أمنية وعسكرية

تحليل سياسي–عسكري لأحداث حضرموت والضالع وتداعياتها على تراجع الدور الجنوبي

السعودية: من التحالف إلى كسر التوازن.. قراءة في تحول الرياض تجاه الجنوب

الملخص

تتناول هذه الدراسة التحول في طبيعة الدور السعودي في الجنوب اليمني، من إطار التحالف القائم على مواجهة الحوثيين إلى نمط أكثر تعقيدًا يقوم على إعادة ضبط الفاعلين المحليين وإعادة تشكيل التوازنات داخل البيئة الجنوبية. وتنطلق الدراسة من تحليل الضربات الجوية التي استهدفت القوات الحكومية الجنوبية في حضرموت، وما تبعها من قصف لمحافظة الضالع، في سياق متزامن مع تحركات سياسية تمثلت في الدعوة إلى حوار جنوبي برعاية الرياض.

وتخلص الدراسة إلى أن هذا التزامن بين التصعيد العسكري والمسار السياسي يعكس انتقالًا في المقاربة السعودية من إدارة الصراع إلى إدارة الفاعلين، بما أدى إلى إضعاف موقع القوى الجنوبية كفاعل رئيس، وإعادة تعريف موقعها ضمن معادلة إقليمية أكثر تعقيدًا.

كما تشير إلى أن استخدام القوة الجوية كأداة ضغط سياسي، دون وجود استراتيجية متكاملة لإدارة ما بعد الضربات، أسهم في إحداث اختلالات أمنية واجتماعية، وخلق حالة من التوتر وعدم الاستقرار، في حين أن الدعوة إلى الحوار، رغم ما تحمله من بعد سياسي، تظل جزءًا من آلية لإعادة ترتيب المشهد، أكثر من كونها مسارًا لحل جذري للأزمة.

وفي المحصلة، ترى الدراسة أن الجنوب دخل مرحلة جديدة تتسم بإعادة تشكيل عميقة لموازين القوة، حيث لم يعد التحدي مقتصرًا على مواجهة الخصوم التقليديين، بل امتد ليشمل التعامل مع تحولات في طبيعة العلاقة مع الحلفاء أنفسهم.

كلمات مفتاحية: الجنوب اليمني – السعودية – إدارة الفاعلين – القوة الجوية – حضرموت – الضالع – الحوار الجنوبي.

المقدمة

تشير التطورات التي شهدتها محافظتا حضرموت والضالع مطلع عام 2026م إلى تحول نوعي في طبيعة الدور السعودي في الجنوب، لم يعد يقتصر على إدارة الصراع ضد الحوثيين، بل امتد ليشمل إعادة تشكيل التوازنات داخل البيئة المحلية نفسها. فقد أعقب سيطرة القوات الحكومية الجنوبية على وادي وصحراء حضرموت في ديسمبر 2025م تدخل عسكري جوي واسع النطاق من قبل السعودية، استهدف هذه القوات بشكل مباشر، قبل أن يتوسع لاحقًا ليشمل محافظة الضالع، في سياق متزامن مع تحركات سياسية تمثلت في الدعوة إلى حوار جنوبي برعاية الرياض.

هذا التزامن بين التصعيد العسكري والتحرك السياسي يعكس انتقالًا في المقاربة السعودية من نموذج التحالف القائم على الأهداف المشتركة، إلى نموذج أكثر تعقيدًا يقوم على إدارة الفاعلين المحليين وضبط توازناتهم بما يتوافق مع اعتبارات إقليمية أوسع. وفي هذا الإطار، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل هذا التحول من خلال قراءة أبعاده السياسية والعسكرية، واستكشاف تداعياته على موقع الجنوب في المشهدين السياسي والأمني.

التمهيد:

لقد قام الحوثيون بانقلاب على الحكومة اليمنية في صنعاء في نهاية عام 2014م، ووضعوا الرئيس _ حينها _ عبدربه منصور هادي تحت الإقامة الجبرية، وأُجبر على توقيع ما عُرِفَ حينها باتفاق “السلم والشراكة” معهم، بحضور المبعوث الأممي حينها جمال بن عمر، ثم حاولوا التقدّم باتجاه الجنوب لتجديد الاجتياح العسكري الشهير الذي كان في 1994م من قبل نظام صنعاء بقيادة الرئيس علي عبدالله صالح حينئذ…، ثم تمكّن الرئيس عبدربه منصور هادي من الخروج من الإقامة الجبرية وذهب إلى عدن، وأعلنها (عدن) عاصمة مؤقتة للبلاد، إلا أن الحوثيين تتبعوه إلى المعاشيق(مقرّ إقامته في عدن) وحاولوا استهدافه بالطيران الحربي، فخرج برًّا إلى سلطنة عُمان، وكان قد طلب من الدول العربية _ كما قال لاحقًا _ التدخل لإنهاء الانقلاب الحوثي في اليمن وتحرير العاصمة صنعاء، فتم تشكيل تحالف مكون من عدة دول عربية وإسلامية للقضاء على ذلك الانقلاب إلَّا أنَّ ذلك التحالف قد تعرّض لانتكاسات متتالية، أدَّت إلى انسحاب أكثر أعضائه ولم يتبق في الأخير ضمن هذا الحلف إلَّا السعودية والإمارات العربية المتحدة، التي خرجت هي الأخرى (الإمارات) رغم ما حققته من مكاسب على الأرض، خاصة فيما يتعلق بالحرب على الحوثيين وتحرير كامل المناطق المحررة من الأذرع الإيرانية والتنظيمات المرتبطة بالقاعدة وداعش.

أجبرت السعودية رئيس مجلس الرئاسة اليمني د. رشاد العليمي، على طلب خروج الإمارات، من ذلك التحالف([1])، وبقيت(السعودية)، بعد خروج الإمارات قائدة نفسها بعد خروج آخر شريك في التحالف وانتهاء صفته، من منطلق مفهومه اللغوي، إذ الحلف هو العهد بين القوم أو العشائر بأن يكون أمرهم واحدًا بالوفاء؛ لتنفيذ هدف أو مهمة ما([2])، وبعد خروج الإمارات العربية المتحدة لم يتبق إلا السعودية قائدة نفسها كما سلف؛ لتفرض أمر واقع في أراضي الجنوب التي تحررت على اثر تحالفات عسكرية بين المقاومة الجنوبية والقوات المسلحة الإماراتية التي شاركت في تحرير العاصمة عدن منتصف العام 2015م، وصولا إلى تحرير المكلا من تنظيم القاعدة الإرهابي، وكان الجنوب على وشك اعلان قيام دولته، غير ان السعودية رأت في ذلك تهديدا لاتفاق ابرم مع ايران في مارس/ اذار 2023م، كان يجري استكماله بتوقيع اتفاق مع الاذرع الإيرانية جماعة الحوثيين..

الجنوب الذي كان تعرّض من قبل نظام صنعاء إلى احتلال عسكري في 7/ 7/ 1994م شهد نضالًا على مستويات متعددة منذ ذلك اليوم، إذ لم يرضخ ولم يستكن فظل بين حين وآخر يحاول أن يقاوم ترسانة ذلك النظام العسكري حينًا بالكلمة وحينًا بالمظاهرات السلمية([3]) وحينًا بالعصيان المدني وحينًا آخر بالسلاح، وتشكّلت منذ ذلك الوقت عدة كيانات([4]) تحاول أن تنهض بثورة حقيقة أمام ذلك النظام وطرده من البلاد، فاستمرت إلى أن أُعلِن الحراك السلمي في 7/ 7/ 2007م، فقامت ثورة سلمية سقط خلالها مئات الضحايا الذين كانوا يتصدُّون لتشكيلات النظام اليمني، فكانت أرض الجنوب مهيأة للانتفاض ضد هؤلاء وطردهم منها بأدنى مساعدة، وهو ما تحقّق لهم بتدخل التحالف العربي الذي قيل بأنَّه جاء بطلب من الرئيس عبدربه منصور هادي _ كما سبق الإشارة _ في 2015م لدعم الشرعية اليمنية، للقضاء على الانقلاب الحوثي، واستطاع أبناء الجنوب العربي بما قدموه من تضحيات جسيمة خلال مدة وجيزة أن يحرروا معظم أراضيهم، ولم يتبق منها إلّا المنطقة العسكرية الأولى في حضرموت والمهرة ومكيراس في محافظة أبين، وكانت هذا المنطقة العسكرية الأول في صحراء ووادي حضرموت فضلًا عن المهرة تربض على ثروات هائلة في باطن تلك الأرض…

وجرت عدّة مواقف وأحداث أدَّت إلى تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي بتفويض شعبي ، إذ جاء تشكيله في 11/ 5/ 2027م بعدما عُرِفَ بإعلان عدن التاريخي في 4/ 5/ 2017م([5])، واستطاع المجلس الانتقالي الجنوبي عبر دعم حقيقي ومواقف صادقة من قبل الإمارات العربية المتحدة أن يأسس عدة تشكيلات عسكرية جنوبية بعد صدور قرارات جمهورية بتشكيلها، ثم جرت عدة مواقف وأحداث بين المجلس الانتقالي الجنوبي وما يسمى بالشرعية اليمنية، أدَّت إلى تدخل السعودية بينهما، فأنتج ذلك التدخل ما عُرِفَ باتفاق الرياض، الذي دخل المجلس الانتقالي الجنوبي فيه بشراكة مع تلك الحكومة، فمُنِحَ المجلس بعض الحقائب الوزارية، كوزارة الخدمة المدنية والتأمينات التي تقلدها د. عبدالناصر الوالي، ووزارة النقل التي تقلدها د. عبدالسلام حميد، ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل التي تقلدها د. محمد سعيد الزعوري، ووزارة الزراعة والثروة السمكية التي تقلدها اللواء سالم السقطري…

وقد ظل المجلس الانتقالي الجنوبي يطالب بإخراج القوات المتواجدة في وادي وصحراء حضرموت؛ لأنها تتبع ما تسمى بالشرعية اليمنية، وهي آخر ما تبقى من قوة([6]) كانت شريكة نظام صنعاء في احتلال الجنوب عسكريا عام 1994م، وقد تم الاتفاق في الرياض على أن تخرج تلك القوات لتتقدم باتجاه تحرير صنعاء، إلَّا أن شيئًا من ذلك لم يحدث، وظل المجلس يتحين الفرصة إلى أن سنحت للقوات الحكومية الجنوبية في مطلع شهر ديسمبر 2025م ببسط سيطرتهم على تلك المنطقة، وبعد أن تمَّ طرد تلك القوات من وادي وصحراء حضرموت والمهرة خرج أبناء شعب الجنوب العربي يحتفلون ويؤيدون خطوات القوات الحكومية الجنوبية، واعتصموا في مدن المحافظات، يطالبون المفوض الرئيس عيدروس بن قاسم الزبيدي بإعلان دولة الجنوب العربي…

 وقد كان الاعتقاد السابق أن رموز نظام صنعاء السابق يحتفظون بتلك القوات لنهب ثروات تلك الأرض وخيراتها الوفيرة، لكن اتّضح  بعد عام 2015م أن تلك المنطقة لم يكن الهدف من الاحتفاظ بها هو نهب ثروات تلك الأراضي فحسب بل كانت تلك الأراضي تشكل خط إمداد للانقلاب الحوثي، واتصال أرضي مباشر مع الداعم الرئيس لهم (إيران) عبر الأراضي العُمانية([7]) ذات التخادم الواضح مع إيران والحوثي منذ بداية الانقلاب الحوثي في صنعاء، فضلًا عن كونها بيئة لرعاية وتدريب التنظيمات الإرهابية التي كانت أداة النظام اليمني والتي استعملها لمحاولة إرباك الجنوبيين من ناحية والقضاء عليهم لمطالبتهم باستعادة الدولة والهوية من ناحية أخرى، إلَّا أن ما تسمى بالشرعية التي أدخلها التحالف مع المقاومة الحكومية الجنوبية ضمن شراكة في تشكيل حكومة للبلاد بغرض القضاء على الحوثي وتحرير صنعاء لم يرق لها ذلك التحرير لتك الأراضي؛ لما يشكله خروج تلك القوات من خطر كبير وضمور للانقلابين الحوثيين وانكماشهم في دائرة ضيقة، فضلًا عن فُقد رموز ذلك النظام عائدات تلك الثروات المنهوبة، فاعترضت على ذلك، وهي التي سبق لها أن أوقفت تلك القوات(القوات الحكومية الجنوبية) في مرحلة سابقة على مشارف ميناء الحديدة _ بتوقيع ما عُرِفَ باتفاق استوكهولم _ وعملت على سحبها إلى الساحل الغربي في المخا وحيس، وهذه المرة رفضت ذلك التحرير لوادي وصحراء حضرموت وعدّته انقلابًا على الشراكة التي أدخلها فيه التحالف العربي وجلبها من فنادق الرياض وتركيا؛ لتدخل مع المجلس الانتقالي الجنوبي ذات الحاضنة الشعبية، وتعود إلى عدن بغرض تحرير صنعاء.. فذهب رئيس المجلس الرئاسي د. رشاد العليمي إلى السعودية([8])، بعد تحرير القوات الجنوبية للمنطقة العسكرية الأولى في صحراء ووادي حضرموت، وطلب منها التدخل للقضاء على القوات الحكومية الجنوبية بإخراجها من وادي وصحراء حضرموت بشكل خاص، وإزاحتها عن المشهد في الجنوب العربي بشكل عام… فكان القصف لها في صحراء ووادي حضرموت من قبل سلاح الجو الملكي للمملكة العربية السعودية، ثم في محافظة الضالع، ويمكن تبيين مجريات تلك الأحداث بصورة أوسع من خلال المحاور الآتية:

المحور الأول: قصف القوات الحكومية الجنوبية في وادي حضرموت

_ البنية السياسية والعسكرية للحدث

قصفت السعودية حلفائها المحليين في صد المشروع الإيراني في الجزيرة العربية، القوات الحكومية الجنوبية التي كانت السند الحقيقي لها في حربها ضد أذرع إيران في المنطقة، بالحرب على الحوثي، ففي يوم الجمعة الموافق 2 يناير 2026م قصف سلاح الجو الملكي في السعودية القوات الحكومية الجنوبية في وادي وصحراء حضرموت، بعد أن دخلت تلك القوات إليها قبل حوالي شهر، في تاريخ 3 ديسمبر 2025م؛ وطردت منها آخر ما تبقى من قوات النظام اليمني في ذلك المكان، تلك القوات التي أصبحت في حقيقتها تابعةً لإخوان المسلمين والتي تضم في داخلها وتدافع في الوقت نفسه عن التنظيمات الإرهابية التي يتم رعايتها وتدريبها في تلك البيئة التي كانت تسيطر على ما يسمى بالمنطقة العسكرية الأولى، وتشكل خط إمداد للحوثي من سلطنة عُمان وعبر المهرة وصحراء ووادي حضرموت ومأرب حتى صنعاء، فتزوده بالأموال والأسلحة وتنقل الخبراء الإيرانيين عبر ذلك الخط، وقد تركز أعنف هذا القصف من قبل سلاح الجو الملكي السعودي للقوات الحكومية الجنوبية في الخشعة، وتتالى ذلك القصف لكل القوات الحكومية الجنوبية أينما تواجدت في حضرموت، وتقول بعض الروايات الشفوية لبعض الناجين أن ذلك القصف كان مكثفًا بوقت واحد وقصير جدًّا، وتقول بعض الإحصائيات بأنَّها بلغت أكثر من 500 غارة[9].

“لم تكن الضربات الجوية التي استهدفت القوات الجنوبية في حضرموت مجرد عملية عسكرية عابرة، بل كشفت عن تحول واضح في طبيعة الصراع نفسه. فالمسألة لم تعد مواجهة خصم محدد، بقدر ما أصبحت إعادة ترتيب للمشهد بكل أطرافه.”

وتدخل القوات الجوية الملكية السعودية بهذا الشكل الكثيف من القصف في مواجهة طرف يفتقر إلى وسائل الدفاع الجوي لا يمكن فهمه ضمن إطار العمليات التكتيكية المحدودة، بل ينبغي قراءته في سياق إعادة الهيمنة الخارجية، التي يقول الجنوبيون إن الرياض تسعى للوصول إلى بحر العرب من بوابة السيطرة على حضرموت والمهرة.

ويشير هذا التحول إلى انتقال واضح من إدارة الصراع إلى إدارة الفاعلين داخل الصراع نفسه، وهذا هو جوهر التحول، وهو ما يعكس بوضوح أن طبيعة التهديد لمستقبل تطلعات الجنوبيين في استعادة دولتهم لم يُعد من قبل اليمن الذي احتل بلدهم في 1994م، بل أصبح من قبل حلفاء دوليين يتفقون مع النظام اليمني في إبعاد الجنوبيين عن تحقيق أهدافهم وتطلعاتهم الوطنية؛ لمطامع في أرضهم وثرواتهم لا تقل عن تلك الأطماع النظام اليمني الذي اصبح اليوم تحت هيمنة أذرع إيران.

_ ديناميات استخدام القوة الجوية وحدودها

يظهر القصف الذي تم تنفيذه من قبل القوات الجوية الملكية السعودية على القوات الحكومية الجنوبية في حضرموت اعتمادًا واضحًا على مبدأ “الحسم السريع” عبر الكثافة النيرانية، وهو مبدأ يرتكز على إحداث صدمة ميدانية تؤدي إلى تفكيك قدرة الطرف المستهدف على الصمود أو إعادة التموضع، ورغم فعالية هذا القصف في تحقيق نتائج آنية، إلا أنَّه يحمل في طياته إشكالات عميقة تتعلق بالاستدامة والآثار اللاحقة.

والقوة الجوية، بطبيعتها، أداة قادرة على التدمير لكنها عاجزة عن الإمساك بالأرض، وعندما تستخدم بمعزل عن خطة متكاملة لإدارة ما بعد الضربة، فإنَّها ستخلق فراغًا لا يقل خطورة عن التهديد الذي استهدفته،وهذا ما يجعلها غير كافية وحدها لحسم الصراع.

كما أن الإفراط في استخدام القوة ضد هدف منخفض القدرة الدفاعية يثير تساؤلات حول مبدأ التناسب، ليس من زاوية قانونية فحسب، بل أيضًا من زاوية استراتيجية، إذ إن الاستخدام غير المتكافئ للقوة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، تتمثل في خلق حالة من السخط، وتعزيز روايات المظلومية، وإضعاف شرعية الفاعل الذي استخدم هذه القوة، وهو ما يلاحظ بوضوح داخل أراضي الجنوب العربي كما سلف الإشارة، بعد ذلك القصف الذي نفذه طيران سلاح الجو الملكي للمملكة العربية السعودية.

_ مجريات أحداث ذلك القصف

لقد جاء ذلك القصف، كما سبق الإشارة، بعد خروج رئيس المجلس الرئاسي د. رشاد العليمي من عدن إلى السعودية، وقيامه بعقد اجتماع في الرياض مساء يوم الجمعة 26 ديسمبر 2025م، مع بعض القيادات فيما اسماه بالاجتماع الطارئ لمجلس الدفاع الوطني، وجاء بعد هذا الاجتماع الذي وصف تحركات القوات الحكومية الجنوبية بالتمرد والانقلاب على اتفاق الرياض، تدخل السعودية لقصف القوات الحكومية الجنوبية، فكان ذلك الاجتماع بمثابة التشريع أو الحجة التي تتكأ عليها قوات السعودية في قصف الحلفاء المحليين في محاربة أذرع إيران في المنطقة… إذ بعد ذلك الاجتماع في الرياض وجّه الطلب إلى السعودية، للتعامل مع القوات الحكومية الجنوبية وإخراجها من حضرموت خاصة وإعادة ترتيب وضعها بما يتناقض مع العقيدة التي تقاتل من أجلها بشكل عام، فضلًا عن طلب خروم الإمارات العربية المتحدة من التحالف العربي الذي يعتبر منتهياً بعزل الرئيس عبدربه منصور هادي في السابع من ابريل نيسان العام 2022م.

وقد قصفت السعودية بعض الآليات التي كانت في ميناء المكلا وكانت في طريق شحنها وعدوتها إلى الإمارات بعد طلب خروجها من التحالف وموافقتها على ذلك، كما جاء في بيان لها.

_ نتائج ذلك القصف

لقد نتج عن قصف القوات الجوية الملكية السعودية للقوات الحكومية الجنوبية في صحراء ووادي حضرموت سقوط العديد من الشهداء، ثم أسر عدد آخر منهم من قبل تلك القوات اليمنية القادمة من مأرب والجوف بعد أن قصف الطيران السعودي القوات وآليات والأسلحة الجنوبية في وادي وصحراء حضرموت، فنتج عن تلك الموقعة التي افتتحت بها المملكة العام الميلادي الجديد 2026م، عدة مخلفات وردود أفعال واسعة”.

_ إعادة تشكيل المجال الأمني في حضرموت خاصة والجنوب عامة

لقد أدَّى قصف السعودية في صحراء ووادي حضرموت فضلًا عن ضربات محدودة في ساحلها، للقوات المسلحة الجنوبية إلى إحداث خلل واضح في البنية الأمنية في وادي وصحراء حضرموت بشكل خاص وفي حضرموت بشكل عام، حيث تراجعت القدرة على الضبط والسيطرة، وبرزت مؤشرات على انفلات أمني في عدد من المناطق، ولم يكن هذا التطور مفاجئًا، بل يتّسق مع ما تشير إليه الأدبيات الأمنية حول العلاقة بين التدخلات العسكرية المفاجئة وانهيار التوازنات المحلية.

ففي البيئات الهشة، يعتمد الاستقرار النسبي على توازن دقيق بين القوى المحلية، وأي كسر مفاجئ لهذا التوازن يؤدي إلى سلسلة من التفاعلات غير المنضبطة، وقد تجلّى ذلك في انتشار أنماط من السلوكيات المرتبطة بحالات الفراغ الأمني، مثل النهب والتقطعات، والاختطافات، والاعتداءات على الممتلكات العامة والخاصة، وتراجع حضور المؤسسات الرسمية.

ويكتسب هذا البُعد أهمية إضافية في حضرموت، نظرًا لطبيعتها الاجتماعية المركبة، التي تقوم على تداخل القبيلة مع السلطة، وعلى شبكة من العلاقات التي يصعب إخضاعها لسيطرة مركزية صارمة دون توافق محلي، وعليه، فإن أي تدخل لا يراعي هذه الخصوصية يكون عرضة لإنتاج نتائج عكسية، يكشف عنها الاحتقان الموجود في الشارع الحضرمي، وعدم تقبله لنتيجة الأمر الواقع لما بعد ذلك القصف.

وهذا الاختلال لا يقتصر على حضرموت بل يلاحظ في أماكن عدة من محافظات الجنوب، التي خرجت فيها مظاهرات تعبر عن رفضها لفرض الأمر الواقع بعد ذلك التدخل الفج من قبل السعودية، بعد انتهاء التحالف العربي بصيغته المعروفة وأهدافه المعلنة التي لم يستطع أن يحققها، وقوبلت تلك المظاهرات بإطلاق الرصاص من قبل بعض القوات التي تدير المشهد في تلك الأماكن، وتستلم تعليماتها من قبل سلطات الأمر الواقع، كالحاكم العسكري السعودي المتقاعد في عدن المستشار فلاح الشهراني، وهو ما أدَّى إلى سقوط شهداء وجرحى في تلك المظاهرات السلمية في شبوة وعدن أمام بوابة قصر معاشيق في الليلة الثانية من شهر رمضان المبارك 1447هـ.

المحور الثاني: القصف العسكري في محافظة الضالع: تحليل سياسي وقانوني وعسكري

شنت السعودية في صباح يوم الأربعاء الموافق 7 يناير 2026م، سلسلة غارات جوية مكثفة على محافظة الضالع، تجاوز عدد تلك الضربات الجوية خمسين غارة خلال مدة زمنية قصيرة امتدت من الساعة الرابعة فجرًا وحتى الساعة التاسعة والنصف صباحًا. وقد برّرت المملكة هذا الهجوم بأنه يستهدف شحنات أسلحة يُزعم تهريبها من العاصمة عدن، إلَّا أن مجريات الأحداث والقرائن المصاحبة تشير إلى أن هذا التبرير لم يكن سوى غطاء لاعتبارات سياسية أعمق وأكثر تعقيدًا، ترتبط بإعادة تشكيل موازين القوى داخل الجنوب، وبطبيعة العلاقة المتوترة بين السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي.

لقد تزامن هذا التصعيد العسكري مع توترات سياسية متصاعدة بين الطرفين، خاصة بعد أن طُلِبَ من قيادة المجلس الانتقالي، وعلى رأسها الرئيس عيدروس بن قاسم الزبيدي، التوجّه إلى الرياض لتوقيع ترتيبات سياسية وأمنية لم تحظَ بقبول كامل من قبل رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، وربما استشعر الرئيس عيدروس بن قاسم الزبيدي بأن السعودية قد تقوم باحتجازه أو تصفيته([10])، ويبدو أن رفض تلك الترتيبات، أو التحفظ عليها، قد فُسّر من قبل الجانب السعودي بوصفه خروجًا عن الإطار المتوقع من الشراكة، الأمر الذي أضفى على المشهد طابعًا تصعيديًا، وتشير المعطيات إلى أن القائد عيدروس بن قاسم الزبيدي غيّر مسار تحركاته بصورة مفاجئة في المطار منتصف ليل الثلاثاء 6/ 1/ 2026م، بعد أن أوهم المملكة بذهابه على رأس الوفد إلى الرياض، في خطوة عكست حالة من القلق أو عدم الثقة، وهو ما فُهم على أنه تحدٍ مباشر، أسهم في تسريع اتخاذ قرار الرد العسكري الذي كان غرضه الأساس استهداف شخص الرئيس عيدروس نفسه، بقصف محافظة الضالع.

ولم يكن قصف السعودية لمحافظة الضالع مجرد عملية عسكرية تقليدية تستهدف أهدافًا محددة ذات طابع تكتيكي، بل حمل في طياته رسائل سياسية واضحة، مفادها إعادة فرض النفوذ والتأكيد على القدرة على التحكم في مجريات الأحداث. وقد اتّسمت الضربات الجوية بشمولها، لكل ما يتواجد في المنطقة، وهو ما أدّى إلى سقوط ضحايا مدنيين، بينهم نساء وأطفال.
لم يقتصر القصف على مواقع عسكرية، بل طال منازل ومساكن جبلية مأهولة، فهدّمت منازل فوق ساكنيها وقتلت أسر بأكملها، كأسرة آل المشرقي التي يقال بأنه تم قتلها بهدم المنزل على رؤوس ساكنيه، وهو ما يقول جنوبيون إن السعودية كانت تريد استهداف شخص عيدروس الزُّبيدي، مما أدَّى إلى سقوط ضحايا مدنيين بينهم نساء وأطفال، فضلًا عن تدمير المنشآت السكنية والبنية التحتية المدنية.

هذا النمط من الاستهداف يعكس تحولًا في طبيعة العمليات العسكرية التي تقوم بها السعودية داخل أراضي الجنوب، من مجرد أدوات لتحقيق أهداف ميدانية محدودة، إلى وسائل ضغط سياسي ونفسي تُستخدَم لإعادة تشكيل البيئة الداخلية وفق ما يتوافق مع توجهاتها التي تخدم مصالحها الخاصة، والتأثير على مواقف الفاعلين المحليين في الجنوب، فالتفوق الجوي الذي تمتلكه المملكة، واعتمادها على طائرات متطورة وقدرات استهداف دقيقة، منحها القدرة على فرض معادلة غير متكافئة، حيث وجدت القوات المحلية نفسها عاجزة عن الرد أو المواجهة، نظرًا لافتقارها إلى وسائل الدفاع الجوي الكافية.

وقد أدَّى هذا الاختلال في ميزان القوة إلى اعتماد القوات الجنوبية على استراتيجيات دفاعية تقوم على تقليل الانكشاف، والانسحاب من المواقع المفتوحة، مع محاولة الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك العسكري، غير أن هذا التراجع التكتيكي من قبل القوات الحكومية الجنوبية لم يكن بالضرورة مؤشرًا على ضعف الإرادة، بقدر ما كان استجابة واقعية لظروف ميدانية غير متوازنة، فرضتها طبيعة القوة المستخدمة من قبل السعودية وحجمها.

يمكن قراءة هذا الحدث بوصفه جزءًا من مسار أوسع تسعى من خلاله الرياض إلى إعادة ترتيب أولوياتها في المنطقة، بحيث لا يقتصر دورها على مواجهة الخصوم التقليديين، الانقلابيين الحوثيين، بل يمتد إلى إدارة العلاقة مع الحلفاء المحليين في مواجهة ذلك العدو، القوات الحكومية الجنوبية، وضبط سلوكهم بما يتوافق مع رؤيتها الاستراتيجية. ويعكس ذلك انتقالًا من نموذج التحالف القائم على الأهداف المشتركة، إلى نموذج أكثر مركزية، تُمارَس فيه الدولة الأقوى دورًا توجيهيًا يتجاوز حدود التنسيق إلى حدود التحكم فيمن يقاتل إلى جانبها ذلك العدو)[11] الأساس الذي كانت الأهداف المعلنة للتحالف عند تأسيسه في 2015م إلى القضاء عليه.

كما أن تزامن العمليات العسكرية مع حملات إعلامية مكثفة يوضح أن الأمر لم يكن عفويًا أو محدودًا، بل جاء ضمن إطار متكامل يجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، فقد جرى تقديم القصف على أنَّه إجراء وقائي يهدف إلى حماية الأمن القومي للسعودية، في حين أن النتائج على الأرض، وطبيعة الأهداف التي تم استهدافها، تثير تساؤلات جدية حول مدى دقة هذا الطرح، ومدى اتساقه مع الواقع الفعلي.

أما من الناحية القانونية، فإن استهداف مناطق مأهولة بالسكان، وسقوط ضحايا مدنيين، يثير إشكاليات خطيرة في إطار القانون الدولي الإنساني، الذي يقوم على مبادئ أساسية، أبرزها مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، ومبدأ التناسب في استخدام القوة، ومبدأ الضرورة العسكرية، وتشير الوقائع إلى أن هذه المبادئ قد تعرّضت لانتهاكات جسيمة، لاسيما في ظل غياب دلائل واضحة على أن جميع الأهداف التي تم قصفها كانت ذات طبيعة عسكرية صرفة.

إن استخدام القوة الجوية بهذا الشكل، دون اتخاذ الاحتياطات الكافية لتجنب الأضرار الجانبية، أو الحد منها، قد يرقى إلى مستوى الانتهاكات الجسيمة التي تستوجب التحقيق والمساءلة، كما أن الاعتماد على ذرائع غير مثبتة بشكل كافٍ، مثل استهداف شحنات أسلحة مزعومة، دون تقديم أدلة شفافة، يضعف الموقف القانوني، ويعزّز الشكوك حول الطبيعة الحقيقية للعملية.

وعلاوة على ذلك، فإن استهداف بنى تحتية مدنية، وتدمير منازل فوق ساكنيها، يؤدي إلى آثار إنسانية عميقة، تتجاوز الخسائر المباشرة إلى تداعيات طويلة الأمد، تشمل النزوح، وفقدان مصادر الرزق، وتفكك الروابط الاجتماعية، وقد أسهم ذلك في خلق حالة من الخوف والقلق داخل المجتمع المحلي، وهو ما يمكن تفسيره أيضًا في إطار الحرب النفسية، التي تهدف إلى إضعاف الروح المعنوية، ودفع السكان إلى تبني مواقف أكثر خضوعًا.

وقد ظهرت بالفعل مؤشرات على ذلك، من خلال صدور البيانات وردود الأفعال المحلية التي أكّدت رفض التدخلات الخارجية، والدعوة إلى الاصطفاف الداخلي، والاستعداد لمواجهة التحديات.

ويضع هذا الواقع القيادات المحلية أمام تحديات معقدة، تتطلب الموازنة بين الضرورات العسكرية، والحفاظ على الشرعية السياسية، وضمان حماية المدنيين، كما يتطلب الأمر تطوير أدوات العمل السياسي والدبلوماسي، بما يمكّن من نقل القضية الجنوبية إلى المحافل الدولية، والسعي للحصول على دعم قانوني وإنساني، يسهم في الحد من الانتهاكات لشعب الجنوب العربي، ويعزّز فرص الوصول إلى حلول أكثر توازنًا.

وفي المجمل العام، فإن القصف الذي تعرضت له محافظة الضالع لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق السياسي الأوسع، الذي يشهد تحولات عميقة في طبيعة العلاقات الإقليمية، وأدوار الفاعلين المختلفين، فهو يعكس استخدام القوة العسكرية بوصفها أداةً لتحقيق أهداف سياسية، في بيئة تتّسم بالتعقيد والتداخل بين المحلي والإقليمي.

كما يكشف هذا الحدث عن هشاشة البنى المؤسسية، وضعف القدرة على حماية المدنيين، إذ لا تمتلك تلك القوات ما يمكنها من الدفاع عن نفسها فضلًا عن الدفاع عن المدنيين، مما قد يطالها من قصف من الجو، وهو ما يستدعي إعادة النظر في آليات الحوكمة، وتعزيز قدرات تلك المؤسسات، بما يمكنها من القيام بدورها في حماية المجتمع، وإدارة الأزمات.

وتبقى مسألة حماية المدنيين في صلب أي معالجة مستقبلية، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، إذ لا يمكن تحقيق استقرار حقيقي دون ضمان أمن السكان، واحترام حقوقهم الأساسية. كما أن تعزيز التماسك الاجتماعي، والحفاظ على وحدة الصف الجنوبي، يمثلان عاملين حاسمين في مواجهة التحديات، والحد من آثار التدخلات الخارجية.

إن إدارة هذه الأزمة تتطلب رؤية شاملة، تجمع بين البُعد العسكري والسياسي والقانوني، وتستند إلى فهم عميق لطبيعة الصراع، وأبعاده المختلفة، كما تتطلب قدرًا عاليًا من الحكمة والمرونة؛ لتجنب الانزلاق إلى مسارات تزيد من تعقيد الوضع، وتفاقم المعاناة الإنسانية.

ويظل مستقبل الجنوب العربي، في ظل هذه المعطيات، مرتبطًا بقدرة مجتمعه على الصمود، وبمدى نجاح قياداته في إدارة الصراع بطريقة تحقق التوازن بين الحفاظ على السيادة، والانفتاح على الحلول السياسية، والاستفادة من الأدوات القانونية والدبلوماسية المتاحة، كما أن الوعي بالمخاطر المرتبطة بالتدخلات الخارجية، والقدرة على التعامل معها بواقعية، يمثلان عنصرين أساسيين في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

وفي النهاية، فإن ما جرى في الضالع يمثل نموذجًا معقدًا لتداخل العوامل العسكرية والسياسية والقانونية، ويؤكد أن استخدام القوة، مهما بلغ حجمه، لا يمكن أن يكون بديلًا عن الحلول السياسية المستدامة، التي تراعي مصالح جميع الأطراف، وتستند إلى احترام القانون الدولي، وحقوق الإنسان.

_ الذاكرة الجمعية في مجتمع الجنوب العربي

لقد كان المجتمع بشكل عام في الجنوب العربي مندهشًا ومصدومًا بما أقدمت عليه السعودية، في الوقت الذي يُعَدُّ هو الحليف المحلي على الأرض في مقارعة أذرع إيران في المنطقة، وقد قدَّم خيرة شبابه في الدفاع عن الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية من اعتداءات الحوثيين؛ لذلك شهدت مواقع التواصل الاجتماعي سيلًا من المقالات، مما تناول تلك الموقعة وتم نشرها في مواقع التواصل الاجتماعي، فضلًا عن التحركات الشعبية الميدانية المتمثلة في المظاهرات المليونية المناوئة لليهمنة السعودية.

المحور الثالث: الدعوة إلى الحوار الجنوبي

برزت الدعوة إلى الحوار بوصفها خطوة تحمل في ظاهرها نزعة تهدئة وسعيًا نحو جمع الصف في الجنوب العربي، إلَّا أن سياقها الزمني والظروف المحيطة بها أضفيا عليها أبعادًا تتجاوز الطابع التصالحي المعلن؛ لتغدو جزءًا من عملية إعادة تموضع سياسي تسعى من خلالها أطراف إقليمية ومحلية إلى إعادة تشكيل مراكز القوة داخل الجنوب، وضبط إيقاع الفاعلين فيه بما يتناسب مع معادلات أوسع ترتبط بمستقبل الصراع في الجنوب واليمن والمنطقة عمومًا.

إن إدراج هذا العدد الكبير من المكونات ضمن إطار تفاوضي واحد قد يبدو من حيث الشكل تعبيرًا عن التعددية، لكنه من حيث الجوهر قد يؤدي إلى إضعاف الكتلة السياسية الأكثر تنظيمًا وتأثيرًا، وتعبيرًا عن تطلعات شعب الجنوب العربي، عبر تحويلها من فاعل رئيس إلى طرف ضمن مجموعة متساوية شكليًا، وهو ما ينعكس سلبًا على قدرتها التفاوضية، ويعيد تعريف موقعها السياسي بطريقة لا تتسق مع حجمها الفعلي على الأرض، وسعيها إلى تحقيق أهداف شعب الجنوب العربي في استعادة الدولة والهوية، وهو الهدف الذي قدمت في سبيله تضحيات جسيمة.

وتزداد تعقيدات هذا المشهد بالنظر إلى الجهة الراعية للحوار، إذ إن الرعاية الإقليمية، رغم ما تمنحه من ثقل سياسي وضمانات شكلية، تثير في المقابل تساؤلات حول طبيعة الأجندة التي تحكم هذا المسار، فالدولة الراعية لا تتحرك في العادة بدافع الوساطة المحايدة، بل وفق اعتبارات أمنية واستراتيجية تتعلق بمصالحها المباشرة، الأمر الذي ينعكس على طبيعة القضايا المطروحة للنقاش، وسقف الحلول الممكنة.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى هذا الحوار بوصفه جزءًا من مقاربة أوسع تهدف إلى احتواء القضية الجنوبية ضمن إطار سياسي لا يسمح لها بالتحول إلى مشروع مستقل مكتمل الأركان، بل يبقيها ضمن معادلة إقليمية معقدة، تُدار فيها التوازنات بعناية، بحيث لا يفضي أي مسار إلى تغييرات جذرية قد تؤثر على بنية النظام الإقليمي القائم.

في المقابل، واجهت القوى الجنوبية، وعلى رأسها المجلس الانتقالي، معادلة شديدة الحساسية بين خيارين كلاهما يحمل كلفة سياسية: المشاركة في الحوار بما قد يترتب عليها من إعادة تعريف لموقعها، أو المقاطعة بما قد يُستثمر ضدها لتصويرها كطرف رافض للحلول السياسية. وقد دفع ذلك إلى تبني مقاربة وسطية تقوم على القبول المبدئي بالحوار، مع محاولة الحفاظ على الثوابت السياسية وعدم التفريط بالمكتسبات التي تحققت.

وتكتسب هذه المقاربة بعدًا إضافيًا عند النظر إليها من زاوية الفكر السياسي والفقه الشرعي، حيث يمكن تفسيرها في إطار مبدأ تغليب المصلحة العامة على الاعتبارات الآنية، وقبول الحوار بوصفه أداةً لإدارة الصراع وليس بالضرورة لإنهائه بشكل فوري. فالتاريخ السياسي، كما تؤكده التجارب المختلفة، يبين أن الدخول في مسارات تفاوضية في ظل ظروف غير متكافئة لا يعني بالضرورة التنازل، بل قد يكون خطوة تكتيكية تهدف إلى كسب الوقت، وإعادة ترتيب الأوراق، وتقليل الخسائر.

كما أن القبول بالحوار في ظل وجود مظالم أو اختلال في موازين القوة يجد له أساسًا تشريعيًا في القواعد الفقهية العامة التي توازن بين درء المفاسد وجلب المصالح، حيث يُنظر إلى تجنب التصعيد العسكري، وحماية الأرواح، والحفاظ على ما تبقى من مقومات القوة، بوصفها أهدافًا لا تقل أهمية عن تحقيق المكاسب السياسية المباشرة.

غير أن هذا المسار لا يخلو من مخاطر، إذ إن أي حوار لا يقوم على أسس واضحة، كأن يكون تحت سقف التحرير والاستقلال واستعادة الدولة والهوية، ولا يعترف بطبيعة القضية محل النقاش التي قدم الشعب في سبيلها تضحيات كبيرة تتمثل في قوافل من الشهداء منذ حرب 1994م، قد يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمة بدلًا من حلها. فإغراق العملية السياسية بتعددية شكلية، وفرض تمثيلات غير متوازنة، قد يؤدي إلى تمييع القضية، وإضعاف الصوت السياسي الموحد، وإطالة أمد الصراع.

ومن هنا، فإن تقييم هذا الحوار يرتبط بشكل وثيق بمخرجاته، وبالمدى الذي يمكن أن يحقّقه في الاعتراف بالخصوصية السياسية للقضية الجنوبية، واحترام الإرادة الشعبية، وعدم اختزالها في ترتيبات جزئية أو حلول مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة.

وفي هذا السياق، يمكن تصوّر عدة مسارات محتملة لهذا الحوار، أولها أن يتحول إلى عملية شكلية تفضي إلى بيانات عامة لا تحمل مضمونًا حقيقيًا، وتُستخدم لاحقًا بوصفها غطاءً لتجاوز المطالب الأساسية. وثانيها أن يشهد توترات داخلية تؤدي إلى انسحاب بعض الأطراف، مما يعمق الانقسام ويضعف فرص التوافق. أما المسار الثالث، وهو الأقل احتمالًا، فيتمثل في نجاح الأطراف الرئيسة في فرض شروط متوازنة تضمن الاعتراف بالقضية، وتحويل الحوار إلى منصة حقيقية لإنتاج حلول قابلة للتطبيق.

وبين هذه المسارات، تظل النتيجة النهائية مرهونة بقدرة الأطراف الفاعلة على إدارة التفاوض بوعي سياسي عالٍ، وبمدى استعداد القوى الإقليمية للتعامل مع القضية الجنوبية بوصفها مسألة سياسية ذات جذور تاريخية، وليس مجرد ملف أمني يمكن احتواؤه ضمن ترتيبات مرحلية.

كما أن تطور الأحداث الميدانية يظل عاملًا حاسمًا في تحديد اتجاهات هذا المسار، إذ إن أي تصعيد عسكري أو إجراءات أحادية قد يقوض الثقة، ويعيد الأمور إلى نقطة الصفر، في حين أن التهدئة وخلق مناخ مناسب قد يفتح المجال أمام تقدم نسبي، حتى وإن كان محدودًا.

وفي ضوء ذلك، يتضح أن الحوار، رغم ما يحيط به من تعقيدات، يمثل أداة من أدوات الصراع السياسي، وليس بديلًا عنه، وأن التعامل معه يتطلب إدراكًا عميقًا لطبيعته وحدوده، وتوازنًا دقيقًا بين الانخراط فيه والحفاظ على الثوابت، بما يضمن عدم تحوله إلى وسيلة لإضعاف القضية بدلًا من تعزيزها.

الخلاصة

تكشف التطورات الأخيرة، بدءًا من الضربات الجوية التي استهدفت القوات الحكومية الجنوبية في صحراء ووادي حضرموت، مرورًا بقصف محافظة الضالع، ووصولًا إلى احتجاز وفد المجلس الانتقالي في الرياض، عن تحوّل عميق في طبيعة الدور السعودي في الجنوب. لم يعد الأمر مرتبطًا بمواجهة تهديد تقليدي أو خصم واضح كما كان يُطرح في بدايات الحرب، بل أصبح أقرب إلى إعادة ترتيب المشهد الداخلي نفسه، وإعادة صياغة موازين القوة داخل الجنوب.

هذا التحول لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تغيير في الأدوات، بل هو تغيير في المنهج. فبدلًا من إدارة الصراع ضد طرف محدد، باتت المقاربة تميل إلى إدارة الفاعلين داخل هذا الصراع، وضبط إيقاعهم بما يتوافق مع حسابات إقليمية أوسع. وهنا تحديدًا تكمن نقطة التحول الأكثر حساسية، إذ لم يعد الحليف ثابتًا في موقعه، بل أصبح جزءًا من معادلة قابلة لإعادة التعريف.

لقد أفرز هذا المسار واقعًا جديدًا على الأرض، حيث تراجع حضور القوى الجنوبية من موقع الفاعل المؤثر إلى موقع يتعرض لإعادة تشكيل مستمرة، وهو ما يمكن وصفه بكسر التوازن الذي ظل قائمًا خلال السنوات الماضية. هذا الكسر لم يكن فقط عسكريًا، بل امتد ليطال البنية السياسية والنفسية، ويعيد رسم حدود الفعل والتأثير داخل المشهد الجنوبي.

وفي هذا السياق، لا تبدو تداعيات ما حدث محصورة في لحظته الزمنية، بل مرشحة للامتداد طويلًا. فتآكل الثقة بين الأطراف، وتصاعد الشعور بالاستهداف، وتراكم الذاكرة الجمعية للأحداث، كلها عوامل تعيد تشكيل البيئة السياسية والأمنية بصورة قد تجعل من الصعب إعادة إنتاج تحالفات مستقرة في المستقبل القريب.

كما أن طرح الأسئلة حول دوافع هذا المسار لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة تحليلية. لماذا تحركت القوات الجنوبية نحو حضرموت؟ ولماذا جاء الرد بهذا الشكل؟ تتعدد الإجابات، وتتباين الروايات، بين من يرى أن ما جرى مرتبط بمحاولات لإحباط ترتيبات إقليمية تتعلق بثروات حضرموت، وبين من يفسر الأمر في إطار مخاوف من تحولات سياسية كبرى قد تعيد رسم الخارطة في الجنوب.

ورغم هذا التباين، فإن القاسم المشترك بين هذه التفسيرات هو الإقرار بأن ما حدث يتجاوز كونه حادثة عسكرية معزولة، ليصبح جزءًا من سياق أوسع لإعادة تشكيل النفوذ في المنطقة. وهو سياق يتداخل فيه المحلي بالإقليمي، وتتشابك فيه الحسابات السياسية مع الاعتبارات العسكرية، بما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للتنبؤ.

أما الدعوات إلى الحوار الجنوبي تحت رعاية السعودية، فتأتي في هذا الإطار كأداة من أدوات إدارة هذا التعقيد، لا كحل نهائي له. فهي من جهة تفتح مساحة سياسية للحوار، لكنها من جهة أخرى تثير تساؤلات حول طبيعة مخرجاتها وحدود قدرتها على معالجة جذور الأزمة، خصوصًا في ظل اختلال التوازنات وفقدان الثقة بين الأطراف.

وفي المحصلة، يمكن القول إن الجنوب لم يعد يواجه تحدياته ضمن معادلة تقليدية.

 لم يعد الحليف كما كان، بل دخل مرحلة أكثر تعقيدًا، تُعاد فيها صياغة الأدوار بشكل مستمر. وهي مرحلة تفرض على الفاعلين المحليين إعادة التفكير في أدواتهم، وقراءة التحولات بعمق أكبر، والتعامل مع واقع لم يعد فيه الثابت ثابتًا، ولا الحليف حليفًا بالمعنى الذي كان قائمًا في السابق.

المراجع

_ معجم لسان العرب، لابن منظور.

_ معجم القاموس المحيط، للفيروزآبادي.

_ روايات شفهية لمن عايشوا الأحداث في حضرموت والضالع، منشورة عبر وسائل التواصل الاجتماع.

_ بيانات صادرة عن المجلس الانتقالي الجنوبي وفروعه في المحافظات رافقة تلك الأحداث.

_ بيانات صادرة عن الإمارات العربية المتحدة والسعودية تتعلق بتلك الأحداث.

_ عدة كتابات وقراءات رافقة تلك الأحداث، تمّ نشرها في مواقع التواصل الاجتماعي، منها:

_ الأخوة الأشقاء في السعودية، صالح العطفي.

_ الإنسان موقف، الدكتور أحمد علي عبداللاه.

_ التدخل السعودي في جنوب اليمن، قراءة قانونية- سياسية في الاستعمار الجديد، توفيق جوزليت، الأربعاء – 07 يناير 2026 – الساعة 04:59م.

_ حرب بديلة، د. أحمد عبداللاه.

_ حضرموت بين القصف والفوضى، قراءة حقوقية في مسؤولية السعودية وصمت المجتمع الدولي، فضل صالح.

_ الجميع أيَّد الدعوة للحوار، المستشار الكويتي أنور الرشيد.

_ الحوار الجنوبي _ الجنوبي برعاية سعودية، بين إعادة التموضع السياسي ومحاولة تحجيم المجلس الانتقالي، ماجد أبو ليلى.

_ خارج انفعالات اللحظة، أحمد عبد اللاه.

_ عندما تفرض القيادات سيادة أوطانها على قراراتها… تُواجَه بالقوة لا بالحوار، فضل صالح، ٧يناير ٢٠٢٦م.

_ مشروعية حضور المظلوم للحوار حفاظًا على ما تبقّى من الحقوق، (قراءة شرعية في موقف عيدروس الزبيدي)، الحسابات الشخصية للمهندس نبيل محمد عيسى.


([1]) أعلنت الإمارات في 30/ 12/ 2025م، بعد ذلك الطلب، إنهاء ما تبقى من قواتها في اليمن وانسحابها فورًا، وأعلنت في يوم الجمعة تاريخ 3/ 1/ 2026م استكمال عودة جميع عناصر قواتها من اليمن، بعد أن كانت قد أنهت وجودها العسكري في اليمن عام 2019م، كما جاء في خضم تلك البيانات، ولم يبق لها إلا تواجد محدود جدًّا،

([2]) ينظر: لسان العرب، لابن منظور، والقاموس المحيط، للفيروزآبادي، مادة(حلف)

([3]) أول مظاهرة سلمية مناوئة للاحتلال اليمني خرج بها أبناء الجنوب العربي في حضرموت1998م قتل فيها بجسر بلقيس بارجاش وبن همام…

([4]) من هذه الكيانات: تيار إصلاح الوحدة، وحتم، وموج، وجمعية المتقاعدين العسكريين التي كانت أبرز المتزعمين لتفجير الحراك السلمي بمظاهرة في ساحة العروض في 7/ 7/ 2007م، والمجلس الوطني، ومجلس الحراك الثوري….

([5]) شهدت العاصمة عدن بهذا اليوم مظاهرة مليونية حاشدة، أعلن فيها أبناء شعب الجنوب العربي المحتشدون بالساحة تفويض القائد عيدروس بن قاسم الزبيدي، قائدًا لتحرير البلاد، واستعادة الدولة والهوية، وفي 11/ 5/ 2017م تم إعلان تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي.

([6]) هذه ظاهرها قوات تتبع نظام احتلال صنعاء للجنوب في 1994م، وهي في الحقيقة أصبحت قوات تتبع النافذين والفاسدين من عصابات النظام لاسيما النافذين من نظام حكم النظام السابق، وبعض التنظيمات الإرهابية التي شكّلها ذلك النظام بنفسه لعدة مآرب في فترات سابقة.

([7]) تُعرف عُمان بأنها أباضية، تخالف أهل السنة في كل شيء، وهي أقرب إلى نهج الشيعة، وتقترب من توجهات إيران وأذرعها في المنطقة؛ لذلك كانت الدولة الخليجية إن لم تكن العربية الوحيدة التي لم تشترك في ذلك التحالف الذي أُعلن عنه ضد الانقلابيين الحوثيين في صنعاء مع بدايات عام 2015م.

([8]) المجلس الرئاسي كان إحدى نتائج اتفاق الرياض بعد إجبار الرئيس عبدربه منصور هادي _ المنتخَب في اليمن من غير انتخابه في الجنوب العربي _ على نقل الصلاحيات إليه، وقد تشكل من الرئيس د. رشاد العليمي(اليمن)، ونوابه: سلطان العرادة وعثمان مجلي وطارق محمد صالح(هؤلاء من اليمن)، وعيدروس الزبيدي وأبو زرعة المحرمي وفرج البحسني وعبدالله العليمي (هؤلاء من الجنوب العربي)، وكان ضمن شروط تشكيل هذا المجلس أن تكون قراراته توافقية بين الأعضاء جميعهم.

[9] مجلة بريم جمعت معلومات من مصادر متعددة في وادي وصحراء حضرموت حول كثافة النيران السعودية تجاه القوات الجنوبية في بداية يناير 2026م

([10]) وهو ما حصل لوفد المجلس الانتقالي الجنوبي الذي ذهب إلى الرياض في ذلك اليوم، إذ نحن اليوم في أواخر شهر رمضان المبارك 1447هـ، منتصف شهر مارس 2026م، والوفد ما زال محتجزًا في الرياض.

[11] السعودية اطلقت تحالفا عسكريا لمحاربة الحوثيين بوصفهم عدو مفترض قبل ان تعيد التحالف معهم بعد اتفاق مع ايران

د. سالم الحنشي

رئيس تحرير مجلة "بريم"، الصادرة عن مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات، أستاذ مشارك في كلية التربية بجامعة عدن، يتميز برؤية تحليلية واستشرافية تسلط الضوء على التحديات التي تواجه اليمن، مع التركيز على أهمية التنمية المستدامة والعدالة المناخية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى