوان، بينما تعارض الإمارات ومصر هذا التوجه، وتهديدات الجيش لتشاد وجنوب السودان تضيف بُعدًا آخر، حيث قد تستغل دول الجوار الصراع لدعم أطراف معينة، مما يوسع نطاق النزاع إقليميًا. المستند يحذر من أن “امتداد الصراع إلى خارج الحدود” قد يخلق بيئة مواتية لحروب بالوكالة.

إن الأزمة السودانية، التي بدأت في أبريل/ نيسان 2023، تحولت إلى صراع معقد بأبعاد سياسية وأيديولوجية وإقليمية، مع صعود الإخوان المسلمين بوصفهم فاعلًا رئيسًا عبر تحالفهم مع الجيش.

 وفشل الوساطات الإقليمية، خاصة السعودية، وتحولها من حياد إلى دعم البرهان، أسهم في تعميق النزاع.

وعودة العلاقات مع إيران ودعمها العسكري عززت موقف الجيش، لكنها أثارت مخاطر إقليمية على البحر الأحمر.

إن الأخطار المحتملة تشمل انهيار الاستقرار الداخلي بسبب الانقسامات، وتصعيد إقليمي محتمل مع تشاد وجنوب السودان بسبب التهديدات العسكرية، وتهديد الاقتصادات المحلية (مثل خط أنابيب النفط). كما أن تعزيز نفوذ الإخوان قد يؤدي إلى عزلة دولية وعودة العقوبات، مع تفاقم الأزمة الإنسانية (14.6 مليون نازح).

إن استمرار الوضع الحالي دون تسوية سياسية شاملة سيفاقم الأزمة. هناك حاجة ماسة لحلول تتجاوز العسكرة وتضم القوى المدنية لضمان استقرار دائم وتجنب التهديدات الإقليمية.

وحيال ذلك، ينبغي تعزيز الحوار الوطني بمشاركة القوى المدنية (مثل تحالف “تقدم” بقيادة حمدوك) والعسكرية للوصول إلى تسوية سياسية، مع ضمان تمثيل الشباب والمجتمع المدني الذين قادوا ثورة 2019.

يجب تقليص دور الجيش والمليشيات في الحياة السياسية من خلال نزع السلاح وإعادة دمج المقاتلين في جيش وطني بعيدًا عن هيمنة الإسلام، مع التركيز على بناء مؤسسات ديمقراطية تحد من هيمنة العسكر، ومراقبة نشاط الإخوان المسلمين لمنع تحول السودان إلى قاعدة للتيارات المتطرفة، مع الضغط الدولي لضمان عدم استغلالهم للفوضى في توسيع النفوذ داخليًا وإقليميًا.

على السعودية استعادة دور الوسيط المحايد بدلًا من دعم طرف واحد، بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي و”الإيغاد”، لاحتواء التصعيد. كما يجب تنسيق الجهود الإقليمية لمنع التدخلات الخارجية (مثل إيران) من تأجيج النزاع.


[1] حقائق عن الصراع الدموي في السودان وتداخل الأجندات الدولية – موقع سودان تمورو

[2] أبرز المبادرات الدولية والمحلية لوقف الاقتتال في السودان – الشرق الأوسط السعودية

[3] الموقع الرسمي لسفارة السودان في المملكة العربية السعودية، على الرابط http://www.sudanembassy.org.sa/ar/about-sudan/geographical-location/

[4] مؤتمر الخريجين 1938 ودوره في النضال الوطني – (مصدر: دراسات تاريخية سودانية). 

[5]  التحديات الثلاث: الدستور، الجنوب والتنمية – (مصدر: أبحاث سياسية واجتماعية عن السودان). 

[6] المشهد السياسي بعد الاستقلال – (مصدر: تقارير تاريخية عن تطور الأحزاب والتيارات في السودان)

[7] الأزمة الدستورية في السودان – (مصدر: دراسات مقارنة حول أنظمة الحكم في أفريقيا)

[8] الحرب في السودان.. صدمات نفسية تطارد الناجين وتهدد الأجيال – سكاي نيوز عربية

[9] تنافس إيراني سعودي على النفوذ في البحر الأحمر – معلومات صحافية

[10] ظهور علني لقيادات الإخوان يثير جدلا حول دورهم في حرب السودان – سكاي نيوز عربية

[11] الإخوان في السودان من التنظيم إلى التنظير إلى هاوية السقوط 17 مايو 2023 – تريندز للبحوث والاستشارات

[12] عودة الإسلاميين عبر الحرب- خطر داهم يهدد السودان –  زهيرعثمان  موقع حفريات

[13] كيف نقرأ موقف الإخوان فى ظل احتدام الأزمة السودانية؟ – موقع شاف

[14] دور «الإخوان» في حرب السودان – صحيفة عكاظ السعودية معتز يماني

[15] تطوّرات الحرب السودانية – الشرق الأوسط السعودية

[16] البرهان يستعين بالسعودية لوضع حد لتضارب مواقفه في البحر الأحمر – من وكالة أنباء حضرموت https://wah.news/posts/89133

[17] السعودية والسودان يوفقان على إنشاء مجلس تنسيق لتعزيز العلاقات الثنائية – وكالة شنخوا الصينية

[18] الإخوان المسلمين والدعم السريع.. ما المخبوء تحت القشرة؟ – عدلان أحمد عبدالعزيز

[19] منابر إسطنبول تسقط أقنعة الإخوان في حرب السودان – صحيفة العرب

[20] الجيش السوداني يرتكب جرائم فظيعة… والإخوان يتصدرون للدفاع عنه… ما القصة؟ – موقع حفريات

[21] العلاقات السودانية السعودية، وفق ما هو منشور في موقف سفارة الخرطوم لدى السعودية على الرابط التالي http://www.sudanembassy.org.sa/ar/about/sudan-saudi-foreign-policy

[22] المصدر السابق بالإضافة إلى معلومات الموسوعة الحرة (يكيبيديا)

[23] المملكة والسودان.. علاقات تاريخية ومصير مشترك – وكالة الانباء السعودية الرسمية (واس) https://www.spa.gov.sa/w1899795

[24] التبادل الاقتصادي والتجاري بين السعودية والسودان – (واس) https://www.spa.gov.sa/w1899795

[25] لماذا أخفقت “المبادرات” في إنهاء حرب السودان؟ أبرزها منبر جدة و”إيغاد” ووثيقة المنامة و”دول الجوار” وغيرها من المساعي المختلفة – إسماعيل محمد علي صحافي سوداني الاثنين 25 مارس 2024 15:14

[26] وكالة الأنباء السعودية (واس) / المملكة والسودان.. علاقات تاريخية ومصير مشترك- واس https://www.spa.gov.sa/w1899795

[27] حصري: الإسلاميون يمارسون أيديًا خفية في الصراع بالسودان، بحسب مصادر عسكرية – وكالة رويترز

[28] الإخوان المسلمون في السودان ينضمون إلى الجيش – www.middleeastmonitor.com

[29] الناشطة والصحافية السودانية هبة الوسيلة تتحدث في تسجيل مرئي عن الوضح في الخرطوم بعد احداث مارس/ آذار 2025م – منصة X

[30] Muslim Brotherhood in Sudan sides with the army Middle East Monitor

[31] Islamists wield hidden hand in Sudan conflict, military sources say Reuters

[32] Muslim Brotherhood in Sudan sides with the army Middle East Monitor

[33] Sudanese civil war 2023–present Wikipedia

[34] Sudan situation UNHCR Global Focus

[35] أدى الصراع الذي اندلع في السودان في أبريل/نيسان 2023 إلى أكبر أزمة نزوح هذا العام، حيث فر 6.1 مليون سوداني إلى مناطق أخرى داخل البلاد وسعى 1.5 مليون شخص إلى البحث عن الأمان في الخارج – المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين

[36] تقرير لـ”المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين”، حول الوضع في السودان

[37] مزاعم أوردتها صحيفة القدس العربي القطرية – القدس العربي

[38] تصريح ياسر العطا… يحوّل الجيش إلى مهدّد إقليمي – وسائل إعلام سودانية بينها موقع التحرير

[39] مقالة للكاتب السوداني مجاهد بشرى يتحدث فيه عن التهديدات السودانية لتشاد – موقع التحرير هنا السودان

[40] الحرب السودانية تُنذر بصراع إقليمي اتهام لبعض «الجيران»… وأديس أبابا تراقب – الشرق الأوسط السعودية

[41] مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR). (2025). Sudan Situation Report UNHCR Global Focus.

[42] بيان رسمي: وزارة الخارجية والتعاون الدولي بجمهورية جنوب السودان تعرب عن إدانتها الشديدة وقلقها العميق إزاء التصريحات الصادرة عن اللواء ياسر العطا، مساعد القائد العام للقوات المسلحة السودانية –وكالة وادي النيل

[43] تقارير المفوضية السامية لحقوق اللاجئين – UNHCR

[44] One Year On, Civil War Risks Reviving Jihadism in Sudan Publication: Terrorism Monitor Volume: 22 Issue:  By: Herbert Maack

[45] عودة التعاون العسكري بين السودان وإيران.. خطوة تكتيكية أم تحالف استراتيجي – قناة الجزيرة القطرية.

[46] الاتفاق بين السعودية وإيران: خطوات متسارعة نحو المصالحة

[47] اقتحام السفارة السعودية في طهران – وسائل إعلام سعودية وعربية

[48] العلاقات الإيرانية السودانية – وسائل اعلام سودانية وعربية

[49] إيران تقدم أسلحة نوعية من بينها مسيرة طراز “المهاجر 6 لدعم الجيش ضد قوات الدعم السريع –وسائل إعلام قطرية

[50] قناة الجزيرة القطرية تقول إن الجيش السوداني سعى لتعزيز قدراته خلال الشهور الماضية لمواجهة التمرد المسلح لمليشيا الدعم السريع، واشترى عبر الطرق الرسمية أسلحة ومسيرات من عدة دول من بينها إيران

[51]

[52] حكم “البشير” السودان ثلاثة منذ انقلاب العام 1989م – سكاي نيوز عربية

[53] One Year On, Civil War Risks Reviving Jihadism in Sudan Publication: Terrorism Monitor Volume: 22 Issue:  By: Herbert Maack

[54] One Year On, Civil War Risks Reviving Jihadism in Sudan Publication: Terrorism Monitor Volume: 22 Issue:  By: Herbert Maack

[55] ماذا يعني إثبات علاقة انقلاب البشير بتنظيم “الإخوان”؟ – سكاي نيوز عربية

[56] ( برس تي في طهران)

[57] السودان وإيران تنهيان 8 سنوات من القطيعة الدبلوماسية – صحيفة العرب

[58] وكالة مهر نيوز الإيرانية  ومواقع إخبارية سودانية

[59] وفد سوداني رفيع يلتقي الرئيس الإيراني في طهران إيذانا بإنهاء قطيعة طويلة – وسائل إعلام سودانية

[60] الأدميرال إبراهيم جابر: “سنسعى للتطبيع عندما يصب في مصلحتنا، وسنمتنع عنه في غير ذلك” ( سودان تريبيون).

[61] صحيفة هآرتس الإسرائيلية

[62] العلاقة السودانية الإيرانية – وسائل إعلام سودانية

[63]  الجزيرة ، 12 مارس/آذار؛ راديو دبنقا ، 17 مارس/آذار.

[64] ( رويترز ، 10 أبريل/نيسان).

[65] مجلة ميليتري أفريكا ، ٢٠ أبريل ٢٠٢٣.

[66] ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال في 3 مارس/آذار

[67] وول ستريت جورنال ، 3 مارس/آذار

[68] سبوتنيك موسكو، 4 مارس/آذار).

[69] صحيفة الشرق الأوسط السعودية

[70] راديو دبنقا ، 5 مارس

[71] ( راديو دبنقا ، 5 مارس/آذار؛ مركز ألما للأبحاث والتعليم [إسرائيل]، 24 أبريل/نيسان)

صالح أبوعوذل

كاتب وصحافي يمني بارز، رئيس مجلس إدارة مجلة بريم الصادرة عن رئيس مؤسسة "اليوم الثامن للإعلام والدراسات"، وهي مؤسسة إعلامية متخصصة تهتم بالقضايا السياسية والاجتماعية في اليمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى