بحوث ودراسات

الأبعاد التداوليّة في تحليل الخطاب السِّياسي.. دراسة خطابات السيد “عيدروس الزُبيدي”

الملخص

الملخص

هدفت الدراسة إلى تسليط الضوء على دور المنهج التَّداولي في تحليل الخطاب السياسي، من خلال استكشاف قدرته على توضيح الآليات الحُجَّاجية والمعاني الخَفية في الخطاب. كما ركزت على تحليل استراتيجيات الخطاب السياسي للرئيس عِيدروس الزُبيدي في التَّواصل مع جمهوره، وإبراز الطُّرُق التي يستخدمها لتحقيق التأثير والإقناع. سعت الدراسة أيضًا إلى تحديد الأدوات اللغوية المستخدمة في الخطاب السياسي للرئيس الزُبيدي لتحقيق التأثير وإيصال الرسائل بفعالية إلى المتلقين، مما يعكس أهمية اللغة كأداة استراتيجية في العمل السياسي.

وقد اعتمدت الدراسة على المنهج التَّداولي في تحليل الخطاب السياسي للرئيس عِيدروس الزُبيدي، لما يتميز به من قدرة على استكشاف المعاني الضمنية والأبعاد التَّفاعلية والاجتماعية في الاستعمالات اللغوية. ويركز المنهج على أفعال الكلام التي تكشف عن نوايا المتكلم، والسِّياق الذي يحدد معنى الخطاب وفق الظروف المحيطة، والإشَارَات التي تربط اللغة بعناصر محددة في السِّياق. تسعى الدراسة إلى تقديم فَهْم شامل للخطاب وتحليل بنيته ومعانيه في إطار تفاعلي متكامل.

وصلت الدراسة إلى أن الخطاب السياسي يعتمد على مجموعة من الآليات الحُجَّاجية الظَّاهرة والخَفية التي تهدف إلى تحقيق التأثير والإقناع، مما يجعله أداةً فعَّالة للتَّواصل مع الجمهور. كما أبرزت أهمية احترام مبدأ التَّأدُّب في الخطاب السياسي، مما يعزز العلاقة بين السياسي ومخاطَبيه، كما في علاقة السيد “عيدروس الزُبيدي” بجمهوره، مما أسهم في تقريب وجهات النظر وتحقيق فعالية التَّواصل. وأكدت الدراسة على الدور المحوري للسِّياق في التَّداولية، باعتباره أساساً مهماً في توضيح المعاني وفهم دلالات الملفوظات السياسية. بشكل عام، أظهرت النتائج أن الخطاب السياسي يتميز بقدرته على توظيف هذه الآليات بفعالية لتحقيق أهدافه الإقناعية.

كلمات مفتاحية

المنهج التَّداولي، الخطاب السياسي، الآليات الحُجَّاجية، السيد عيدروس الزُبيدي، التأثير والإقناع، أفعال الكلام، السياق، الإشَارَات.


مُقَدَّمة: 

تُعد التداولية من أبرز الاتجاهات اللغوية الحديثة التي برزت في ميدان الدراسات اللسانية المعاصرة، حيث أثارت اهتمام الباحثين في مختلف التخصصات العلمية. فقد قدمت التداولية إمكانات جديدة ومبتكرة لمعالجة العديد من الإشكاليات العالقة في مجالات متنوعة، مما جعلها فضاء معرفيًا غنيًا ومنفتحًا على مختلف العلوم الإنسانية. وبفضل هذا التنوع والإثراء، استطاعت التداولية أن تحظى بمكانة مرموقة في الأبحاث اللسانية، متجاوزة النظرة التقليدية التي كانت تعتبرها مجرد مجال هامشي أو “سلة مهملات”. لقد أعادت التداولية تعريف حدود اللغة، حيث أصبحت تركز على الوظيفة التواصلية للغة في سياقاتها الاجتماعية والثقافية، مما أكسبها تقديرًا واسعًا وأهمية متزايدة في الدراسات الحديثة.

وموضوع الخطاب بشكل عام، والخطاب السياسي بشكل خاص، من أكثر القضايا التي نالت اهتمامًا واسعًا من قِبل الباحثين على مستوى العالم، وخاصة في السياق المعاصر. وتبرز أهمية الخطاب السياسي في كونه الوسيلة الأكثر ارتباطًا بالجمهور، حيث يهدف إلى التأثير في المتلقي واستمالته لتحقيق أهداف محددة.

يشكلُ الخطابُ السياسي في أوقاتِ الأزماتِ والأحداث والتحولات السياسية نقطة فارقة في حسم المواقف، فإمّا أن تصبّ في مصلحة الباث للخطاب أو أن تحسم الأمر ضدّه، فهو وسيلة ذو حدّين؛ لكونه يرتبط ارتباطًا مباشرًا بصناعة القرار، لاسيما حين تتداعى الأحداث، وتتسارع وتيرتها مما قد لا تسمح أحيانًا بالتفكير بلُغة التريّث وعادة ما يتم التحضير المسبق لهذه الخطابات السياسية؛ لكي تتمكن من إيصال رسالتها المرجوة التي تسعى القيادات السياسية المرسلة للخطاب تحقيقها في فترة زمنية محددة.

ومن جهة، يتميز الخطاب السياسي بقدرته على توجيه الجمهور من خلال استخدام استراتيجيات لغوية مدروسة تركز على الإقناع والتأثير. ومن جهة أخرى، يمثل هذا الخطاب أحد أكثر الأنواع اللغوية خطورة، إذ يمتلك قدرة كبيرة على التلاعب بالعقول وتوجيه الأفكار بما يخدم مصالح قائله، مما يجعله أداة فعالة لتحقيق المآرب السياسية والوصول إلى الأهداف المرجوة.

ويعدُّ الخطاب السياسي عملية تواصلية تتم بين طرفين هما الباث والمتلقي والتي تسعى إلى إيصال رسالة ما من أجل إقناع ذلك المتلقي بفحواها وجعله يتخذ موقفًا إيجابيًا يخدم مصلحة الباث. وهذا يتم عبر رسالة يبحث من خلالها الباث/ السياسي، شرعنة خطابه واستمالة أكبر عدد من المتلقين نحو قضيته وأهدافه التي يسعى لتحقيقها. 

إشكالية الدراسة:

إنّ الخطاب السياسي الذي يؤكد هوية الباث ووضوح رسالته من شأنه أن يسهّل انخراط المتلقي في مشروعه، وتبني أفكاره وبرامجه، فإذا ما اثبت أنه يحمل مشروعًا فكريًا يريد إقناع النّاس به، وأنّه واضح الرؤية صافي الفكرة ناجح في تفاعل المتلقي الإيجابي معه، من هُنا تكمن إشكالية البحث في رصد أبعاد التداولية في  الخطاب السياسي للرئيس عيدروس الزُيدي وتحليل آليات واستراتيجيات ومحرکات الاتصال والتواصل الاقناعي، وما يحتويه من علاقات وقوى فاعلة، بالإضافة إلى رصد أهداف الأفعال الكلامية وسياقات الخطاب والتعرف على مسارات البرهنة الواردة في الخطاب، وفي سبيل ذلك نطرح هذا السؤال السيد.

  •  ما مدى تأثير الخطاب السياسي للرئيس عيدروس الزُبيدي في تشكيل الوعي السياسي لدّى المتلقين؟  

ويتفرع من ذلك السؤال عدد من الأسئلة منها:

 لتحقيق أهداف هذه الدراسة، نحاول الإجابة عن الإشكالات المحورية التالية التي تُعالج الجوانب المختلفة للموضوع:

  1. كيف استغل الزُبيدي السياق الوجودي في خطابه للتواصل مع جمهوره؟ ما هي الأساليب التي استخدمها لتكييف السياق مع مقاصده؟

 كيف ساهمت الإشارات في تعزيز فهم المتلقين لخطابه؟

  • كيف وظّف الإشاريات (مثل الزمان، المكان، والضمائر) للتعبير عن مقاصده وغاياته؟ ما دور هذه الإشاريات في تعزيز الإطار التداولي للخطاب؟ كيف يمكن فهم هذه الإشاريات ضمن السياق الاجتماعي والسياسي للخطاب؟
  • ما هي الأفعال الكلامية التي استخدمها الزُبيدي في خطابه؟ كيف ساهمت أفعال الكلام مثل الوعد، الطلب، أو الإعلان في تحقيق التأثير على المخاطبين؟ ما العلاقة بين أفعال الكلام ومقاصد المتكلم في الخطاب السياسي؟

  أهمية الدّراسة:

نظرًا لأهمية المنهج التداولي كإطار علمي حديث في تحليل النصوص، وللخطاب السياسي باعتباره الأقرب إلى الحياة اليومية وخاصة في السياق الراهن، فقد اخترنا أن يكون موضوع الدراسة تحت عنوان: البعد التداولي في تحليل الخطاب السياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي للفترة من 2017-2024م”.

ويعذُّ تحليل الخطاب السياسي للرئيس القائد عيدروس الزُبيدي من الأولويات المرحلية؛ لكونه خطابًا يمثل المشروع الوطني الجنوبي، الذي تسعى جماهير شعب الجنوب لتحقيق أهدافه – من خلال ذلك المشروع الوطني الذي يعد الزُبيدي رمزاً سياسياً له – في أقرب وقت وأقلَّ تكلفة، لذا فدراسة تحليل الخطاب السياسي – لأعلى هرم في قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي والمتمثلة في السيد عيدروس الزُبيدي ذو أهمية كبيرة جداً.

وتكمن أهمية هذا الموضوع في تقديم رؤية جديدة لتحليل النصوص، من خلال تطبيق أحد المناهج الحديثة والمهمة في الدراسات اللغوية وهو “المنهج التداولي”. يتسم هذا المنهج بتركيزه على دراسة اللغة في سياقها الفعلي وفي حالات استخدامها الواقعية، مما يجعله وسيلة فعالة لفهم الخطاب بأبعاده المتعددة. ويُعد الخطاب السياسي نموذجًا مثاليًا لهذا التطبيق، لأنه يجسد بوضوح الاستخدام الفعلي للغة لتحقيق أهداف تواصلية، وإقناع الجمهور، وبناء تأثير اجتماعي. ومن هنا، فإن هذا البحث يتيح فرصة لتعميق فهمنا لكيفية توظيف التداولية في تحليل الخطاب السياسي، والكشف عن استراتيجياته وطرائقه في التأثير والإقناع.

أهداف الدّراسة:

  1. التعرف على تأثير الخطاب السياسي للرئيس الزُبيدي في بناء العلاقات السياسية الداخلية والخارجية، وكذا معرفة الأساليب والوسائل الاتصالية التي اعتمد عليها الخطاب السياسي.
  2. كشف دور المنهج التداولي في تحليل الخطاب السياسي.
  3. معرفة استراتيجيات السيد عيدروس الزُبيدي في التواصل مع جمهوره.
  4. تحديد الأدوات اللغوية التي تُستخدم في تحقيق التأثير السياسي وإيصال الرسائل للمتلقين.
  5. ترسيخ مفاهيم ومضامين الخطاب السياسي لدى أفراد الشعب من خلال عرض تحليلاته وتفكيك شفراته وتوصيله لأكثر من شريحة في المجتمع.
  6. تقديم الرؤى المستقبلية؛ لتطوير أداء الخطاب السياسي الجنوبي الرأسي والافقي.

منهجية الدراسة:

 ولتحقيق الشمولية والتكامل في دراسة الخطاب السياسي للرئيس عيدروس الزُبيدي، ارتينا المنهج التداولي منهجا للدراسة؛ إذ يتميز هذا المنهج بتركيزه على دراسة التعالق بين المباحث والمفاهيم التي تُشكِّل البنية التداولية للخطاب، بهدف الكشف عن المعاني الضمنية والمقاصد الكامنة في الاستعمالات اللغوية.

والمنهج التداولي لا يقتصر على تحليل البنية السطحية للخطاب، بل يتعدى ذلك إلى استكشاف الأبعاد التفاعلية والاجتماعية التي تُشكِّل جوهر التواصل. ويتمثل هدفه الأساسي في وضع استراتيجيات منهجية لإنتاج الخطاب وفهمه، مما يتيح للمتكلم والمخاطب تحقيق أقصى درجات الفهم والتفاهم.

وفي هذا السياق، يركز المنهج التداولي على مجموعة من المباحث السيدية التي تلعب دورًا جوهريًا في تحليل الخطاب. ومن أبرز هذه المباحث:

  1. أفعال الكلام: تُعنى بدراسة الأفعال التي ينجزها المتكلم من خلال اللغة، مثل الوعد، الأمر، التوجيه، والاعتذار.
  2. السياق: يشمل جميع الظروف والعوامل المحيطة بالخطاب، سواء كانت اجتماعية، ثقافية، زمانية، أو مكانية، والتي تُساعد في تحديد المعنى.
  3. الإشاريات : تتعلق بالوسائل اللغوية التي تُحيل إلى عناصر محددة ضمن السياق التلفظي، مثل الضمائر وأدوات الإشارة.

 يُعتبر تناول هذه المباحث ضرورة لفهم الخطاب في شموليته وتفاعليته، حيث تساهم في بناء إطار منهجي يُمكِّن من تحليل المعاني واستيعاب أبعاد التواصل اللغوي بطريقة دقيقة وفعّالة.

عينة وحدود الدراسة:

اختار هذا البحث عينة عشوائية من الخطابات التي قدمها السيد القائد عيدروس الزُبيدي، خلال الفترة من 2017- 2024م، وقد بلغت تلك العينة الخاضعة للدراسة (20) خطابا سياسيا.

مصطلحات الدراسة:

التداولية:

إن التداولية جانب من جوانب اللغة يهتم بملامح استعمالها: (نفسية المتكلمين، رد فعل المستمعين الطابع الاجتماعي للخطاب، موضوع الخطاب) بمقابل الجانب التركيبي: (الميزات الشكلية للأبنية اللغوية) والدلالي (العلاقة بين الوحدات اللسانية والعالم)([1]) فهي تستدعي العودة إلى ما هو خارج الملفوظ (خارج الخطاب) لفهم المحددات الاجتماعية والإيديولوجية التي تتحكم في إنتاجه، حيث تكشف العلاقة بين دلالات الخطاب وظروفه الاجتماعية والتاريخية عن دور السياق كعنصر أساسي في تشكيل المعنى.

الخطاب:

إن “الخطاب هو الصيغة الطبيعية للكلام الأوسع والشامل؛ بل بإمكانه أن يستقبل كل الأشكال([2]) هذه النظرة للخطاب مبنية على أن كل أشكال الكلام تعد خطابا. والتصورات المذكورة لمفهوم الخطاب تكاد تمثل كل الاتجاهات التي تناولت الخطاب بالتحليل كالاتجاه اللساني البنيوي والاتجاه التداولي الاجتماعي والاتجاه النفسي، وكلها متداخلة ومعنية بدراسة الخطاب الذي بات يشكل نقطة التقاء علوم ومعارف كثيرة تهدف كلها إلى تحليل الخطاب، يقول جابر عصفور: “فخطاب الخطاب يجمع في نسيجه العلائقي ما يصله بدوائر علوم اللغة والاجتماع والسياسة والفلسفة والتاريخ والأدب …والدراسات الثقافية والأدبية وغيرها([3])

الخطاب السياسي:

عرفه الباحثون اجرائيا بأنه حقل معرفي يهتم بدراسة التواصل السياسي داخل المجتمع، سواء بواسطة النصوص أو الكلام أو الصور وهو خطاب يرتبط القادة السياسيين لاسيما في أوقات الحروب والمفاوضات وعقد الاتفاقيات الدولية وتتغير الفاظه نظرا لطبيعة الموقف كما يعد من اهم الوسائل المؤثرة على الجماهير.

تحليل الخطاب السياسي:

إن علاقة اللغة بالسياسة علاقة متينة حيث أصبح تحليل لغة الخطاب السياسي أحد فروع علم اللغة الاجتماعي الذي نال اهتماما واسعا لكون يهتم بلغة الخطاب السياسي والتعرف على خصائصه اللغوية التي تدعم الخطاب وتكشف عن وسائل تأثير الخطاب والسمات والخصائص الاسلوبية الخاصة بالمجتمع.

باث الخطاب:

باث الخطاب هو الرمز السياسي المتكلم وهو السيد القائد عيدروس بن قاسم بن عبد العزيز الزُبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي ونائب رئيس المجلس الرئاسي.

المتلقي:

هو متلقي الخطاب سواء اكان الخطاب موجه للمتلقي في الداخل أم الخارج.

الدراسات السابقة:

  1.  الدراسة التي قدمّها (فاتحة تمزارتي2013م) التي تحمل عنوان ” الحقول الدّلالية في الخطاب السياسي المصري الراهن خطاب مرسي نموذجا” جامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال المغرب. وقد تناولت الدراسة مفهوم الخطاب السياسي الذي عرفته بانه عملية تواصيلة تتم بين طرفين هما الباث والمتلقي وفي المحور الثاني تناولت عن الحراك المصري دوافعه واسبابه والمحور الثالث نظرة عن الباث وقد اتفقت دراستنا مع محاور هذه الدراسة لكن ما يميز دراستنا انها تناولت فترة زمنية طويلة اشتملت على عدد من الخطابات كانت عينة كافية للدراسة بالإضافة ان دراستنا استندت على المناهج التحليلية الأخرى كالأسلوبية والنفسية.
  2. الدراسة التي قدمها (الرفاعي 2019) التي تحمل عنوان ” استراتيجيات تحليل الخطاب السياسي خطابات سعد زغلول نموذجا، قسم اللغة العربة كلية الآداب والعلوم الجامعة الهاشمية.  
  3. دراسة (نور الزايد 2022م) ” تحليل الخطاب السياسي خطاب السيد التركي رجب طيب أردغان نموذجا”، تناولت الدراسة تحليل خطاب سياسي يركّز على خطاب ألقاه أردوغان عشية الانقلاب على حكمه في 2016م وكشف الدراسة عن مدى تأثير خطاب أردوغان على إفشال الانقلاب التي كادت أن تطيح بنظام حكمه. لقد توافق هذا البحث مع تلك الدراسات من حيث الموضوع، وهو تحليل الخطاب السياسي، وقد تميزت دراستنا عنها، بأنها تناولت أكثر من خطاب سياسي وفترة تقدر بخمس سنوات مما يعني أن هذه الدراسة تميزت في النوع والكمية، وكذلك تميزت بالمنهج التكاملي التحليلي مما جعلها تتميز عن غيرها من الدراسات، ومما سبق من دراسات كانت لنا مفتاحاً استطعنا من خلاله الولوج إلى تحليل الخطاب السياسي.
  4. دراسة بعنوان الخطاب السياسي للرئيس عيدروس الزُبيدي من 4/ مايو /2017م إلى 4/ مايو/ 2022م ” قراءة تحليلية دلالية “وتهدف هذه الورقة البحثية إلى تحليل الخطاب السياسية للرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، والتي ألقاها منذُ إعلان عدن التاريخي في 4 مايو 2017حتى 4 مايو 2022م، محاولة معرفة تحولات الخطاب ومدلولاته وكشف سر نجاحاته التي تحققت ومدى قدراته الفنية، اللفظية والجسدية، في التأثير على الجماهير المتلقّية للخطاب السياسي. وتتكوّن هذه الورقة البحثية من أربعة مباحث هي: المبحث الأوّل: الإطار العام للبحث، وتناول مشكلة البحث وأهميته وأهدافه ومنهجه والعينة المدروسة والدراسات السابقة، وفي المبحث الثاني: الإطار النظري للبحث، وتناول مفهوم الخطاب السياسي وأهميته وأبرز مناهج تحليل الخطاب، وفي المبحث الثالث، تناول ملمحاً عامًا عن باث الخطاب السياسي، مركزًا على مراحل حياته وانتمائه السياسي وخلفيته التاريخية والثورية التي كان لها حضورٌ كبيرٌ في طبيعة الحقول الدلالية المستعملة في الخطاب المدروس.  وفي المبحث الرابع والأخير، تناول نتائج تحليل لُغة النصّية للخطاب السياسي، بالإضافة إلى تقديم قراءة تحليلية لُلغة الجسّد التواصلية التي استخدمها الباث أثناء تقديم خطابه السياسي. وقد اعتمد البحث على منهج التحليل النّصي والاستدلالي ومنهجية التحليل النّفسي والإحصائي. وقد توصل البحث إلى عدد من النتائج أهمها، أن الخطاب السياسي للرئيس عيدروس الزُبيدي امتلك قدرة فنّية بارعة تساعده في توظيف إمكانات الُلغة، معانيها ومبانيها وأساليبها وتراكيبها ووسائل توصلها، وكذلك الاستفادة من لُغة الجسد الاتصالية، التي جاءت متناغمة تناغمًا كليًا مع الُلغة اللفظية؛ لإيصال مضامين الخطاب السياسي، وقد اُختتم البحث بعدد من التوصيات.

أقسام الدراسة:

الفصل الأول: الإطار الإجرائي للدراسة يبدأ الكتاب بتحديد أهمية الدراسة وأهدافها، موضحًا إشكالية الدراسة التي يتناولها، والتي تتعلق بتحليل الخطاب السياسي واستخدامه للأدوات التداولية. كما يشرح الفصل منهجية الدراسة المتبعة في التحليل، ويحدد عينة وحدود الدراسة، مع الإشارة إلى الدراسات السابقة في هذا المجال. كما يتم هنا تقديم هيكل الدراسة بشكل مختصر، موضحًا كيفية تنظيم الفصول المختلفة.

الفصل الثاني: التداولية بين النشأة والتشكل، في هذا الفصل، يتم استعراض مفهوم التداولية وتاريخ نشأتها وتطورها كفرع من فروع علم اللغة. يتم التعريف بمجالات التداولية ووظائفها، مع تخصيص جزء خاص للحديث عن الخطاب السياسي وخصائصه، كونه المجال الذي ستتناوله الدراسة. يُختتم المدخل بنبذة عن باث الخطاب السياسي الذي يُحلل، وهو السيد عيدروس الزُبيدي، لإعطاء القارئ خلفية عن سياق الخطاب.

الفصل الثالث: الإطار النظري للتحليل التداولي للخطاب، يتناول هذا الفصل الأسس النظرية التي يستند إليها التحليل التداولي، حيث يتم تعريف وتحليل المفاهيم الأساسية مثل الإشاريات، الأفعال الإنجازية، والسياق، مع مناقشة أنواعها المختلفة وأهميتها في تحليل الخطاب. يمثل هذا الفصل الأساس الأكاديمي الذي يرتكز عليه التحليل التفصيلي في للمباحث التالية.

الفصل الثالث: التحليل التداولي لخطاب السيد عيدروس الزُبيدي
في هذا الفصل، يتم تطبيق الإطار النظري الذي تم عرضه في الفصل السابق على خطاب السيد عيدروس الزُبيدي. يتم التركيز على دراسة الإشاريات في الخطاب، وأفعال الكلام التي يستخدمها السيد، وكيفية تأثير السياق في تداولية هذا الخطاب. كما يتم تحليل العلاقة بين هذه الأدوات وكيف تساهم في تحقيق أهداف الخطاب السياسي.

الخاتمة
تتضمن الخاتمة تلخيصًا للنتائج السيدية التي تم التوصل إليها من خلال الدراسة، مع إبراز أهمية التحليل التداولي في فهم الخطاب السياسي وأثره في الوعي الجماهيري وتحقيق الأهداف الوطنية.

قائمة المصادر والمراجع: في هذا القسم، يتم تقديم جميع المصادر الأكاديمية والمراجع التي تم الاستعانة بها خلال إعداد الدراسة، مما يتيح للقارئ الرجوع إليها للحصول على مزيد من التفاصيل والمعلومات.

الملاحق: يحتوي هذا القسم على الوثائق الإضافية والبيانات التي تدعم الدراسة، مثل النصوص الكاملة للخطابات أو أي مواد أخرى ذات صلة تساعد في فهم التحليل بشكل أعمق.

الفصل الثاني:

 التداولية بين النشأة والتشكل

  1. مفهوم التداولية
  2. نشأة التداولية وتشكلها
  3. مجالات التداولية:
  4. وظائف التداولية
  5. الخطاب السياسي، مفهومه وخصائصه
  6. لمحة عن باث الخطاب (السيد عيدروس الزُبيدي)

أوّلاً: مفهوم التداولية

تعد اللسانيات التداولية من أهم فروع اللسانيات المعاصرة التي تشتغل على مجموعة من المعارف عبر عنها بأنظمة التواصل بين مستعملي اللغة، التي هي نظام التواصل الإنساني الأمثل، إذ يعبر بها عن المعاني التي يريد المتكلم تبليغها إلى المخاطب من الجانب الإشاري، ومن الجانب الدلالي تعبيرا أو إبلاغا.

يرجع مصطلح التداولية إلى «المصطلح الإنكليزي Pragmatics والفرنسي Pragmatique، وکلاهما یرجع تأصیله إلی الأصل اليوناني Pragma التي تعني الفعل أو الحدث Action، وتعددّت التسمیات العربیة المقابلة لهذا المصطلح الأجنبي فقیل: البراغماتیة، والتداولیة، والوظیفیة، والسیاقیة …»[4]

وتشير مادة (د، و، ل) في المعجم العربي -بفتح الدال أو بضمها-إلى معنى جامع هو الانتقال من حال إلى حال فيقال: تداولنا الأمر أي أخذناه بالتنقل، وتداولت الأيام دارت وتنقلت وتداولته الأيادي أي تناقلته هذه مرة وهذه مرة([5])، وأَدال اللّٰه بين فلان من عدوهم، جعل الكثرة لهم عليه، وأديل المؤمنون على المشركين يوم بدر، وأُديل المشركون على المسلمين يوم أُحُد، واللّٰه يداول بين الناس مرة لهم ومرة عليهم، وتداولوا الشيء بينهم، والماشي يداول بين قدميه، يراوح بينهما»([6])؛ وهكذا يتحقق معنى (الانتقال) في استعمالات الجذر (د، و، ل) ويشير المعنى اللغوي إلى تداول اللغة بين المتكلم والمخاطب.

وفي الخطاب، يمكن تعريف التداول، أنها «تلك حال اللغة، متحولة من حال لدى المتكلم، إلى حال أخرى لدى السامع، متنقلة بين الناس، يتداولونها بينهم؛ ولذلك كان مصطلح تداولية أكثر ثبوتا بهذه الدلالة من المصطلحات الأخرى الذائعية، النفعية، السياقية» فالنتيجة تعني أن التداول لغة تعني الانتقال من حال إلى أخرى، في ظل التواصل والتفاعل، أي أن يكون القول موصولا بالفعل.

أما التداولية في الاصطلاح فقد عُرفت تعريفات كثيرة لكنها متقاربة لا تختلف كثيرا كما هو الحال عند تعريف النص أو الخطاب، من تلك التعريفات، إن التداولية جانب من جوانب اللغة يهتم بملامح استعمالها: (نفسية المتكلمين، رد فعل المستمعين الطابع الاجتماعي للخطاب، موضوع الخطاب) بمقابل الجانب التركيبي: (الميزات الشكلية للأبنية اللغوية) والدلالي (العلاقة بين الوحدات اللسانية والعالم)([7]) التداولية هي دراسة أفعال الكلام([8]) التداولية هي المبحث الذي يدرس استخدام اللغة والسمات المميزة التي تؤسس وجهته الخطابية داخل صلب اللغة [9]التداولية هي ذلك المجال الذي يركز مقارباته على الشروط اللازمة لكي تكون الأقوال اللغوية مقبولة وناجحة وملائمة في الموقف التواصلي الذي يتحدث فيه المتكلم([10])

التداولية هي دراسة المعنى التواصلي أو معنى المرسل، في كيفية قدرته على إفهام المرسل إليه، بدرجة تتجاوز معنى ما قاله([11])

ثانيا: نشأة التداولية وتشكلها

جاءت التداولية لتجيب عن مجموعة من الإشكالات التي تُشكّل موضوعًا لها، مثل: ماذا نفعل عندما نتكلم؟ ماذا نقول بدقة أثناء الكلام؟ من هو المتكلم؟ ومن هو المخاطب؟ ولماذا نتكلم؟ وكيف يمكننا إزالة الغموض عن جملة ما؟ وكيف نعبر عن شيء بينما نهدف إلى معنى آخر؟ وهل يمكن الاعتماد على المعنى الحرفي لفهم القصد بشكل كامل؟

تُركز التداولية بشكل أساسي على المتكلم من خلال تحليل سياق الملفوظات. كما تولي اهتمامًا خاصًا بالخطاب، بوصفه إنتاجًا لغويًا يتم تناوله ضمن علاقته بظروفه المقامية والسياقية. فالخطاب لا يقتصر فقط على المكونات اللغوية، بل يتضمن عناصر من العالم غير اللغوي. وهذا يعني أن فهم الخطاب يتطلب العودة إلى ما هو خارج النص نفسه، لكشف المحددات الاجتماعية والإيديولوجية التي تؤثر على إنتاجه.

تُبرز التداولية العلاقة الوثيقة بين دلالات الخطاب وظروفه الاجتماعية والتاريخية، إذ لا تُعد هذه الظروف مجرد عناصر ثانوية، بل هي مكونات أساسية تُساهم في تشكيل الدلالات ذاتها. هذا يتجلى بوضوح في عنصر السياق، الذي يُعتبر محورًا لفهم المعنى وإنتاجه.

أولا: أوستين (Austin) والتداوليّة

جاء الفيلسوف اللغوي البريطاني جون لويس أوستين  (John L. Austin) في منتصف القرن العشرين ليحدث نقلة نوعية في دراسة اللغة وفهم استخداماتها في الحياة اليومية، مما شكل أساسًا لنشوء نظرية الأفعال الكلامية، التي تُعد من أبرز المفاهيم في مجال التداولية (Pragmatics).  في هذا السياق، يمكن القول إن أوستين يُعتبر أحد الآباء المؤسسين لهذا المجال، حيث ساهم بشكل كبير في تطوير مفاهيم فهم اللغة بعيدًا عن التركيز فقط على الأبعاد النحوية والتركيبية.

أوستين ونظريته حول الأفعال الكلامية

أوستين طرح نظرية الأفعال الكلامية (Speech Act Theory)  في كتابه “كيف نعمل بالأشياء بالكلام” (How to Do Things with Words)، الذي نشر عام 1962. ويعد هذا العمل حجر الزاوية لفهم التداولية في سياقات الحياة اليومية، حيث أشار أوستين إلى أن اللغة لا تُستخدم فقط للتعبير عن أفكار أو تصورات، بل أيضًا للقيام بأفعال[12].

بناءً على ذلك، قسم أوستين الأفعال الكلامية إلى ثلاثة أنواع أساسية:

الفعل الإخباري  (Locutionary Act): وهو الفعل الذي يتم من خلاله قول كلمة أو جملة معينة، حيث يتعامل مع المعنى الحرفي للكلمات.

الفعل الإفهامي  (Illocutionary Act): وهو الفعل الذي يعبر عن النية وراء القول. على سبيل المثال، عندما يقول شخص ما “أغلق الباب”، فهو لا يكتفي بإخبارك بوجود الباب مفتوحًا، بل يقوم بالفعل الكلامي المقصود وهو الطلب أو الأمر.

الفعل التأثيري (Perlocutionary Act):  وهو الأثر الذي يحدث عند المتلقي نتيجة الفعل الكلامي، مثل إقناع شخص ما أو إحداث تغيير في سلوكه نتيجة للكلام الذي قيل.

التداولية وتطبيقاتها في نظرية أوستين

التداولية هي فرع من فروع علم اللغة الذي يهتم بكيفية استخدام اللغة في السياقات الاجتماعية الفعلية. على عكس اللسانيات التي تركز على دراسة اللغة من حيث هي هيكلية ونظام من الرموز، تهتم التداولية بكيفية استخدام الكلمات والمعاني في سياقات تواصلية حية. يبرز هنا دور أوستين في تسليط الضوء على أهمية السياق في تفسير المعنى، حيث أوضح أن فهم الكلام لا يعتمد فقط على الكلمات بل على السياق الذي يتم فيه، والنية التي تحملها الكلمات من قبل المتحدث، والآثار التي تترتب على المستمع.

التداولية وعلاقتها بنظرية الأفعال الكلامية

من خلال نظرية الأفعال الكلامية، يصبح واضحًا أن الأفعال الكلامية التي يتحدث عنها أوستين تتطلب السياق لفهم المعنى بالكامل. الفعل الكلامي ليس مجرد سلسلة من الأصوات أو الكلمات، بل هو فعل اجتماعي يهدف إلى التأثير على الآخرين في سياق معين. وبتعبير آخر، يعتمد المعنى الفعلي للجملة على الظروف التي تحدث فيها، وهي فكرة جوهرية في التداولية.

أوستين والتداولية في الخطاب السياسي

إذا نظرنا إلى الخطاب السياسي، مثل خطب السيد عيدروس الزُبيدي أو أي خطب سياسية أخرى، نجد أن الأفعال الكلامية التي يُستخدم فيها لا تقتصر على نقل معلومات بل تهدف إلى التأثير في الجمهور، تحفيزهم أو إقناعهم. على سبيل المثال، عندما يُطلق سياسي عبارة مثل “الجنوب سيبقى موحدًا” أو “سنواصل النضال من أجل الاستقلال”، لا يُعتبر هذا مجرد تعبير عن فكرة، بل هو فعل كلامي إقناعي موجه للمتلقين من أجل التأثير في آرائهم ومواقفهم. فالأفعال الكلامية تتجاوز التعبير عن الحقيقة لتصبح جزءًا من استراتيجية التأثير الاجتماعي.

مما سبق تبين أن نظرية الأفعال الكلامية التي قدمها أوستين تمثل إحدى الدعائم الأساسية لفهم كيفية استخدام اللغة في تفاعلاتنا اليومية، وخاصة في الخطابات السياسية. فالتداولية، بنظرتها التي تركز على السياق وتأثير المتحدث والمستمع، توفر إطارًا مفاهيميًا قويًا لتحليل كيف يُستخدم الكلام لتحقيق أهداف محددة في إطار اجتماعي وسياسي.

ثانيا: سيرل (Searle) والتداولية

يُعد الفيلسوف الأمريكي جون سيرل (John Searle) أحد الأسماء البارزة في تطوير نظرية الأفعال الكلامية بعد الفيلسوف جون أوستين، وقد قدم إسهامات كبيرة في مجال التداولية (Pragmatics) من خلال تطوير أفكار أوستين وتوسيعها. سيرل، الذي كان تلميذًا لأوستين، أصبح أحد المؤثرين السيديين في الفلسفة اللغوية وأثر بشكل كبير في فهم كيفية استخدام اللغة في السياقات الاجتماعية.

نظرية الأفعال الكلامية عند سيرل

ركز سيرل في عمله على الأفعال الكلامية (Speech Acts) وهي الأفعال التي نؤديها بواسطة اللغة، مثل الإخبار، والتعبير عن المشاعر، والإقناع، والتوجيه. وفي كتابه “الأفعال الكلامية” (Speech Acts) عام 1969، قام سيرل بتطوير نظرية أوستين وإضافة مفاهيم جديدة لتوضيح كيف يتم استخدام اللغة لتحقيق الأفعال الاجتماعية في تفاعلاتنا اليومية.[13]

أنواع الأفعال الكلامية عند سيرل

مثل أوستين، قسم سيرل الأفعال الكلامية إلى ثلاثة أنواع رئيسية، ولكن مع بعض التعديلات والتفاصيل الجديدة التي تميزت عن أفكار أوستين. وتتمثل هذه الأنواع في:

الفعل الإخباري (Locutionary Act): هذا الفعل يتعلق بالكلمات نفسها وما تشير إليه، وهو يشمل الأصوات، الكلمات، التراكيب اللغوية المستخدمة في الجملة.

الفعل الإفهامي (Illocutionary Act): وهو الفعل الذي يعبر عن نية المتحدث من وراء قوله. قد يكون هذا الفعل أمرًا، طلبًا، عرضًا، تهديدًا، إلخ. يحدد هذا الفعل الغرض الذي يريد المتحدث تحقيقه من خلال كلامه.

الفعل التأثيري (Perlocutionary Act): وهذا الفعل يشير إلى التأثير الذي يحدث على المتلقي بعد سماع الكلام. يمكن أن يكون هذا التأثير إقناعًا، تحفيزًا، خوفًا، إلخ. يعني سيرل بهذا النوع الأثر الذي يتركه الخطاب على المستمع أو القارئ.

إسهامات سيرل في التداولية[14]

أضاف سيرل إلى نظرية الأفعال الكلامية الكثير من العمق والتفاصيل، خاصة فيما يتعلق بكيفية فهم القيم الاجتماعية واللغوية للأفعال الكلامية في سياق معين. يمكن تلخيص إسهاماته السيدية في التداولية كما يلي:

مفهوم القوة الإفهامية: أوضح سيرل أن الأفعال الكلامية لا تتم فقط بناءً على الكلمات أو الجمل التي نستخدمها، بل تعتمد بشكل أساسي على القوة الإفهامية للخطاب، أي نية المتحدث في التأثير على المتلقي. بمعنى آخر، لم يعد الفهم محصورًا في المعنى الحرفي للكلمات، بل في السياق الذي يُقال فيه وما يرغب المتحدث في تحقيقه.

المجال الاجتماعي للخطاب: اعتبر سيرل أن فهم الأفعال الكلامية يجب أن يتم في إطار سياق اجتماعي وثقافي معين، حيث أن الأفعال الكلامية تتغير حسب نوع العلاقة بين المتحدث والمستمع والظروف الاجتماعية التي يتم فيها التفاعل. وهذا يتماشى مع مبدأ التداولية الذي يهتم بالسياق الاجتماعي الذي يقع فيه الخطاب.

المبادئ التنظيمية للأفعال الكلامية: قام سيرل بتوضيح أن هناك مبادئ أساسية تحكم الأفعال الكلامية. على سبيل المثال، يجب أن يكون المتحدث قادرًا على إتمام الفعل الكلامي بنجاح، ويجب أن يكون المستمع قادرًا على فهم نية المتحدث في إطار سياق معين. هذه المبادئ تؤكد أن الفعل الكلامي ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو أداء اجتماعي يعتمد على التفاعل بين المتحدث والمستمع

التداولية في الخطاب السياسي:

تعد إسهامات سيرل في مجال الأفعال الكلامية ذات أهمية خاصة عند تحليل الخطاب السياسي، حيث يستخدم السياسيون الأفعال الكلامية لتحقيق أهداف معينة مثل إقناع الجمهور، تحفيزهم على العمل، أو حتى إحداث تغيير سياسي.

على سبيل المثال، في الخطاب السياسي، قد يستخدم السياسيون الأفعال الإفهامية مثل الوعود أو الأوامر أو الطلبات، التي تهدف إلى التأثير على آراء الجمهور أو تحفيزهم نحو اتخاذ خطوة معينة. كما أن الأفعال التأثيرية، مثل محاولات إقناع الجمهور أو تهييج مشاعرهم، تعتبر جزءًا أساسيًا من الخطاب السياسي الذي يهدف إلى إثارة ردود فعل معينة من الجمهور.

التداولية عند سيرل: نحو التحليل السياسي والاجتماعي

اعتمد سيرل على مفهوم النية التي تحملها الأفعال الكلامية لفهم تأثير الخطاب السياسي على الجمهور. فإذا نظرنا إلى خطاب سياسي مثل خطاب السيد عيدروس الزُبيدي أو غيره من القادة السياسيين، نجد أن الفعل الكلامي هنا لا يقتصر على تقديم المعلومات، بل يهدف إلى إقناع الجمهور وتحفيزهم على الانخراط في الأهداف السياسية الوطنية. بهذا الشكل، يعتبر تحليل الأفعال الكلامية جزءًا أساسيًا من تحليل الخطاب السياسي الذي يساعد على فهم كيف يمكن للخطاب أن يشكل الواقع الاجتماعي والسياسي.

مما سبق ابين أن إسهامات سيرل في التداولية ونظرية الأفعال الكلامية قدمت إطارًا قويًا لفهم اللغة من خلال السياق الاجتماعي ونيّة المتحدث. إذ أن الأفعال الكلامية لا تُختصر في كونها كلمات تُقال، بل هي أفعال اجتماعية لها تأثيرات محددة على المتلقي. في مجال الخطاب السياسي، يمكن تطبيق هذه النظرية لفهم كيفية تأثير الخطاب السياسي على الجمهور وتحفيزهم نحو تحقيق أهداف محددة.

ثالثا: جرايس (Grice) والتداولية[15]

يُعتبر الفيلسوف البريطاني هنري جرايس (H.P. Grice) من الشخصيات الأساسية التي ساهمت في تطور التداولية (Pragmatics) من خلال نظرية المبادئ التعاونية (Cooperative Principle) التي قدمها في السبعينات. جرايس لم يقتصر على تطوير أفكار تتعلق باستخدام اللغة في تفاعلات اجتماعية فحسب، بل قدم أيضًا إطارًا لفهم كيفية أن اللغة تعمل بشكل غير مباشر من خلال الإشارات اللغوية التي تحمل معاني ضمنية تتجاوز ما تقوله الكلمات بشكل حرفي.

نظرية المبادئ التعاونية [16](Cooperative Principle)

في عام 1975، قدم جرايس نظرية المبادئ التعاونية في مقالته الشهيرة “منطق التحدث” (Logic and Conversation)، والتي كانت خطوة هامة في التداولية، حيث أشار إلى أن التواصل بين الأفراد يعتمد بشكل كبير على التعاون المتبادل بينهم، وذلك من خلال الالتزام بمبادئ معينة عند التفاعل اللغوي.

المبادئ التعاونية الأربعة

جرايس اقترح أن الأشخاص المتحدثين يتبعون أربعة مبادئ تعاونية أساسية عند التواصل، وهي:

مبدأ الكم (Quantity): يجب على المتحدث أن يقدم القدر المناسب من المعلومات. لا يجب أن يكون الحديث مبالغًا فيه ولا يجب أن يكون غامضًا. بمعنى آخر، يجب أن يكون ما يُقال كافيًا دون أن يكون مفرطًا أو ناقصًا.

مبدأ الجودة (Quality): يجب على المتحدث أن يلتزم بالحقيقة وأن لا يقول ما هو غير صحيح أو ما لا يستطيع إثباته. هذا المبدأ يشير إلى أهمية الصدق في الحديث.

مبدأ العلاقة (Relevance):يجب أن تكون المعلومات المقدمة ذات صلة بالمحادثة والموضوع المطروح. بمعنى أن المتحدثين يجب أن يتجنبوا الخروج عن السياق.

مبدأ الأسلوب (Manner):يجب على المتحدث أن يعبر عن نفسه بطريقة واضحة، أي أنه يجب تجنب الغموض وإبراز المعاني بطريقة تكون سهلة الفهم.

التقنيات التفسيرية للمحادثة: التلميحات والتلميحات الضمنية

من خلال هذه المبادئ، قدم جرايس أيضًا فكرة التلميحات (Implicatures)، وهي المعاني الضمنية التي يتعين على المستمع استنتاجها بناءً على السياق أو بناءً على ما يُقال بين سطور الحديث. التلميحات تمثل المعنى غير المباشر الذي لا يمكن فهمه إلا من خلال تفسير السياق الكامل للحديث.

إحدى أهم المساهمات التي قدمها جرايس كانت نظرية التلميحات التعاونية (Conversational Implicature)، التي تركز على كيف يمكننا فهم المعنى المخبأ وراء الكلمات بناءً على توقعاتنا من المتحدث والسياق الاجتماعي.

أنواع التلميحات

التلميحات التبادلية (Conventional Implicature):تشير إلى المعاني التي تكون متوقعة من خلال استخدام كلمات معينة، حتى إذا كانت الجملة لا تحتوي على هذا المعنى حرفيًا. على سبيل المثال، عندما نقول “على الرغم من أنه لم يكن في المرة الأولى، إلا أنني أثق به”، قد نفهم ضمنيًا أن الشخص في البداية كان لا يُعتقد أنه موثوق.

التلميحات الحوارية (Conversational Implicature):تتعلق بالأفعال الكلامية التي تتم في سياق محادثة معينة. على سبيل المثال، عندما يسأل شخص آخر: “هل ستذهب إلى الحفلة غدًا؟” ويجيب المتحدث: “أنا لا أريد الذهاب إلى أي حفلات هذا الشهر”، قد يعني ضمنًا أنه لن يذهب إلى الحفلة غدًا، رغم أنه لم يُذكر ذلك بشكل صريح.

التداولية عند جرايس واللغة في الخطاب السياسي

في سياق الخطاب السياسي، تصبح المبادئ التعاونية والجوانب الضمنية للتلميحات أكثر وضوحًا. السياسيون، على سبيل المثال، غالبًا ما يستخدمون التلميحات لتجنب قول شيء بشكل مباشر يمكن أن يُفهم على أنه غير مناسب أو يسبب ردود فعل غير مرغوب فيها. قد يستخدمون التلميحات التبادلية لتمرير رسائل معينة دون الحاجة إلى التصريح بها، مما يعكس قوة اللغة في التأثير على الجمهور دون تقديم معاني مباشرة أو تصريح واضح.

في الخطابات السياسية مثل خطب السيد عيدروس الزُبيدي أو غيره من القادة، يمكن أن نلاحظ استخدام التلميحات الحوارية من أجل إشراك الجمهور في الحوار أو توجيههم نحو وجهة نظر معينة دون أن يُقال ذلك بشكل علني. على سبيل المثال، قد يستخدم القائد عبارة مثل “إننا جميعًا على درب واحد” في محاولة لخلق شعور جماعي بالإجماع دون أن يذكر ذلك صراحة.

التداولية في السياقات الاجتماعية والسياسية

نظرًا لأن جرايس ركز على السياق في تفسير معاني الكلمات، فإن تطبيق هذه النظرية في الخطاب السياسي يمكن أن يساعد في فهم كيفية استخدام السياسة للكلمات لتوجيه أو تحفيز المجتمع. تلميحات جرايس يمكن أن تُستخدم في إخفاء نوايا أو آراء معينة أو محاولة التأثير على الجمهور بدون الحاجة إلى تقديم تصريح مباشر.

مما سبق تبين أن نظرية المبادئ التعاونية والتلميحات، تقدم رؤية شاملة حول كيفية عمل التداولية في الحياة اليومية، بما في ذلك الخطاب السياسي. استخدم السياسيون المبادئ التعاونية والتلميحات في تصريحاتهم لتوجيه الخطاب الجماهيري دون أن يكون المعنى مباشرًا وواضحًا. هذه الأدوات تعتبر أساسية لفهم كيفية استخدام اللغة في التفاعلات الاجتماعية والسياسية، حيث تصبح النية والسياق محورًا لفهم المعنى الحقيقي وراء الكلمات.

وعليه فإن سمات التداولية من خلال تلك المفاهيم تتمثل في الآتي:

تهتم التداولية بثلاثة أركان أساسية في التداول الكلامي: المرسل والمتلقي، المقام، الاستعمال العادي (العفوي) للكلام.

فهم المعايير التي توجه المنتج، وما الاستراتيجيات التي يستخدمها في عملية الإنتاج.

معرفة المرسل والمتلقي والسياق المحدد الذي يرتبط بإنتاج وفهم الخطاب.

إن المعنى لا يكمن في الكلمات وحدها، ولا يرتبط بالمنتج وحده، ولا المتلقي وحده، إنما يكمن في الفعل التداولي بين المنتج والمتلقي في سياق محدد

ثالثا: مجالات التداولية  

تدرس التداولية المعنى في ضوء علاقته بموقف الكلام، والموقف الكلامي يشتمل على جوانب كثيرة يمكن أن نجمعها فيما يلي: المتحدث والمستمع، سياق التفوّه، الهدف، الفعل الإنجازي الذي يحدث في موقف معين. تمثل هذه الجوانب محور البحث التداولي([17])

مجالات التداولية:

 أن التداولية ظهرت بعد البحث التركيبي والدلالي لذلك نلاحظ اتساع مجالات البحث لتشمل الآتي:

 الإشاريات: هي تعبيرات وألفاظ تحيل إلى مكونات السياق الاتصالي، ولا يتضح معناها إلا بمعرفة المشار إليه لذلك يطلق عليها المبهمات،([18]) وتقسم الإشاريات إلى:

الإشارات الشخصية: مثل الضمائر بكل تفصيلاتها ويعتمد مرجعها على السياق الذي تستخدم فيه.

الإشارات الزمانية: وهي تدل على زمان يحدده السياق بالنظر إلى زمان التكلم؛ فزمان المتكلم هو مركز الإشارة الزمنية في الكلام، فإذا لم يعرف زمان المتكلم التبس الأمر على السامع ([19]) فإذا قلت مثلا “نلتقي الساعة العاشرة” نجد أن زمان التكلم وسياقه يحددان المقصود بالساعة العاشرة صباحا أم مساء.

 الإشارات المكانية: هي كلمات تشير إلى أماكن يعتمد استعمالها وتفسيرها على معرفة مكان المتكلم، أو على مكان آخر معروف للمخاطب، مثل: هنا، هناك، أمام… ويستحيل على المتواصلين باللغة أن يفسروا كلمات مثل: هنا وهناك وهذا وذاك ونحوها إلا إذا وقفوا على ما تشير إليه بالقياس إلى مركز الإشارة (المكان) فهي تعتمد على السياق المباشر الذي قيلت فيه([20]). مثال: قال شخص: أحب أن أبقى هنا، فهل يعني: في هذا المكتب، أو في هذه المؤسسة، أوفي هذا المبنى، أو في هذه القرية أو في هذه الدولة…فكلمة هنا تعبير إشاري، وإن كان يشير إلى شيء قريب من المتكلم إلا إنه قد يكون بعيداً عن المخاطب، فلا يمكن تفسيره إلا بمعرفة المكان الذي يقصد المتكلم الإشارة إليه.

إشارات الخطاب: وهي عبارات مختلفة ومتنوعة يستخدمها المتكلم ليشير إلى موقف خاص به مثل قوله: مهما يكن، بالإضافة إلى ذلك، الرأي السابق، الأسبوع الماضي، تلك القصة. والملاحظ أنها إشارات منقولة من وظائفها الأساسية لتؤدي وظائف خاصة يستهدفها المتكلم.

الإشارات الاجتماعية: وهي ألفاظ أو تراكيب تشير إلى العلاقة الاجتماعية بين أطراف الخطاب توجه نحو اختيار اللفظ المناسب في المقام المحدد كأن يكون مقام احترام، تبجيل، التماس وغيرها من المقتضيات المقامية، مثل: السيد، السيدة، سمو الأمير، فخامة السيد، جلالة الملك.

الافتراض السابق: يبني المتكلم كلامه على المعلومات المشتركة بينه والمتلقي، فيوجه حديثه إلى السامع على أساس أنه معلوم له، فإذا قال رجل لرجل آخر (أغلق النافذة)، فالمفترض سلفا أن النافذة مفتوحة، وأن المخاطب قادر على إغلاقها، وأن المتكلم في منزلة الآمر، وكل ذلك موصول بسياق الحال وعلاقة المتكلم بالمخاطب. ويقرر فينيمان بأن لأي خطاب: “رصيداً من الافتراضات المسبقة (يضم معلومات) مستمدة من المعرفة العامة، وسياق الحال، والجزء المكتمل من الخطاب ذاته.

الاستلزام الحواري (الخروج عن مقتضى الظاهر):

ترتبط بعض المفردات والعبارات والاستعمالات اللغوية بدلالات معينة تلازم تلك المفردات أو العبارات أو الاستعمالات، ولكن لأسباب تتعلق بأحوال المتحاورين قد يقصد أحد أطراف الحوار معنى ضمني جديد غير مقيد بذلك التلازم الدلالي، وحينها يطلق على هذه المعاني الجديدة (استلزام حواري) أي خروج عن المعنى الأصلي المتعلق بالسياق اللغوي لغرض ما، ويتوزع هذا الاستلزام بين القول والقصد فالقول هو ما تعنيه الكلمات والعبارات بقيمها اللفظية الظاهرة والقصد هو ما يريد المتكلم أن يبلغه إلى السامع على نحو غير مباشر اعتمادا على أن السامع قادر على أن يصل إلى مراد المتكلم بما يتاح له من أعراف الاستعمال ووسائل الاستدلال([21])

رابعا: وظائف التداولية

تُعد التداولية همزة وصل بين العديد من العلوم الإنسانية، منها: الفلسفة، علم النفس، واللسانيات. وقد أدت التداولية أدوارًا متنوعة ومهام مختلفة في دراسة اللغة، إذ لا تدرس البنية اللغوية ذاتها، وإنما تركز على دراسة اللغة عندما تُستخدم في الطبقات المقامية المختلفة.

فاللغة، من منظور تداولي، تُعتبر خطابًا صادرًا عن متكلم محدد وموجهًا إلى مخاطب محدد، في سياق تواصلي معين، باستخدام ألفاظ محددة، بغرض تحقيق هدف تواصلي معين.

كما تشرح التداولية كيفية جريان العمليات الاستدلالية في معالجة الملفوظات، وتبيّن أسباب تفضيل التواصل غير المباشر وغير الحرفي (مثل التلميح والإشارة) على التواصل الحرفي المباشر. إضافة إلى ذلك، تُوضح التداولية أسباب قصور المعالجة اللسانية البنيوية في فهم الملفوظات التي تعتمد على السياق والقصد.

يتضح من هنا أن التداولية تُبرز النشاط التفاعلي للغة، وتركّز بشكل خاص على المهام الأساسية للتفاعل في العملية التواصلية. ومع ذلك، هناك شروط يجب أن تتوافر لتحقيق هذا التفاعل بفعالية.

تتضمن هذه الشروط عناصر اجتماعية وإدراكية، حيث يُشترط أن يتم التفاعل في إطار يُراعي الظروف الاجتماعية بين الأطراف المتواصلة. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يلتزم الحديث بحدود زمانية ومكانية محددة لضمان تحقق التفاعل المطلوب بشكل كامل وفعّال.[22]

لم تظل مهام التداولية محصورة في تحقيق التواصل فحسب، بل امتدت لتشمل وظائف أعمق وأكثر تنوعًا. واستنادًا إلى ما طرحه “سيمون ديك” (Simon Dik)، فقد قام “المتوكل” بتقسيم هذه الوظائف إلى نوعين رئيسيين: وظائف داخلية ووظائف خارجية[23].

الوظائف التداولية الداخلية

تتعلق الوظائف الداخلية بالعناصر التي تنتمي إلى الجملة نفسها، وتلعب دورًا في تنظيم المعنى داخل الخطاب. أبرز هذه الوظائف هي:

وظيفة المحور: يعرف “المتوكل” وظيفة المحور بقوله: “تسند وظيفة «المحور» إلى المكون الدال على ما يشكل «المتحدث عنه» داخل الجملة”.[24] وظيفة المحور تشير إلى العنصر الذي يُعتبر نقطة التركيز الأساسية في الجملة ويُحدد ما يتم الحديث عنه، ويطلق عليها هذا الاسم لأنها تشير إلى العنصر الأساسي في الجملة الذي يشد الانتباه، ويُركّز عليه في سياق الخطاب.

وظيفة البؤرة: عرف وظيفة البؤرة بأنها: “تسند إلى المكون الحامل للمعلومة الأكثر أهمية أو الأكثر بروزًا في الجملة”.[25] وظيفة البؤرة تبرز العنصر الذي يتم التركيز عليه في الجملة، وهو المكون الذي يحمل المعنى الأكثر أهمية ويعزز التواصل بين المتكلم والمخاطب وهذه الوظيفة تشير إلى العنصر الذي يحمل التركيز السيدي في الجملة، الذي عادةً ما يغير دلالة الجملة أو يوضح المقصد. في الجملة “كان الاجتماع مهمًا للغاية”، “مهمًا للغاية” هو ما يُركّز عليه كالبؤرة لأنها توضح مدى أهمية الاجتماع، وتعزز من معناه.

 الوظائف التداولية الخارجية:

تتعلق هذه الوظائف بالعناصر التي تقع خارج نطاق الجملة، لكنها تؤثر على تركيب وتفسير المعنى في سياق أوسع، وتشمل:

وظيفة المبتدأ:  عرف “سيمون ديك”  Dik Simonالمبتدأ بقوله: “المبتدأ هو ما يحدد مجال الخطاب، ويعتبر الحمل بالنسبة إليه”[26].هذا التعريف يوضح أن المبتدأ هو العنصر الذي يُستخدم لبدء الخطاب وتحديد موضوعه، بينما يُعتبر ما يتبعه من جمل أو معلومات بمثابة “حمل” يوضح أو يُكمل المعنى يُعتبر المبتدأ نقطة الانطلاق في الجملة التي يتركز عليها الكلام في البداية. يُستخدم المبتدأ لتمهيد الموضوع وتوجيه الانتباه إليه. في الجملة “المواطنون يطالبون بحقوقهم”، “المواطنون” هو المبتدأ، فهو العنصر الذي يبدأ به المتكلم حديثه ويحدد الموضوع.

وظيفة الذيل: يقترح “سيمون ديك”  Dik Simon  بالنسبة لوظيفة الذيل، أن الذيل يحمل المعلومة التي تُوضِّح أو تعدل المعلومات الموجودة داخل الحمل، قائلاً: “يحمل الذيل المعلومة التي تُوضِّح أو تعدل داخل الحمل”.[27]هذه الفكرة تبرز كيف أن الذيل في الجملة يضيف معلومات مكملة أو توضيحية لما ورد في “الحمل” (الجزء الذي يكتمل به المعنى في الجملة) والذيل هو الجزء الذي يأتي في نهاية الجملة ويوضح أو يضيف تفسيرًا لما ورد في البداية. فهو يكون بمثابة تكملة أو تفصيل لما قيل سابقًا. في الجملة “استقبلت الحكومة المساعدات الدولية، وهذه خطوة مهمة نحو الاستقرار”، “هذه خطوة مهمة نحو الاستقرار” هو الذيل، لأنه يوضح مغزى الفعل الوارد في الجملة الأولى.

وظيفة المنادى: تُستخدم هذه الوظيفة للتوجه إلى شخص معين أو مجموعة معينة، وغالبًا ما تكون هذه المنادات مصحوبة بنغمة دالة على الاستفهام، التعجب، أو الدعوة. في الجملة “أيها المواطنون، حافظوا على أمن بلادكم”، “أيها المواطنون” هو المنادى، إذ يتم توجيه الخطاب إلى جمهور محدد ليتفاعل معه.

إن فهم هذه الوظائف يساعد في تحليل الخطابات بشكل أعمق، حيث تُظهر كيف تُستخدم اللغة ليس فقط لنقل معاني حرفية، ولكن أيضًا لتنظيم وتوجيه الانتباه، وتعزيز الرسائل الموجهة إلى المتلقين. التداولية تكشف لنا كيفية تشكيل المعنى من خلال توزيع الاهتمام بين العناصر اللغوية المختلفة في الجملة وفي السياق الأوسع، مما يسمح للمحلل بفهم أفضل للأهداف التواصلية والاستراتيجيات المستخدمة من قبل المتكلم.

خامسا: الخطاب السياسي المفهوم والتحليل

  1. مفهوم الخطاب:

ورد في (اللسان) لابن منظور في مادة: (خ ط ب) أن “الخطاب والمخاطبة: مراجعة الكلام، وقد خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابا وهما يتخاطبان، والمخاطبة صيغة مبالغة تفيد الاشتراك والمشاركة في فعل ذي شأن”([28]) واتفقت المعاجم اللغوية على هذا المعنى الذي جاء في (اللسان). وعليه فإن معنى (خطب) في اللغة هو توجيه الكلام للغير. وتعود جذور مصطلح الخطاب إلى عنصري اللغة والكلام، فاللغة عموما نظام من الرموز يستعملها الفرد للتعبير عن أغراضه، والكلام إنجاز لغوي فردي يتوجه به المتكلم إلى شخص آخر يُدعى المخاطب([29]) ومن هنا تولد مصطلح الخطاب بعدّه رسالة لغوية يبثها المتكلم إلى المتلقي، فيستقبلها ويفك رموزها. أما الخطاب في الاصطلاح فإن الباحث في الدراسات اللسانية التي عنيت مؤخرا بتحديد مفهوم الخطاب يجد مفاهيم متعددة قامت على اتجاهات مختلفة، منها:

عرف “معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة” الخطاب بأنه “مجموعة التعبيرات الخاصة التي تحدد بوظائفها الاجتماعية ومشروعها الإيديولوجي”. يشير هذا التعريف إلى أن الخطاب ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو مجموعة من التعبيرات التي تخدم غرضًا اجتماعيًا وإيديولوجيًا معينًا

أما في المعنى اللغوي، فإن الخطاب كمفردة يشير إلى “مصدر الفعل خاطب، يخاطب خطابًا ومخاطبة”، ويدل على توجيه الكلمة لمن يفهمها، أي نقله من دلالة الحدث المجرد من الزمن إلى الدلالة الاسمية. قديمًا، كان الخطاب يُستخدم للإشارة إلى ما خوطب به، أي الكلمات نفسها(.([30] والخطاب مجموعة من الملفوظات التي تبرهن على موضوع واحد تأسيسا على مجموعة من المعطيات([31])هذا المفهوم جعل للخطاب طولا محددا يتجاوز الجملة، كما ركَّز على الوحدات اللغوية التركيبية التي تشرح فكرة ما أو مجموعة من الأفكار.

ويعرف بأنه “كل تلفظ يفترض متكلما ومستمعا ويهدف فيه الأول إلى التأثير في الثاني بطريقة ما”([32])،هذا المفهوم نظر إلى استعمال اللغة ووظائفها وإلى أركان الخطاب وهي وفق هذا التصور: المتكلم، المتلقي الملفوظ وقصد التأثير وأخيرا التفاعل والتواصل، و“الخطاب فعالية مشتركة في مبدأ الحوار، باعتبار أن الظاهرة الأساسية في هذه الفعالية هي الحوار”([33]) هذا التصور للخطاب ابتعد عن البنيوية اللغوية واعتمد كثيرا على اعتبارات أخرى مثل: السياق المصاحب، والمتحاورين وخلفياتهم الثقافية وغيرها من العناصر التي يشملها أسلوب الحوار.

إن “الخطاب هو الصيغة الطبيعية للكلام الأوسع والشامل؛ بل بإمكانه أن يستقبل كل الأشكال([34]) هذه النظرة للخطاب مبنية على أن كل أشكال الكلام تعد خطابا. والتصورات المذكورة لمفهوم الخطاب تكاد تمثل كل الاتجاهات التي تناولت الخطاب بالتحليل كالاتجاه اللساني البنيوي والاتجاه التداولي الاجتماعي والاتجاه النفسي، وكلها متداخلة ومعنية بدراسة الخطاب الذي بات يشكل نقطة التقاء علوم ومعارف كثيرة تهدف كلها إلى تحليل الخطاب، يقول جابر عصفور: “فخطاب الخطاب يجمع في نسيجه العلائقي ما يصله بدوائر علوم اللغة والاجتماع والسياسة والفلسفة والتاريخ والأدب …والدراسات الثقافية والأدبية وغيرها([35])

في “المعجم السياسي”، يُعرَّف الخطاب على أنه “تعبير عن الأفكار بالكلمات، سواء كان محادثة بين طرفين أو أكثر، أو مناقشة رسمية مكتوبة لموضوع ما، أو معالجة مكتوبة لموضوع ما، أو حوار أو كلمة”. كما يُنظر إلى الخطاب في علم اللغويات على أنه أي امتداد لغوي له بناء منطقي سليم ويكون أكبر من الجملة أو الفقرة المتكاملة.

أما حسب “إميل بنفنست” (1902-1976)، فيُعرِّف الخطاب بأنه “ملفوظ منظور من وجهة آليات وعمليات اشتغاله في التواصل”. وبمعنى آخر، هو كل تلفظ يفرض وجود متكلم ومستمع، حيث يكون هدف المتكلم التأثير على المستمع بطريقة ما([36]).

ويتداخل مفهوم الخطاب مع مفهوم النص كثيرا لدرجة يصعب تمييز الحدود الفاصلة بينهما والباحث المدقق يجد أن العلماء الذين فرقوا بين النص والخطاب تفرقت آراؤهم وتباينت معاييرهم مثل: معيار الشكل أو الوظيفة أو الخصائص والسمات أو طريقة التأليف أو التصنيف إلى أنواع أو معيار المشافهة والكتابة وغيرها من وجهات النظر، ويميل الباحث إلى الأخذ بالرؤى التي تنظر إلى الخصائص التي يتمتع بها كل من النص والخطاب ثم تحاول الدمج بينهما على أساس أن الخطاب هو السياق التداولي للنص والإنتاج اللفظي للنص وثمرته الملموسة المرئية([37])

وتظهر أهمية هذه النظرة من خلال جمعها بين مظهرين أساسيين في البنية اللغوية، المظهر الخارجي المتعلق بالنص ويمثله التركيب الصوتي والنحوي والمظهر الداخلي المتعلق بالخطاب ويمثله سياق المقام، وعليه فإن الخطاب يتسم بالآتي:

  1. وجود المتلقي لحظة إلقاء الخطاب.
  2. يعتمد الخطاب على اللغة الشفوية أكثر من اعتماده على طرق التعبير اللغوي الأخرى.
  3. يعد الخطاب إنجازا لغويا يربط بين بنيته اللغوية وظروفه المقامية.

تؤكد هذه السمات أن الخطاب يحيل على عناصر السياق الخارجية في إنتاجه وتفسيره وهذا يفرض على محلله معرفة شروط الإنتاج والتفسير، وعلى هذا الأساس يمكن أن يكون الخطاب نصا بالنظر إلى بعض الخصائص والسمات فهو نص إنجازي تداولي يؤدي وظائف محددة في سياق محدد.

  • مفهوم الخطاب السياسي

عرف باللغة الإنجليزية  (Political discourse)، وهو الوسيلة السيديّة التي يستخدمها السياسيّون، والأشخاص الذين يعملون في المجال السياسيّ من أجل مخاطبة بعضهم البعض، أو مخاطبة أفراد الشعب، ويعرف أيضاً بأنّه الخطاب الذي يقرأه، أو يلقيه شخصٌ ما بصفتهِ الفردية، أو بالصفة الرسميّة التي يمثلها كأن يمثل حزباً ما، أو وزارةً من الوزارات، أو الحكومة كاملة([38]).

يُقصد بالخطاب السياسي ذلك الشكل الخاص من التواصل الذي يهدف إلى إقناع المتلقي وتوجيه سلوكه بشأن موضوعات تتعلق بالدولة وتوجهاتها الداخلية والخارجية. ويتميز هذا الخطاب بشخصية مرسِله والمقام الذي يتم فيه، بالإضافة إلى بنيته اللغوية وما تحتويه من دلالات وأفكار وأساليب بلاغية تهدف إلى التأثير في المتلقي وإقناعه.

وقد عرف بعض المحدثين الخطاب السياسي بأنه نوع من فنون الكلام غايته إقناع السامعين واستمالته والتأثير فيهم بصواب قضية أو بخطأ أخرى، وعرف بأنه علم يقتدر بقواعده على مشافهة الجماهير بفنون القول المختلفة للاقعناهم واستمالتهم والخطاب ضرورة  اجتماعية تفرضها الظروف ويعبر عن المجتمع بوجه عام وكل الأمم في حاجة إليه(([39].

ويعرف الخطاب السياسي أيضا بأنه حقل للتعبير عن أراء واقتراح الأفكار والمواقف حول القضايا السياسية من قبيل شكل الحكم كالديمقراطية وأقسام السلطة والفصل بين أنواعها, ويعتبر الخطاب السياسي خطابا إقناعي, يهدف إلى حمل المخاطب على القبول والتسليم لصدقية الدعوة عن طريق توظيف حجج وبراهين ويمكننا اعتباره مؤقتا خطابا سياسيا عندما، يقال من طرف رجل سياسي في هدف سياسي([40]).

كما يُعرّف الخطاب السياسي أيضًا على أنه “نسيج لغوي منطوق ومكتوب مترابط ومنسجم، مشحون بالسياسة فكراً وسلوكاً، تفاعلت فيه ممارسات وفاعلين في سياق مخصوص (اجتماعي، لغوي، زماني، مكاني)”، حيث يتضمن معرفة الإشكالات التي يتضمنها نصه ويعكس غرضًا اتصاليًا وخصوصية تداولية.

ومن خلال هذه المفاهيم، يمكن اعتبار الخطاب السياسي خطابًا إقناعيًا بامتياز، حيث يسعى إلى حمل المخاطب على القبول بفكرة ما عبر التقنيات اللغوية والمنطقية والعقلانية، بهدف التأثير في المستمع وإقناعه بمحتوى الخطاب(.([41]

تعرف السياسة في “المعجم السياسي” على أنها القوة والهيمنة التي تمثلها أنواع الحكومات، وتتمحور حول مفهومين رئيسيين: الأول هو المفهوم التقليدي الضيق، الذي يركز على دراسة الأنماط السياسية للمؤسسات الحكومية. أما المفهوم الثاني فهو الشامل والمعاصر، الذي ينظر إلى السياسة كعلم يدرس الوظائف والأنشطة المختلفة المتعلقة بالحكم، مع التركيز على المنافسة والصراع من أجل السيطرة والنفوذ.([42])

وتعرف السياسة في “معجم اللغة العربية المعاصرة” بأنها مصدر مشتق من الفعل الثلاثي “سَاسَ”، وأصله “سَوسَ”. وتُعرّف السياسة على أنها المبادئ المعتمدة التي تُتخذ بناءً عليها الإجراءات والقرارات. كما أنها سلوك الحكومات والدول ومواقفها تجاه القضايا المتعلقة بالدول الأخرى، بما يشمل اتخاذ المواقف والتوجهات السياسية الداخلية والخارجية(.([43]

  • أهداف الخطاب السياسي

يتميز الخطاب السياسي بأنه خطاب يقوم على عملية الإقناع للجهة الموجه لها الخطاب، بالإضافة إلى تلقي القبول والاقتناع بمصداقيته، من خلال العديد من الوسائل والطرق المدعمة بالحجج والبراهين، وجب أن يوظف الخطاب السياسي الوسائل اللغوية والمنطقية الصحيحة، وجمل تعبيرية تتناسب مع طريقة التواصل مع الأفراد، كالصور والموسيقى بالإضافة إلى استخدام لغة الجسد، مع مراعاة أن تتناسب مع الموقف والمقام الذي يتم إلقاء الخطاب السياسي على أساسه.

  •  وظائف الخطاب السياسي

يُحقّق الخطاب السياسيّ عدّة وظائفٍ وفق استراتيجيّةٍ تقوم على إدارة أنماط التفكير الإنسانيّ، ومن هذه الوظائف ما يأتي:

وظيفة الخبر:

من أهم الوظائف التي تقوم على إيصال الخبر للجمهور بطريقة صحيحة ومقنعة.

وظيفة المقاومة والمعارضة:

 يعمل بشكل أساسي على تقديم المعارضات والاحتجاجات على سياسية متبعة في المجتمع الذي يعيش فيه، بالإضافة إلى مقاومة هذه السياسية والنظام المتبع من أجل تغييره والحصول على نظام آخر.

وظيفة إخفاء الحقيقة:

 يساعد في إخفاء الحقائق وتزييفها، وتقديم حقائق أخرى غير الموجودة والمتبعة من قبل أفراد معينين.

وظيفة منح الشرعية أو نزعها:

 تقوم هذه الوظيفة على إعطاء السلطة لمجموعة معينة أو انتزاع السلطة من القائمين عليها. في الحالات التي يقوم بها الخطاب بأحد الوظائف السابقة، يعتبر خطاباً سياسياً بحتاً، وإذا خلا الخطاب من إحدى هذه الوظائف لا يمكن أن يتمّ وصفه بأنه خطاب سياسي.

هناك العديد من الخصائص التي يتحلى بها الخطاب السياسي وهي:

يقوم على المدح والثناء على سياسية معينة ومتبعة في المجتمع أو المعارضة والاحتجاج والانتقاد لهذه السياسية.

  • الدفاع عن البرامج والاختبارات ذات الطابع السياسي التي يتم وضعها من قبل جهة معينة أو إيجاد برامج وطرق بديلة عن البرامج الموجودة والمتبعة.
  • قد يكون هدفه بث التفاؤل والأمل بالمستقبل، أو يعمل على إيجاد رؤية سياسية مختلفة برؤية الخطاب من قبل الأغلبية.
  • أن تتصف بنيته بالتماسك والترابط، والتي تستند على أيديولوجيا محددة.
  • اللغة المتبعة به لغة مائلة إلى صيغة الأمر.
  • اعتماده بشكل أساسي على البلاغة؛ لأنّ الهدف الأساسي منه التأثير العاطفي على المستمعين.
  • يتّصف بطوله وبتكراره للعديد من الجمل والكلمات، من أجل وصول الفكرة التي يهدف إلى إيصالها للجمهور.
  • تحليل الخطاب السياسي:

تعددت مفاهيم تحليل الخطاب وفقا لتعدد الاتجاهات والنظريات، عرَّف جورج مونان تحليل الخطاب قائلا: “كل تقنية تسعى إلى التأسيس العام والشكلي للروابط الموجودة بين الوحدات اللغوية للخطاب المنطوق أو المكتوب في مستوى أعلى من مستوى الجملة ([44]) هذا المفهوم فتح آفاقا أرحب بالتوجه إلى مستوى النص، مما يقود إلى البحث عن عناصر أخرى غير لغوية تشارك في تحليل الخطاب. وقال هاريس: “يعطي تحليل الخطاب مجموعة من المعلومات عن بنية النص أو نمط من النصوص وعن دور كل عنصر في هذه البنية فاللسانيات الوصفية لا تصف في الحقيقة إلا دور كل عنصر داخل الجملة التي تحتوي عليه، أما تحليل الخطاب_ إضافة إلى هذا_ فهو يعلمنا طريقة بناء الخطاب لإرضاء كل التخصصات تماما مثلما تؤسس اللسانيات الاستدلالات الدقيقة الخاصة بالطرق التي تبنى بها الأنظمة ذات التخصصات المختلفة” ([45])

يجد الناظر إلى مفهوم هاريس لتحليل الخطاب أنه حصره في الدائرة اللسانية ولكنه أشار إلى التخصصات الأخرى مما يفتح الباب أمام العلوم الأخرى لتسهم في عملية التحليل. يقول كوزريو: “إن علم لغة النص _ في رأيي_ ليس في الحقيقة شيئا غير المقدرة التأويلية ونظرية علم اللغة ليست شيئا غير نظرية علم التأويل (التفسير) وذلك باعتبار أن علة إنشاء هذا العلم تقوم على الحقيقة القائلة بأن الأمر يتعلق مع النص حول مستوى مستقل عما هو لغوي، لا يمكن أن يوضحه مستوى الكلام وحده ولا مستوى اللغة المنفردة ([46])

بينت المقولة أعلاه بجلاء أن علم تحليل الخطاب قد تخطى التركيز على الأداء اللغوي بمفهوم تشومسكي وكذلك تخطى الكلام بمفهوم دي سوسير، فلا يقف عند حدود وصف البنية اللغوية وحدها إذ لابد من الأخذ باستراتيجيات العمليات الأخرى المتعلقة بالإنتاج والتلقي والفهم.

ويقول صامويل باتلر: “يجب أن ندرس كل شيء في ذاته قدر الإمكان، وأن ندرسه كذلك من حيث علاقته، فإذا حاولنا النظر إليه في ذاته مطلقا بقطع النظر عن علاقاته فإننا سنجد أنفسنا شيئا فشيئا قد استنفذناه فهما ودراسة، وإذا حاولنا النظر إليه من خلال علاقاته فقط فسنكتشف أنه لا توجد زاوية في هذا الكون إلا وقد احتل مكانه فيها([47])

وعليه فإن عملية التحليل المبنية على النظرة التداولية ننظر إليها بأنها لا تطرح بديلا جديدا وإنما تمارس قراءة جامعة متأنية لأفكار وجهود مضنية بذلها العماء من أجل الجمع بينها والخروج برؤية تتفق ووظائف اللغة الإنسانية.

سادسا: لمحة عن باث الخطاب ودوافعه وانتمائه السياسي

  1. مولده ونشأته:

السيد القائد/ اللواء/ عيْدرُوس بن قاسم بن عبد العزيز الزُبيدي هو قيّادي وسيّاسي جنوبي، ولِد في عام 1967 في منطقة زُبَيْد بمحافظة الضالع، وتلقى تعليمه الابتدائي والثّانوي فيها، وانتقل إلى مدينة عدن؛ ليكّمل تعليمه الجامعي في كليّة القوى الجويّة، وتخرّج منّها برتبّة ملازم ثاني في عام 1988م. وبعد تخرجه عُين ضابطاً في الدفاع الجويّ وفي نهاية العام 1989م، تحوّل من إطار وزارة الدفاع إلى وزارة الدّاخلية، وعُين أركان كتيبة حماية السفارات والمنشآت بصنعاء.

ومن ثمّ ألتحق بالقوات الخاصّة حتى حرب صيّف 1994م، وشارك بالقتال ضمنّ عن الجنوب تحت راية جيش جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية في جبهة دوفس /أبين، وتنقل في أكثر من جبهة إلى حين سقطت العاصمة عدن، وغادر بعدها إلى دولة جيبوتي هو ومجموعه من رفقائه العسكريين في 7 يوليو عام 1994م.

بعد مرور عام من احتلال الجنوب قرر عيدروس الزُبيدي العودة إلى الضالع بشكل سري، وبدأ في التهيئة للمقاومة من خلال التنسيق واللقاء مع عدد من زملاءه العسكريين وبعد التواصل مع قيادات الخارج من أجل تطوير العمل العسكري ضد الاحتلال اليمني، وفي عام 1996م، أسس حركة حتم، (حق تقرير المصير)، التي بدأت بنشاطها بشكل سري من خلال أعمال اغتيال استهدفت رموزاً للنظام اليمني في الفترة 1997-1998م.

وفي عام 1997م أُدين بقيادة حركة حتم التي تدعو لفك الارتباط وتمت محاكمته محاكمة عسكرية وحُكم عليه بالإعدام غيابيّاً برفقة عدد من زملائه. وفي العام 2002م بدأ يشكّل ويدّرب خلاياً سرية للمقاومة وتنقل في معظم محافظات الجنوب المحتل، حتى إعلان الثورة الجنوبية السلمية، وسار على هذا النهج في إعداد رجال المقاومة التي كانت رديفًا للثورية الجنوبية السلمية.

 وفي السادس من يونيو 2011م أعلنت المقاومة الجنوبية معاودة نشاطها بعد اجتماع لها، كما تبنّت مسؤوليتها عن إعطاب آليات للجيش وإصابة ضابط وجندي وسط مدينة الضالع في الرابع عشر من يونيو 2011م.

واندلعت اشتباكات بين المقاومة الجنوبية بقيادة عيدروس الزُبيدي وقوات الجيش اليمني الموالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح في 2013م بسبب قصف الجيش اليمني بالقذائف مخيم عزاء لناشط في الحراك الجنوبي في فناء إحدى المدارس الحكومية بقرية سناح، بمديرية حجر بمحافظة الضالع.، وأسفر عن مقتل 15 شخصاً بينهم صبيان يبلغان 3 و11 عاما، وإصابة 23 شخصاً على الأقلّ.

واستمرت الاشتباكات لفترات متقطعة طوال عدّة أشهر، وفي الرابع من ديسمبر 2014م دعا القائد عيدروس الزُبيدي لاجتماع موسع في منطقة زُبيد لشائخ وأعيان الضالع واتفق معهم على الاستمرار في القتال ضد الجيش، وبعد الانقلاب العسكري على السيد هادي في صنعاء، واصل الحوثيون زحفهم نحو مدن الجنوب، وشارك الحوثيون في معارك الضالع برفقة قوات صالح.

وفي 30 مارس قتل ما لا يقلّ عن 22 شخصاً وجرح 50 باشتباكات بين الحراك والقوات الموالية للحوثيين وصالح في الضالع، وفي 1 أبريل فر العميد عبد الله ضبعان وجنوده من معسكر اللواء 33 مدرع الضالع تحت نيران المقاومة الوطنية الجنوبية، وفي الثاني من أبريل سيطر مقاتلو المقاومة الجنوبية بقيادة القائد عيدروس الزُبيدي على مدينة الضالع بشكل كامل بعد هزيمة قوات الجيش والحوثيين، وفي الخامس والعشرين من مايو 2015م تحررت الضالع بالكامل من القوات الاحتلال اليمنية بشقيها الحوثي والجيش اليمني الذي تمركز في المدنية منذ عقدين ونيف من الزمن، ومن ثم توجه القائد عيدروس بقواته إلى منطقة النخيلة في مديرية المسيمير بمحافظة لحج لقطع طريق الإمداد الرابط بين كرش ومثلث العند. ثم إلى منطقة كرش وسيطر على الجبال المطلة على الخط العام لمحاصرة وتضييق الخناق على معسكر لبوزة.

وشارك بالقتال في جبهة بلة/ردفان واقتحم قاعدة العند العسكرية الاستراتيجية برفقة عدد من القيادات العسكرية في الرابع من أغسطس 2015م. وبعد تحرير أغلب المناطق الجنوبية توجه إلى محافظة عدن والتقى بقيادات من المقاومة الجنوبية، وفي السابع والعشرون من سبتمبر 2015م.

غادر إلى العاصمة السعودية الرياض ومن ثم دولة الامارات العربية المتحدة في السابع من ديسمبر 2015م أصدر فخامة الأخ رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي قراراً جمهوريًا يقضي بتعيين اللواء عيدروس الزُبيدي محافظاً للعاصمة عدن، خلفاً للواء جعفر محمد سعد الذي اغتيل بسيارة مفخخة، وفي الوقت نفسه توّلى رفيقه في القتال اللواء شلال شائع إدارة أمن العاصمة عدن، وكانت تلك المرحلة العصيبة جدا هي بمثابة مغامرة لاسيما في ظل تزايد الهجمات الإرهابية العنيفة التي ضربت العاصمة وأوقعت مئات الضحايا أغلبهم مدنيون، فقد تعرّض القائد عيدروس الزُبيدي لأكثر من 4 محاولات اغتيال، منها 3 بعربات مفخخة، تبنّاها ما يُعرف بتنظيم الدّولة الإسلاميّة.

وكان تنظيم إخوان اليمن المتحكم في رئاسة الحكومة وكثير من مفاصل الدّولة، غير راضٍ عن تعيين الزُبيدي محافظًا لعدن، نظرًا لتاريخه الوطني الطويل وصلابة موقفه ومطالبته منذ وقت مبكر باستعادة دولة الجنوب.

 وفي منتصف مارس 2016م أطلق عملية تحرير عدن من التنظيمات الإرهابية وانطلقت من مديرية التواهي والمعلا وخور مكسر وبعد تأمينها انتقل إلى مديرية المنصورة التي اتخذتها القيادات الإرهابية مقرا لها، وبعد سلسلة من أعمال القتل والاغتيال شبه اليومي من قبل المسلحين، واستمرار المواجهات المباشرة وفي اليوم التاسع والعشرون من نفس الشهر استكملت القوات الأمنية العملية وسيطرت بالكامل على المديرية.

وقد شهدت العاصمة عدن انهياراً كاملاً في الخدمات الأساسية، ومنها انقطاع خدمة الكهرباء لفترات طويلة جداً، وعلى إثر ذلك التدهور المتسارع وصمت الحكومة اليمنية، غادر عيدروس عدن إلى الامارات العربية المتحدة في مهمة عمل وأثمرت جهوده عن دعم الإمارات لكهرباء عدن بمولّدات وتجهيزات لازمة بخمسين ميجا

واستطاع عيدروس وفي أول إنجاز من نوعه في بلد غارقاً في الفساد، من انتزاع منشأة النفط في منطقة حجيف بعد مرور أكثر من 16 عاماً من خصخصتها لمصلحة رجل الأعمال اليمني توفيق عبد الرحيم، وهذا الحراك التنموي الذي قام به محافظ عدن، لم يرق بكل تأكيد لتنظيم الإخوان الحاكم، الذي وظف الإعلام المحلي للنيل منه وعرقلة جهوده التي كان الهدف منها إعادة عدن إلى وضعها الطبيعي قبل وحدة 1990م.

فعمل الإخوان على محاولة اثارة الفوضى واغلاق مجاري مياه الصرف الصحي وقطع خطوط نقل الطاقة، وانابيب المياه، لمحاولة تأليب الشارع ضد المحافظ الذي كانت توجه له تهمة السعي لانفصال الجنوب.

على الرغم من الحملة الإعلامية والسياسية التي طالت شخص الزُبيدي، إلا إنه ظلّ محافظاً على علاقته بالسيد هادي، حيث نظّم في الأول من ديسمبر (كانون الأول) 2016م، مظاهرة حاشدة مؤيدة للرئيس عبدربه منصور هادي في ساحة العروض بعدن، نددت بخطة الأمم المتحدة للسلام في اليمن ورفضت مقترحات المبعوث الدولي لليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد.

في العاشر من سبتمبر 2016م دعا عيدروس جميع القوى السياسية والمقاومة في الجنوب إلى سرعة تشكيل كيان سياسي نداً للتيارات السياسية في شمال اليمن. وخلال مؤتمر صحفي دعا الزُبيدي السيد عبدربه منصور هادي ودول التحالف إلى دعم توجهات الجنوبيين في إعلان كيانهم السياسي في المحافظات المحررة، الذي يعبر عن تطلعاتهم ويمثلهم في الحكومة وفي أي مفاوضات سياسية مستقبلية وهو الأمر الذي أثار غضبًا إخوانيًا واسعاً، وهذا الأمر كشف خريطة التحالفات اليمنية بما فيها ميليشيات الحوثي، والتي وقفت إلى جانب التنظيم الحاكم في اليمن، حيث تبين أن لا خلاف بين هذه القوى عندما يتعلق الأمر بالجنوب.

وبعد هذه الدعوة تزايدت حدّة العنف في الجنوب وشهدت العاصمة عدن سلسلة هجمات واغتيالات طالت كوادر جنوبية بارزة، لكن هذا لم يعرقل المضي في تشكيل الكيان السيّاسي الجنوبي. وحين أدرك حكام “الرئاسة اليمنية” أن لا خيار أمامهم في مواجهة عيدروس الزُبيدي، سوى إقالته من منصب محافظ عدن، وهو ما جعل الحكام يختارون الـ27 من ابريل (نيسان) 2017م، موعداً لذلك، وهو اليوم الذي تحلّ فيه ذكرى إعلان تحالف الحرب الأوّلى على الجنوب في العام 1994م.

وفي الساعات الأوّلى ليوم الـ27 من أبريل (نيسان الأسود)، أصدر السيد عبدربه منصور هادي، قراراً أقال بموجبه كلاً من وزير الدولة هاني بن بريك، ومحافظ عدن اللواء عيدروس قاسم الزُبيدي، ومحافظ حضرموت اللواء أحمد سعيد بن بريك، ومحافظ شبوة اللواء أحمد حامد الملس، ومحافظ سقطرى اللواء سالم السقطري، واختيار التاريخ كان هدفه تقديم رسالة للجنوبيين أن “تطلب الأمر سوف نعاود شن حربًا أخرى على الجنوب والسيطرة عليه، مذكرين بتلك الحرب التي انتهت بهزيمة القوات الجنوبية، واحتلال القوات اليمنية الشمالية لكافة مدن الجنوب.

ولم يعلّق الزُبيدي على قرار إقالته، بل مضى في تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أعلن عن تأسيسه عقب تفويض شعبي واسع شهدته العاصمة عدن يوم الـ4 من مايو (آيار) 2017م، والذي عرف بإعلان عدن التأريخي، والذي أعقبه تشكيل قيادة سياسية للجنوب، بزعامة السيد عيدروس قاسم الزُبيدي وعضوية 26 عضواً مثلوا محافظات الجنوب، وفي يوم الـ11 من نفس الشهر، وهو اليوم الذي شهد ميلاد المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي اكتسب زخمًا سياسيًا كبيرًا على المستويين الإقليمي والدولي، واعترضت أطراف إقليمية، أبرزها “قطر وإيران وتركيا”، واذرع محلية في اليمن كالحوثيين والإخوان، والذين رأوا في المجلس إنه عبارة عن “حكومة انفصالية”، يجب مقاومتها.

 شارك في اتفاقية ومشاورات الرياض في سيبل توحيد الجهود العسكرية لمواجهة المليشيات الإيرانية، اختير عضوا في مجلس الرئاسة المؤق في مجلس القيادة الرئاسي المؤقت في 7 أبريل 2022.

الفصل الثالث:

الإطار النظري للتحليل التداوليّ للخطاب

الاشاريات، مفهومها أنواعها

الأفعال الانجازية، تعريفها أنواعها

السياق، مفهومه وأنواعه

المبحث الأول:

الاشاريات، مفهومها أنواعها

يقوم البحث التداولي على عدة مفاهيم لدراسة الظواهر اللغوية ومن بين هذه المفـاهيم توجد الإشاريات، وهي علامات لغوية لا يتحدد مرجعها إلا في سياق الخطاب التداولي، لأنها خالية من أي معنى فـي ذاتها، فبالرغم من ارتباطها بمرجع، إلا أنه مرجع غير ثابت.

ولعل من أبرز أبحاث التداولية “الإشاريات” Deictics–تداولية من الدرجة الأولى- كونها مبحثا يتأسس على علاقات عناصرها بمرجعياته اللغوية و السياقية، فالألفاظ الإشارية تحمل عدة دلالات إشارية في سياق التداول بمختلف تقسيمات التداولية (الشخصية، الزمكانية، والاجتماعية والخطابية )، والتي تشتغل جميعها في تشكل الخطاب، ﻭﻫﻲ ﻋﻼﻤﺎﺕ ﻟﻐﻭﻴﺔ ﻻ ﻴﺘﺤﺩﺩ ﻤﺭﺠﻌﻬﺎ ﺇﻻ ﻓﻲ ﺴﻴﺎﻕ ﺍﻟﺨﻁﺎﺏ ﺍﻟﺘﺩﺍﻭﻟﻲ، ﻷﻨﻬﺎ ﺨﺎﻟﻴﺔ ﻤﻥ ﺃﻱ ﻤﻌﻨﻰ ﻓـﻲ ﺫﺍﺘﻬﺎ، ﻓﺒﺎﻟﺭﻏﻡ ﻤﻥ ﺍﺭﺘﺒﺎﻁﻬﺎ ﺒﻤﺭﺠﻊ، ﺇﻻ ﺃﻨﻪ ﻤﺭﺠﻊ ﻏﻴﺭ ﺜﺎﺒﺕ، ﻭﻴﺭﻯ ﺍﻟﺒﺎﺤﺜﻭﻥ ﻓﻲ ﻤﺠﺎل ﺍﻟﺘﺩﺍﻭﻟﻴﺎﺕ ﺃﻥ ﺩﻭﺭﻫﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻴﺎﻕ ﺍﻟﺘﺩﺍﻭﻟﻲ ﻻ ﻴﻘﻑ ﻋﻨﺩ ﺍﻟﻅﺎﻫﺭ ﻤﻨﻬﺎ ﺒل ﻴﺘﺠﺎﻭﺯ ﺇﻟﻰ ﻨﻤﻁ ﺁﺨﺭ ﻤﻨﻬﺎ ﻫﻭ ﻤﺴﺘﻘﺭ ﻓﻲ ﺒﻨﻴﺔ ﺍﻟﺨﻁﺎﺏ ﺍﻟﻌﻤﻴﻘﺔ ﻋﻨﺩ ﺍﻟـﺘﻠﻔﻅ.

أولا: مفهوم الاشاريات 

هي” العلامات اللغوية التي لا يتحدد مرجعها إلا في سياق الخطاب التي وردت فيه مبهمات أو متحولات، ورغم أن ألنها خالية من أي معنى في ذاتها. لذلك سميت كل أن الكلمات في اللغة تحيل على مدلول معين، الإشاريات تتواجد في المعجم الذهني للمتكلمين بال لغة دون ارتباطها بمدلول معين[48]

والتعبير الإشاري: التعبير الإشاري مصطلح استعمله بار هيليل، وهو يقابل الوحدة الإشارية عند بيرس، وهو مصطلح يطلق على الصيغ اللغوية التي تستعمل للقيام بالإشارة بوساطة اللغة، وتسمى الإشاريات [49]، مثل أسماء الإشارة، وأسماء الموصول والضمائر، وظروف الزمان والمكان من العلامات اللغوية التي لا يتحدد مرجعها إلا في سياق الخطاب، لأنها خالية من أي معنى في ذاتها، لذلك فقد كان ، التي تعد عاملا هاما في تكوين بنية الخطاب، لذلك فقد كان العرب سابقا يطلقون عليها المبهمات[50] أيضا؛ لأنها خاليةمن أي معنى في ذاتها. والإشاريات جميعها تلتقي في مفهوم التعيين وتوجيه الانتباه إلى موضوعها بالإشارة إليه[51]، ولذلك سميت بالمعيِّنات، وهي جمع لكلمة مفردة هي (المعيِّن)[52]. ويرى الباحثون في مجال التداوليات أن دورها في السياق التداولي لا يقف عند الظاهر منها بل يتجاوز إلى نمط آخر منها هو مستقر في بنية الخطاب العميقة عند الـتلفظ، ممـا يعطيها دور تداولي في استراتيجية الخطاب، لأن حدوث التلفظ من ذات المتكلم يكون بسـمات معينـة وفـي حيـزين مكاني-زماني وبهذا فإن الخطاب بصفة عامة يحوي على الأقل ثلاثة إشاريات يسميها البـاحثون بالأنـا، الهنـا، الآن.

ثانيا: أهمية الاشاريات

تمتلك الإشاريات دورًا أساسيًا في العملية التداولية للخطاب، حيث تُعتبر وسيلة هامة لتحقيق التبليغ والتواصل. الإشاريات، مثل الضمائر وأدوات الإشارة، تحمل في الأصل وظيفة دلالية تتمثل في الإحالة إلى مرجع معين، سواء كان شخصًا، مكانًا، أو زمانًا. ومع ذلك، فإن دورها لا يقتصر على ذلك، بل يتجاوز البعد الدلالي إلى أفق تداولي أوسع، حيث ترتبط ارتباطًا مباشرًا بقصد المتكلم وسياق الخطاب.

في هذا السياق، تتحول الإشاريات من مجرد وسيلة للدلالة على المرجع إلى أداة تعكس نوايا المتكلم وغاياته التبليغية. فعلى سبيل المثال، يمكن لاستخدام الضمائر في سياق اجتماعي معين أن ينقل دلالات خفية تتعلق بالعلاقة بين المتكلم والمخاطب، أو يُبرز جانبًا معينًا من هوية المتكلم. بذلك، تصبح الإشاريات أدوات مرنة تُطوَّع لتحقيق الوظائف الرمزية التي تضمن فعالية الخطاب.

ولتوضيح هذه الفكرة، لا بد من تحديد المرجع الذي تحيل عليه الإشاريات في كل سياق على حدة، مع تحليل الدور الذي تلعبه في بناء المعنى وتحقيق التفاعل بين المتكلم والمستمع. فالإشاريات لا تعمل بمعزل عن باقي عناصر الخطاب، بل تتكامل معها لضمان انسجام العملية التواصلية وفعاليتها.[53]

من هذا المنطلق، يمكن القول إن الإشاريات ليست مجرد عناصر لغوية جامدة، بل هي “خدم للغة” تُسخَّر لتحقيق أهداف المتكلم التداولية. هذه الأدوات اللغوية تتكيف مع السياقات المختلفة، مما يجعلها عنصرًا جوهريًا في تحقيق التفاهم بين الأطراف وإبراز الأبعاد الاجتماعية والنفسية للخطاب.

تلعب الإشاريات دورًا جوهريًا في اندماج المخاطَب ضمن الواقع الموضوعي والاجتماعي، مما يبرز حضوره في الزمان والمكان تحت شعار نحن، الآن، هنا. يُعد هذا الشعار تجسيدًا للمستوى الأول من مستويات التداولية، أو ما يُعرف بتداولية من الدرجة الأولى.

وفقًا لما يطرحه “موريس” (Morris)، تركز التداولية على دراسة العناصر الإشارية مثل الضمائر، الزمان، المكان، والمقام الذي يحدث فيه التواصل. هذه الدراسة تهدف إلى فهم كيفية تفاعل هذه العناصر مع السياق الاجتماعي والتلفظي، مما يعزز من فعالية الخطاب ويُظهر الغايات التداولية للمتكلم[54].

وقد أُشير إلى الأهمية البالغة للتلفظات الإشارية في الحياة اليومية. إذ لوحظ أن أكثر من 90% من التلفظات التي ننطقها يوميًا هي تلفظات إشارية تعتمد بشكل أساسي على السياق التلفظي الذي ترد فيه. هذا الاعتماد يُبرز أن الإشاريات ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي أدوات لغوية ديناميكية تُستخدم لتأطير الواقع وتحديد العلاقة بين المتكلم والمخاطب، بالإضافة إلى توضيح أبعاد الزمان والمكان.

بالتالي، يمكن القول إن الإشاريات تُعَدّ حجر الأساس في بناء الخطاب التواصلي. فهي لا تُحدد فقط المعاني المباشرة للكلمات، بل تتفاعل أيضًا مع السياق الاجتماعي والثقافي لتُظهر القصد التداولي للمتكلم، مما يجعلها عنصرًا أساسيًا في تحقيق الأهداف التبليغية.

ثالثا: انواع الإشاريات :

يتفق أغلب الباحثين في مجال التداوليات على أن الإشاريات خمسة أنواع: شخصية، وزمنية، ومكانية، وخطابية، كما اقتصر بعضهم على ثلاثة دون الاجتماعية والخطابية، والبعض الآخـر علـى أربعتهـا دون الخطابية، وسوف نفصل القول في أنواعها الخمسة:

الإشاريات الشخصية :deictick personal وتتمثل في الضمائر الدالة على المتكلم وحده مثل أنا أو المتكلم ومعه غيره مثل نحن، وكذلك الضمائر الدالة على المخاطب مفردا أو مثنى أو جمعا مذكرا أو مؤنثا ،فضمائر الحاضـر هـي دائما عناصر إشارية لأن مرجعها يعتمد اعتمادا تاما على السياق الذي تستخدم فيه. ويعد التعبير عن الذاتية في اللغة أهم دور تقوم به الضمائر من المنظور التداولي لأنها تمنح الشخص القدرة على امتلاك ناصية الحديث.

ويرى إميل بنفييست Benveniste .E أن اللغة تمنح إمكان التعبير عن الذاتية، من خلال قدرة المتكلم على فرض نفسه “ذاتيا”… وهذه الذاتية أنها تتحدد لا عبر الإحساس، بحيث أنها تحتوي دائما أشكالا لسانية تناسب التعبير عنها…، إن الوعي بالذات والتعبير عنها لا يكون إلا عندما أتوجه إلى شخص ما يكون “أنت” في خطابي، لأنه بدوره شرط يستلزم التبادل إذ أصبح “أنا” “أنت” في خطاب من يصبح بدوره “أنا” في خطابه. ذا المعنى افترض وجود شخص آخر خارج عني هو “أنت” وهذا ما يسمى “تقاطب الضمائر”، فالتلفظ بـ “أنا” يجعله قطبا، ومن المفترض أن يقابله قطب آخر هو “أنت.[55]

والإشاريات الشخصية الدالة على الحضور: وتتمثل في ضمائر المتكلم والعلة في تسميتها بضمائر الحضور وجود صاحبها وقت الكلام «والحضور قد يكون حضور متكلم كأنا، ونحن، وقد يكون حضور خطاب كأنت وفروعها، أو حضور وهذا الحضور يمكن أن يكون فعليا، أي أن المتكلم والمخاطب حاضران في سياق الموقف، أو أن المتكلم يقوم باستحضار المخاطب وقت الكلام فيخاطبه وكأنه أمامه، ولهذا أصبحت ضمائر حضور، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ضمائر المتكلم والمخاطب وأسماء الإشارة. وبالرغم من وجود مراجع خارجية للضمائر إلا أنها غير ثابتة، لذلك يعتمد على السياق في تحديدها، خاصة ضمائر المتكلم والمخاطب، لأن ضمير المتكلم والمخاطب بطبعهما لا يحيلان إلى مذكور[56].

الإشاريات الزمانية  : deictics temporal وهي الملفوظات التي تدل على زمان يحدده السياق، وذلك بالقياس إلى زمان التلفظ الذي هـو مركـز الإشـارة الزمانية في القول، وتمكن قيمة التداولية أنه بدون تحديد زمن التكلم يلتبس الأمر على المتلقي ويصعب عليه الفهم، ذلك أن المرجع في الزمان يختلف حسب الحامل الدلالي، فقد يشير إلى الزمان الكوني الذي يشمل السنين والأشهر والأيـام، أو يشير إلى الزمن النحوي الذي يتحدد معناه من الكلمة في حالتها التركيبية ونخص بالذكر هنا فعل “كان” الذي لا يتضـح إلا بالإشارة إليه بعينه بالقياس إلى زمان التكلم.

وهي كل صيغة لفظية تشير إلى زمن معين يحدده السياق، قياسا على زمن التكلم الذي يشكل مركز الإشارة الزمانية في الكلام، فإن لم يُعرف هذا الزمن، أي زمن التكلم، التبس الأمر على المتلقي وتعسّر الفهم والتواصل[57]

ومن هذه الصيغ الإشارية ( الآن، أمس، غدا، الأسبوع الماضي، يوم ، شهر، سنة،…إلخ )، و(قبل، بعد) المقترنتان بالفعل. فهذه الصيغ الإشارية لا يفهم معناها إلا بالإشارة إلى زمن معين، قياسا إلى زمن التكلم أو مركز الإشارة الزمانية. ولأجل تحديد مرجع الإشاريات الزمانية، وفهم الخطاب فهما صحيحا، ونجاح عملية التواصل ينبغي أن يدرك المتلقي زمن التكلم، فيتخذه مرجعا يحيل عليه، ، لأن الإشاريات الزمانية تعمل على تأطير عملية التواصل داخل نطاقها الزمني، وتعبّر عن اندماج المتكلم والمخاطب معا داخل الزمن النصي والتلفظي والتواصلي [58]

الاشاريات المكانية: deictics spatial وهي التي تحيل على أماكن يكون استعمالها وتفسيرها يعتمد على معرفة المتكلم وقت التلفظ أو على مكان آخـر معروف للمخاطب أو المتلقي، ولتحديده يستلزم معرفة العنصر الإشاري من جملة القرب أو الوجهة ثم الوقوف على ما تشير إليه بالقياس إلى مركز الإشارة للمكان، أي السياق المادي الذي قيلت فيه.

والاشاريات المكانية هي صيغ إشارية تشير إلى أماكن معينة، ويتوقف عليها تحديد ” الإطار المكاني الذي تجري فيه عملية التواصل والتلفظ، وتواجد [كذا] كل من المتكلم والمخاطب. وهذه الصيغ هي أسماء الإشارة وظروف المكان التي تشير إلى مكان قريب أو بعيد عن مكان المتكلم أو مركز الإشارة المكانية [59]، بوصفها نقطة يشكل كلام المتكلم مركزها. فمن الصعب جدا أن يُفهم معنى (هذا أو هذه أوهنا أو هنالك أو يمينا أو شمالا) مثلا، ما لم يُعرف مكان المتكلم في وقت التلفظ، أو ما يسمى بالمركز الإشاري للمكان [60].

الإشاريات الاجتماعية: deictics social وتشمل الملفوظات التي تشير إلى العلاقة الاجتماعية بين المتخاطبين، من حيث هي علاقة رسمية وتشمل صـيغ التبجيل لأصحاب المنزلة والمقام العالي، وغير رسمية وتشمل التحيات وما يتصل بالجانب الحميمي.

المبحث الثاني

الأفعال الكلامية

انبثقت نظرية افعال الكلام من رحم التداولية التي انبثقت هي الاخرى من رحم الفلسفة التحليلية ، وبالذات فلسفة اللغة العادية لـ( فتجنشتاين )، بعد التحول الكبير الذي شهدته اللسانيات الحديثة في مجال اللغة او الفلسفة الصورية بالمعنى البنيوي الضيق الى عالم ارحب وفضاء اوسع  شمل اللغة واحوال استعمالها وسياقاتها المقامية المتعددة بحسب أحوال متكلميها ومخاطبيها([61])

ولم تكتف التداولية بهذا بل راحت تمد جسور الصلة والترابط بين معارف عدة خارج عالم اللغة فترابطت مع الادراك عن طريق مباحث علم النفس المعرفي وتلاقحت مع علم التواصل في دراستها الوجوه الاستدلالية للتواصل الشفوي([62]) .

لقد ربط الاتجاه التداولي البلاغة الجديدة بأفعال الكلام تقريراً وإنجازا، فالنص الأدبي ليس مجرد خطاب لتبادل الأخبار والأقوال والأحاديث بل يهدف إلى تغيير وضع المتلقي عبر مجموعة من الأقوال والأفعال الإنجازية، وتغيير نظام معتقداته، أو تغيير موقفه السلوكي من خلال ثنائية: افعل ولا تفعل.

تعد اللغة في مجمل مفاهيمها الاتصالية منظومة من الاستعمالات وفق إنتاج المتكلم وهو ما ينعت بـ (القصدية) وتشمل (الحالات الشعورية، الاعتقادات، الرغبات المقاصد الإدراكات وكذلك ضروب الحب والكره والمخاوف والآمال…  [63]وعليه يرى التداوليون مفهوما أوسع للفعل أثناء الخطاب، يعبر عن كل هذه المقاصد التي يحملها الخطاب.

ويعد رائد هذه النظرية الفيلسوف الانكليزي جون اوستن – احد ابرز فلاسفة مدرسة اكسفورد – الذي نظّر لها في محاضراته التي القاها في جامعة هارفرد عام ( 1955)، وقد جمعت في كتاب بعنوان ( كيف ننجز الاشياء بالكلمات ) . واول منطلق انطلق منه اوستن للتأسيس لنظريته تفنيده للزعم الذي عاش طويلا في اذهان الفلاسفة والمناطقة حول وظيفة اللغة التي لاتعدو الوصف للواقع ليس إلاّ ، فتخضع على اثر ذلك لمعيار الصدق والكذب.[64]

ويعني هذا أن الخطاب أو النص الأدبي عبارة عن أفعال كلامية تتجاوز الأقوال والملفوظات إلى الفعل الإنجازي والتأثير الذي يتركه ذلك الإنجاز وذلك في مفهوم التداوليات التحليلية التي ظهرت في سنوات الخمسين من القرن العشرين مع ( أو ستن) كما في كتابه (نظرية افعال الكلام) و ( سورل) في كتابه ( أفعال اللغة).

الفعل الكلامي عند “أوستين “Austin”

هو التصرف أو العمل الاجتماعي، أو المؤسساتي الذي ينجزه الإنسان بالكلام، كالأمر والنهي وغيرها، والتي تعد أغراضا تواصلية ترمي إلى صناعة أفعال أو مواقف اجتماعية أو فردية بالكلمات والتأثير في المخاطب بحمله على فعل أو تركه، وبالتالي فاللغة ليست أداة للتواصل عند أصحاب المدرسة الوظيفية ولا رموزا للفكر عند أصحاب المدرسة التوليدية؛ بل هي أداة لتغيير العالم وصنع أحداثه والتغيير فيه.

فقد سعى اوستن ليبرهن على أن الوصف ليس هو الوظيفة الاساس للغة، بل أن الوظيفة الاساس للغة هي فعلها التأثيري ودورها الانجازي في الواقع الخارجي – مع ايمانه بأن جزءاً من اللغة قد يكون وصفيا –  ، ومن هنا صار (( النطق بالجملة هو إنجاز لفعل أو إنشاء لجزء منه)[65] . وقد لخص مؤدى نظريته بقوله ((ان قول شيء ما على وجه مخصوص هو أداؤه وإنجازه، وبعبارة اخرى ان التكلم بكلام على وجه دون وجه هو ان نفعل شيئا ً ما[66]

وهذا يعني (( ان وظيفة اللغة الاساسية ليست ايصال المعلومات والتعبير عن الافكار فحسب  وإنما هي مؤسسة تتكفل بتحويل الاقوال التي تصدر ضمن معطيات سياقية الى افعال ذات صبغة اجتماعية لها قوة انجازية  تأثيرية قادرة على تغيير الواقع[67] .

وقد قسم اوستن افعال الكلام قسمين: أفعال تقريرية / اخبارية ، وأفعال انشائية  ، فالقسم الاول هو الذي يصف ويخبر عن الواقع الخارجي فيحتمل الصدق والكذب ، وأما الثاني فهو الذي يحقق الاثر او الفعل الانجازي ، وينقسم هو الاخر قسمين : فعل انشائي مباشر /صريح ، وفعل انشائي غير مباشر / مضمر . وقد نبّه الى مسألة مهمة في الافعال التقريرية  عبّر عنها ب( المغالطة الوصفية ) وهو ان جزءا من هذه الافعال قد يرد في صيغة الوصف او الاخبار ولكنها تحمل في طياتها انجازا وفعلا انشائيا يراد تحقيقه ، كأن تقول : أوصي بنصف أموالي الى الفقراء ، أو يقول رجل لامرأته : أنت طالق ، وقد اشار الى هذا المعنى بقوله (( ومن جهة نظر تطور اللغة نستنتج ان تكون العبارة الانشائية متأخرة في ظهورها وتقدمها عن بعض العبارات الابتدائية الاولية في التركيب اذ كثير من هذه العبارات كان الانشاء فيه موجودا على وجه التضمن أو موجودا بالقوة ( في التعبير الارسطي )[68].

ويميز (اوستين) بي الجمل الخبرية والانجازية وتتنوع هذه الاقوال الإنجازية الى اقوال ظاهرة واقوال مضمرة، فالأقوال الانجازية: الأفعال الإنجازية أو الإنشائية(Acte Performatif): وهي الأقوال أو الأفعال الأدائية  التي ترهن بضمان النجاح الذي يحققه الفعل الذي تسميه أي انجاز،إلا أنه أعاد ترتيب أفعال الكلام من منظور التوفيق، و عدم التوفيق[69] قد تكون لها قوة حرفية مثل: الاستفهام التمني، الأمر …

قد تكون لها قوة حوارية سياقية مثل: الالتماس الارشاد، التهديد، التحسّر.. وبعد التقسيم وجّه نظره صوب “الفعل الكلامي ” وطبيعة تكوينه، فرأى ان الفعل الكلامي ينقسم على ثلاثة انواع:-

  • فعل القول.
  • الفعل المتضمن في القول.
  • الفعل الناتج عن القول.                                                                                                            

والفعل المتضمن في القول قد لا يدل على (دلالته المباشرة) بل يفيد معنى إنجازياً آخر (غير مباشر) يحدده سياق القول. بتعبير آخر: للجملة الواحدة ثلاثة مستويات: –

  • محتواها القضوي: وهو مجموع معاني مفرداتها.
  • القوة الانجازية الحرفية: وهي قوة مدركة مقالياً.
  • القوة الانجازية المستلزمة: وهي التي تدرك مقامياً.

وهذا يعني ان ( اوستين) يربط الاقوال بالأفعال والمقال بالمقام فعندما نقول كلاماً أننا ننجز فعلاً،  فهو ما يريد المتكلم من المخاطب انجازه ، اي القصد الذي يضمنه المتكلم لفعله القولي /اللفظي ، والغاية التي يبتغي توجيه المخاطب نحوها ، وأما ” فعل التأثير” فهو ذلك الاثر الذي يحصل لدى المخاطب – بسبب فعل الانجاز- فيدعوه للعمل بما اراد المتكلم[70]

الفعل الكلامي عند “سيرل                                   (searle)

وجاء الفيلسوف( جون سيرل ) فسار على خطى استاذه ( اوستن ) محاولا تطوير نظرية افعال الكلام وإعادة النظر فيها وسع ” جون سيرل” نظرية أستاذه “أوستين” فطوّر نظرية أفعال الكلام وأضاف إلى ما جاء به “أوستين” أفكارا هامة، حيث أنه صنف الأفعال الكلامية إلى أفعال مباشرة وأفعال غير مباشرة، أما الأولى فهي التي تكون فيها علامات الفعل المقصود في القول نفسه[71]، في حين أن الأفعال غير المباشرة تحتاج إلى تأويل لإظهار نيتها أو قصدها، ومن خلال محورين متكاملين ، الأول خصصه لتحليل شروط نجاح الفعل الكلامي، والآخر مداره حول اقتراح نمذجة عامة لأفعال الكلام [72]

فيما يتعلق بالمحور الاول فقد صب جهده على تقسيم اوستن الثلاثي للفعل الكلامي، وبالذات ” فعل الانجاز ” بوصفه لب النظرية وعمودها الاساس، فرأى ان هذا الفعل يتركب من مضمونين اثنين ، أو يتشكّل من عنصرين هما ” المحتوى القضوي” و”القوة الانجازية “

فالمحتوى القضوي ” هو مايريده المتكلم من اللفظ ( قصدية الكلام ) ، و” القوة الانجازية”  ما يوظفه من قول يدعّم ما يريد ،(( فأن اقول ” اعدك بالزيارة عما قريب ” يتضمن محتوى قضويا متمثلا في ” سأزورك عما قريب ” ، وقوة انجازية متمثلة في  ” أعدك ”  [73]  ، فالزيارة هي المحتوى القضوي ، والوعد بها هو قوة انجازها .

ولم يكتف سيرل بهذا بل حدد شروطاً سبعة تحكم ” الفعل الانجازي ” وكفيلة بنجاح عمله، وهي – اجمالاً- : ( الشروط الاولية ، والشروط التحضيرية ، وشروط الغاية ، وشروط المواضعة ، وشروط القصد ، وشروط المحتوى القضوي ، وشروط الوفاء او الإخلاص).

أما  المحتوى الثاني في تطوير نظرية افعال الكلام عند سيرل فيتمثل في وضعه تصنيفا جديدا للأفعال مغايرا لتصنيف اوستن ، ويضم خمسة اصناف ايضا هي ([74]:

  1. الافعال التمريرية الاثباتية  / الاثباتيات 
  2. الافعال التمريرية التوجيهية / التوجيهيات
  3. الافعال التمريرية الالزامية  / الإلزاميات
  4. الافعال التمريرية التعبيرية / التعبيريات
  5. الافعال التمريرية التصريحية / التصريحات

وانطلاقا من تحديد معاني الكلام “فان ديك” أن أفعال الكلام هي ” وغني عن القول أن تحليلا سليماً ألفعال الكلام هو الغرض السيد للتداولية فيقول: الغرض السيدي للتداولية) أفعال الكلام (ألنه يمكن أن يتم بغير فهم مسبق لمعنى الفعل التصرف .[75]

المبحث الثالث:

نظرية السياق: مفهومها وسياقاتها وأهميتها

أولاً: مفهوم نظرية السياق

إن نظام اللغة نظام متشابك العلاقات بين وحداته، ومفتوح دوماً على التجديد والتغيير في بنياته المعجمية والتركيبية، حتى غدا تحديد دلالة الكلمة يحتاج إلى تحديد مجموع السياقات التي ترد فيها، وهذا ما نادت به النظرية السياقية التي نفت عن الصيغة اللغوية دلالتها المعجمية، يقول مارتيني: “خارج السياق لا تتوفر الكلمة على المعنى”([76]). ويعدُّ منهج النظرية السياقية من المناهج الأكثر موضوعية ومقاربة  للدلالة، ذلك أنه يقدم نموذجًا فعليًا لتحديد دلالة الصيغ اللغوية، وقد تبنّى كثير من علماء اللغة هذا المنهج منهم العالم (وتغنشتين) الذي صرح قائلًا: “لا تفتش عن معنى الكلمة وإنما عن الطريقة التي تستعمل فيها”([77])، إن هذه الطريقة التي تستعمل فيها الكلمة هي التي تصنف دلالة هذه الكلمة ضمن الدلالة السيدية أو القيم الحافة التي تتحدد معها الصور الأسلوبية، لأن السياق يحمل حقائق إضافية تشارك الدلالة المعجمية للكلمة في تحديد الدلالة العامة التي قصدها الباث، يقول ستيفن أولمن: ” السياق  وحده هو الذي يوضح لنا ما إذا كانت الكلمة ينبغي أن تؤخذ على أنها تعبير موضوعي صرف أو أنها  قصد بها أساساً؛ التعبير عن العواطف والانفعالات”([78]).

إن العديد من الملفوظات لا يمكن تحديد معناها بدقة إلا بمعرفة سياقها الذي وردت فيه، فعادة ما يسأل شخص عن معنى كلمة فيضطر إلى التساؤل عن سياقها الذي وردت فيه

تعريف الاصطلاحي للسياق:

هو بناء نصي كامل من فِقرات مترابطة، في علاقته بأي جزء من أجزائه أو تلك الأجزاء التي تسبق أو تتلو مباشرة فقرة أو كلمة معينة. ودائماً ما يكون سياقُ مجموعة من الكلمات وثيقَ الترابط بحيث يلقي ضوءاً لا على معاني الكلمات المفردة فحسب بل على معنى وغاية الفقرة بأكملها([79]) 

وقد عرفت مدرسة لندن بما سمي بالمنهج السياقي أو المنهج العملي. وكان رائدُ هذا الاتجاه هو ” فيرث ” الذي وضع تأكيدًا كبيراً على الوظيفة الاجتماعية للغة، وتأتي معنى الكلمة عند أصحاب نظرية السياق هو ( استعمالها في اللغة) ، أو “الطريقة التي تستعمل بها” أو “الدور الذي تؤديه”[80]. فالقرائن اللغوية التي يستعملها المتكلم في سياق كلامه كعلامات هادية إلى المعنى المراد، إن لم تصحبها معرفة بالمتكلم المنشئ للخطاب ، وبالمستمع الموجه إليه الخطاب ، وبالظروف الاجتماعية المحيطة بالخطاب، وبيئة الخطاب، فحينئذ لا يمكن معرفة المراد بالتحديد من الخطاب؛ لأن المعنى ” كلّ مركّب من مجموعة من الوظائف اللغوية، بالإضافة إلى سياق الحال غير اللغوي … ويشمل سياق الحال عناصر كثيرة تتصل بالمتكلم والمخاطب والظروف الملابسة والبيئة([81]).

ونظرية السياق تُعد من النظريات الأساسية في تحليل الخطاب، وهي تعنى بدراسة كيف يؤثر السياق المحيط في فهم وتفسير المعنى. تُعرَّف السياق على أنه مجموعة الظروف والبيئات التي يتم فيها إنتاج الخطاب، والتي تؤثر بشكل كبير على كيفية استقباله وتفسيره من قبل الجمهور.

وإن السياق ليس مجرد بيئة مكانية وزمانية، بل يتضمن أيضاً العوامل الاجتماعية، الثقافية، النفسية، والسياسية التي تشكل الفضاء الذي يتم فيه التفاعل اللغوي.

ثانيًا: السياقات المختلفة في نظرية السياق

يميز الباحث الأمريكي روبرت دي بوجراندRobert De-beagrande بين مصطلحين هما: «Context» وهو ما يتعلّق بالدّلالات الخارجية، وإنتاج النّصوص واستقبالها، وهو ما يعرف بالسّياق غير اللّغوي، ومصطلح «Co-text» ويشتمل على مكوّنات قواعدية ونحوية ودلالات داخلية، وصرف وأصوات، وهو ما يعرف بالسياق اللّغوي([82]).

وتعد جهود الأنتربولوجي البولندي برونسلاومالينوفسكي(1884-1942) BronislawMalinowski البداية الحقيقية لفكرة سياق الموقف([83])؛ لقد استطاع  من خلال شرحه لنظرية سياق الموقف أن يوسّع من التّعريف التّقليدي للّغة، فلم تعد مجرّد وسيلة من وسائل توصيل الأفكار والانفعالات بل رأى أنّ “اللّغة كما يمارسها المتكلّمون في أيّ جماعة من الجماعات، إنّما هي نوع من السّلوك، ضرب من العمل، إنّها تؤدّي وظائف كثيرة غير التّوصيل”([84]).

ويرى مالينوفسكي أنّنا لا نستطيع شرح اللّغة، وتوضيح معاني مفرداتها إلّا بالاستعانة بالمحيط الواسع، بكلّ ما يحتويه من ظروف تتم فيها العملية التّواصلية، فالجملة لا تكون ذات معنى – حسب زعمه – إلّا إذا تمّ تسييقها في سياقات فعلية معيّنة ثمّ جاء فيرث وربط سياق الموقف بالعناصر التّالية:

شخصيتا المتكلّم والسّامع، وتكوينهما الثّقافي وشخصيات من يشهد الكلام، ومدى مشاركتهم في الموقف الكلامي.

العوامل والظّواهر الاجتماعية ذات العلاقة باللّغة، وبالسلوك اللّغوي كحالة الجو والوضع التّخابري، ومكان الكلام.

أثر الحدث الكلامي في المشتركين، مثل: الإقناع أو الإغراء أو الضّحك([85]).

إنّه كلّما توفّر أكبر قدر من تلك المعلومات، كانت حظوظ المتلقي كبيرة لفهم الخطاب وتأويل معانيه على الوجه الصحيح “إذ هناك بعض الحدود اللّغوية الّتي تتطلّب معلومات سياقية أثناء التّأويل، ومن هذه الحدود؛ المعيّنات مثل: هنا، الآن، أنا، أنت هذا، ذاك، … من الضّروري أن نعرف على الأقل من هو المتكلّم، ومن هو المستمع وزمان ومكان إنتاج الخطاب”([86]).

وهناك تفريعات لما سمّاه فيرث سياق الحال أو الموقف، من ذلك السّياق العاطفي Emotionalcontext ([87])، هو الذي يحدد طبيعة استعمال الكلمة بين دلالتها الموضوعية – التي تفيد العموم – ودلالتها العاطفية – التي تفيد الخصوص- فيحدد درجة القوة والضعف في الانفعال، مما يقتضي تأكيداً أو مبالغةً أو اعتدالاً. كما تكون طريقة الأداء الصوتية كافية لشحن المفردات بالكثير من المعاني الانفعالية والعاطفية؛ كأن تُنطَق وكأنها تمثِّل معناها تمثيلاً حقيقياً. ولا يخفى ما للإشارات المصاحبة للكلام في هذا الصدد من أهمية في إبراز المعاني الانفعالية.

وسياق الموقف الثّقافي Context of situation وهو الظروف الخارجية المحيطة بالحدث اللّغوي، وهو ما يسميه البلاغيون العرب المقام، لكلّ مقام مقال([88])، فهو يشتمل على الثّقافات الّتي تتميّز بها المجتمعات عن بعضها البعض، بما في ذلك تاريخ المجتمع وأفكاره وتقاليد شعوبه وقيّمها الأخلاقية والجمالية حيث يشمل على القيم والمعتقدات والرموز الثقافية التي يحملها المتحدثون والجمهور، وكذلك التقاليد والعادات التي توجه عملية التواصل، وينفرد هذا السياق بدور مستقل عن سياق الموقف الذي يُقصد به عادة المقام من خلال المعطيات الاجتماعية. لكنَّ هذا لا ينفي دخولَ السياق الثقافي ضمن معطيات المقام عموماً. ويظهر السياق الثقافي في استعمال كلمات معينة في مستوى لغوي محدّد.

والسياق التاريخي يشمل الوقت والمكان اللذان يتم فيهما الخطاب. الوقت يمكن أن يشمل اللحظة التاريخية أو الوقت الفعلي الذي يُقال فيه الخطاب. المكان يشير إلى البيئة المكانية أو المنصة التي يُقدم عليها الخطاب يتضمن الأحداث أو المواقف التاريخية التي شكلت خلفية الخطاب. هذه الخلفية قد تشمل الحروب، الأزمات الاقتصادية، التحولات السياسية، إلخ.

والسياق الاجتماعي:

والسياق النفسي:

إن اعتبار الخطاب فعالًا ، وأن الفعل اللغوي قصد مشروط يؤدي إلى دمج الحالات الذهنية والنفسية، فتصبح المقاصد والرغبات مسؤولة عن برنامج الفعل والتفاعل وهو  محط الاهتمام النفسي[89].

ثالثًا: أهمية نظرية السياق في تحليل الخطاب

تفسير المعنى بدقة بدون النظر في السياقات المحيطة بالخطاب، قد يصبح فهم المعنى محدودًا أو مشوهًا. السياق يوفر البعد الذي من خلاله يمكن للمعاني أن تنكشف بوضوح

فهم النية والهدف، يعرف المحللون أن الهدف من الخطاب ليس فقط نقل المعلومات، بل أيضًا التأثير على المستمعين. معرفة السياق يمكن أن يكشف عن نية المتحدث: هل الهدف هو التحفيز؟ الاقناع؟ التحليل؟ أو مجرد التوضيح؟

تحليل الاستجابات الجماهيرية، من خلال السياق، يمكن فهم كيف ستستجيب الجماهير للخطاب بناءً على موقفهم الاجتماعي أو التاريخي أو الثقافي. على سبيل المثال، خطاب يبرز الهوية الوطنية قد يتلقى استجابة مختلفة في بيئة قومية مقارنة ببيئة أكثر تنوعًا ثقافيًا.

التفاعل بين المتكلم والمستمع، النظر في السياق يمكن أن يساعد في تحليل كيفية تفاعل المتكلم مع المستمع، وكيف يتم بناء الرسالة بشكل يتماشى مع الوضع الاجتماعي والنفسي للمستمع. إذ يمكن للمستمع أن يفسر الرسالة بناءً على معرفته المسبقة بالعلاقة الاجتماعية مع المتكلم.

إظهار الأبعاد السياسية والثقافية في الخطاب، في سياقات سياسية وثقافية، يمكن أن يكون الخطاب أداة لتغيير الأيديولوجيات أو تعزيز الأفكار السائدة. فهم السياق يساعد في تفسير استخدام الرموز، واستدعاء التاريخ، واستحضار القيم الثقافية في الخطاب.

تحليل التحولات في الخطاب عبر الزمن، السياق الزمني يساعد في متابعة كيف تطور الخطاب عبر الأجيال أو في فترات معينة من الزمن، مثل تحليل الخطابات التي تتغير تبعًا للأحداث السياسية أو الاجتماعية

ويرى “الشهري” أن السياق يتكون من “المرسل والمرسل إليه، وما بينهما من عالقة بالإضافة إلى مكان التلفظ وزمانه، وما فيه من شخوص وأشياء، وما يحيط بهما من عوامل حياتية: اجتماعية، أو سياسية، أو ثقافية، وأثر التبادل الخطابي في أطراف الخطابات الأخرى[90]

الفصل الرابع:

التحليل التداولي لخطاب السيد عيدروس الزُبيدي

  1. الاشاريات في الخطاب السياسي
  2. أفعال الكلام في الخطاب السياسي
  3. السياق وتداولية الخطاب السياسي

المبحث الأوّل:

الاشاريات في خطاب السياسي

تُعد الإشارات (Deixis) أحد المفاهيم الأساسية في التداولية، حيث تعنى بالكلمات أو التعبيرات التي لا يمكن فهمها إلا في ضوء السياق الذي تُستخدم فيه، و الإشارات من أهم الآليات اللغوية في التحليل التداولي؛ لأنها تهتم بالعلاقة بين التراكيب اللغوية والسياق الذي تستخدم فيه، فهي عناصر لغة، يتطلب فهمها معرفة العناصر السياقية المحيطة بعملية التلفظ؛ «فالتلفظ يجب أن يكون في سياق يحضر فيه أطراف الخطاب حضورا عينيا أو ذهنيا، من أجل إدراك مرجعها”[91].

 تنسب الإشاريات إلى حقل التداوليات،لأنها تهتم بالعلاقة بين تركيب اللغات والسياق الذي تستخدم فيه، وللاشاريات بأنواعها دور بالغ في التحليل التداولي، أيّ أنها ذات ارتباط مباشر بالعملية التبليغية للخطاب. ولتجلية وظيفتها التداولية وجب تحديد الدور الذي تقتضيه لضمان تحقيق الإطار التداولي للخطاب، حيث تتحول بعض الأدوات الإشارية في السياق الاجتماعي خاصة الضمائر من وظيفتها الدلالية إلى وظيفتها التداولية بانعكاسها على قصد المتكلم .

إن هناك إشارات واضحة في الخطاب، وأخرى مضمرة، يعرفها المتلقي من خلال الكفاءة التداولية، بل يتجاوز الخطاب الإشاريات المضمرة إلى الإشاريات المستقرة في بنية الخطاب العميقة؛ لأن التلفظ ينطلق من شخص له صفات وسمات محددة في مكان وزمان محدّدين، ما يجعل الخطاب بناءً متكاملا.  

ولعل من أبرز أبحاث التداولية “الإشاريات” Deictics–تداولية من الدرجة الأولى- كونها مبحثا يتأسس على علاقات عناصرها بمرجعياته اللغوية والسياقية، والألفاظ الإشارية تحمل عدة دلالات إشارية في سياق التداول بمختلف تقسيماتها التداولية ( الشخصية، الزمكانية، والاجتماعية والخطابية )، والتي تشتغل جميعها في تشكل الخطاب .

وهذا ما سنعالجه في خطاب السيد عيدروس الزُبيدي. تشمل الإشارات عدة أنواع، منها:

أولا: الإشاریات الشخصیة:

الإشاريات كل اسم دل على مسمى وأشار إليه على وجه التعيين والتحديد بإشارة حسية وهي أسماء محددة من قبل علماء اللغة وهذا من وجهة نظر النحوية[92].  فالإشاريات مثل أسماء الإشارة، وأسماء الموصول والضمائر، وظروف الزمان والمكان من العلامات اللغوية التي لا يتحدد مرجعها إلا في سياق الخطاب، لأنها خالية من أي معنى بذاتها.

أولا: الضمائر:

تعرف الإشاريات الشخصية بالضمائر المتصلة والمنفصلة، وهي تتفرع بحسب الحضور والغياب؛ فالحضور يعني المتكلم، يقابله مخاطب، ويوجّه إليه الخطاب، والغائبة بالمطلق، ويعتمد على السياق لمعرفة دلالات الضمائر، وهي تتجاوز الوظيفة النحوية إلى المعيار التداولي، كما تظهر الهوية بالنسبة إِلى طرفي الاتصال، وترجع ضمائر المتكلم إلى صاحب القول، وقد وردت ضمائر المتكلم في خطاب منفصلة ومتصلة وبارزة ومستترة، كما جاءت بصيغة المفرد والجمع.

الضمير المتكلم (نحن) :

استخدم ضمير المتكلم “نحن” في كل خطابات عديدة، ومن النماذج التي تدل على ذلك قوله: نحن جميعاً قد قررنـا استعادة الوطـن الجنوبي من خاطفيه، وسنمضي قُدُماً متمسكين بثوابت القضية وطموح الشعب وآماله وأهدافه” تُظهر الإحالة الإشارية في هذا النموذج إلى وحدة الهدف والمصير، والتماهي بين باث الخطاب والجمهور، ومحاولة لإشراك كل الجنوبيين للتصدّي لكل هدف ينحرف عن هذا المسار، وهي مؤشر على الوظيفة القصدية والتداولية، والتي تعني وحدة المصير بين القائد وكل الجنوبيين. كما ورد الضمير المنفصل، (نحن) بعد الضمير المتصل المعبّر عن الجمع المتكلم، وذلك في قوله:” اليوم نكافح جميعاً نحن الجنوبيون لنفس الهدف السامي دفاعاً عن هذا الوطن، ولن نتنازل ابداً عن هويتنا الوطنية، وسيادة وطننا، وحقوق شعبنا المتمثلة في التحرير والاستقلال. وهذه هي أهدافنا وتطلعاتنا المشروعة التي فوضنا الشعب من أجلها، والتي قلنا ونؤكد اليوم مجدداً انه لا تراجع عنها ابداً مهما كانت الصعوبات، ولا تنازل عنها مهما استفحل الشرّ وأهله” فلو حذف العنصر الإشاري الضمير “نحن”، لبقي القول سليما لغويا، لأنّ الضمير المتصل يغنينا عنه، غير أن باث الخطاب استخدمه لغرض تداولي، يكمن في إخراج مجموعة من الجنوبيين المتمسكين باليمننة، والذين يحاولون التقليل من هدف التحرير واستعادة الدولة والهوية، مؤكدا بقوله: ” أهدافنا  – تطلعاتنا”؛ فالفئة التي ينتمي إليها الزُبيدي هي التي تجسّد فيها ضمير الجمع “نحن”، والانتماء الذي أراده، وهذه الإشاريات تساهم في تأسيس العلاقة الوطنية والاجتماعية بين القائد وجمهوره، كما تؤشر إلى الانتماء إلى جماعة المضحين المقاومين، في مقابل جماعة المحبطين والمتخاذلين، ويظهر أيضا الجمع بين المتكلم والمخاطب، وهذا من الوظائف التداولية أو القصدية، وهي موافقة الخطاب مقتضى الحال، حيث يرى الجمهور نفسه كجمهور مقاوم ومضحٍ، يختلف ويتمايز عن أولئك الذين في الطرف الآخر.

ومن الملاحظ أن استخدام السيد عيدروس الزُبيدي استخدم في خطاباته ضمیر المتکلم مع الغیر أکثر من ضمیر المتکلم وحده لأنّ ضمير المتكلم الجمع “نحن” في خطابه، الذي قد يُستعمل للجمع بين المتكلم والمخاطب، يكون دليلا على التضامن بينهما في بنية الخطاب، ويدل على التضامن بينهما، وقوة العاطفة المشتركة، نحو قوله:” لقد فوضتمونا نحن عيدروس قاسم الزُبيدي بإعلان قيادة سياسية وطنية برئاستنا لإدارة وتمثيل الجنوب، حتى تحقيق أهدافنا وتطلعاتنا المشروعة، والتي لا تراجع عنها ابداً مهما كانت الصعاب، ولا تنازل عنها مهما استفحل الشرّ وأهله وقد فعلنا ذلك حين اعلنا عن هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي في الحادي عشر من مايو 2017م. وها نحن اليوم معكم وأمامكم معاهدين الله على ذلك ومعاهدين ثرى الوطن على الدفاع عنه حتى النصر ومعاهديكم عهد الرجال للرجال ان نحفظ حقوقنا غير منقوصة وان نرعى مصالح قضيتنا العادلة مستمدين قوتنا من الشعب صاحب القرار والسلطة[93].

مما سبق تبين أن کثرة استخدام ضمیر المتکلم الجمع في خطاباته تدلّ علی وحدة المصير، والتماهي بينه وجمهور المقاومة، ومحاولة لإشراك كل الجنوبيين للتصدي لمخططات العدو، وهي مؤشر على الوظيفة القصدية والتداولية، والتي تعني وحدة المصير بينه وبين وكل الجنوبيين.

ضمائر المتكلم، (أننا) و(نا الفاعلين)

لقد مثل تكرار لفظة (أننا) في مجمل خطاب السيد عيدروس الزُبيدي ظاهرة دلالية حيث لا يمكن تصوّر خطاب خالٍ من الضمير “أننا”؛ وهذا الضمير يرجع إلى المرسِل الذي يعتبر «الذات المحورية في إنتاج الخطاب؛ لأنه هو الذي يتلفّظ به، من أجل التعبير عن مقاصد معينة، ويفرض تحقيق هدف فيه، ويجسّد ذاته من خلال بناء خطابه لاعتماده استراتيجية خطابية، تمتد من مرحلة تحليل السياق ذهنيا والاستعداد له، بما في ذلك اختيار العلامة اللغوية الملائمة، وبما يضمن تحقيق (المنفعة المشتركة)، بتوظيف كفاءته للنجاح في نقل أفكاره بتنوعات مناسبة ، وتبين أن الزُبيدي لم يصرّح الزُبيدي بالضمير “أنا”؛ مباشرة، لأنه يعوّل على قوتها حين يسندها إلى( نـا) الفاعلين ، كما في قوله: ” يجب أن ندرك جميعا أن انجازاتنا كانت في مرحلة البناء، التي لا زلنا فيها حتى اليوم، وعلى الرغم من اشراف هذه المرحلة على الإنجاز الكلي الا اننا نؤكد على تصحيح كل اعوجاج قد يظهر وعلى تصويب كل خطأ نراه، وان ابوابنا مفتوحة امام الجميع ودون استثناء، اننا نتطلع للانتقال الى مرحلة جديدة من العمل السياسي خاصة وأننا أصبحنا نعمل في الداخل والخارج من خلال مؤسساتنا الموجودة في كل محافظات الجنوب بالإضافة الى مكاتبنا الموجودة في الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي والتي ستمتد الى باقي الدول المؤثرة في مسار الازمة السياسية في بلادنا” .

إن الضمير “إننا” تتكرر في النص ليشير إلى المتحدث والجماعة التي يمثلها (على الأغلب القيادة السياسية أو الكيان الذي يتحدث باسمه السيد عيدروس الزُبيدي). ويحمل الضمير دلالات جامعة تعكس الشمولية والمسؤولية المشتركة. الدلالات الأساسية للضمير “إننا” في هذا السياق: التأكيد على الانتماء الجماعي: الضمير “إننا” يُظهر أن المتحدث ليس فردًا منعزلًا بل يتحدث باسم مجموعة تشاركه المسؤولية والطموح. ويربط المتلقي بالجماعة التي يمثلها المتحدث، مما يُشعره بأنه جزء من هذا الجهد الجماعي.

في عبارة “إننا نؤكد على تصحيح كل اعوجاج”، يُبرز الضمير تحمل المسؤولية المشتركة في مواجهة الأخطاء وتصحيحها. ويظهر ذلك النبرة الجادة والموقف الإيجابي تجاه تحديات البناء والإنجاز.

وفي جملة “إننا نتطلع للانتقال إلى مرحلة جديدة”، يُستخدم الضمير للإشارة إلى التطلع المشترك نحو أهداف مستقبلية تتجاوز الحاضر. يُبرز ذلك الوحدة في الهدف، والعمل المتناسق بين القيادة والجهات المرتبطة بها.

وكذلك استخدام الضمير مع تفاصيل الإنجازات مثل “إنجازاتنا” و”مكاتبنا” يعزز مصداقية الخطاب. ويُظهر أن المتحدث لديه رؤية وخطة عملية للانتقال من مرحلة البناء إلى مرحلة جديدة أكثر شمولية.

إن التأثير التداولي للضمير “إننا” يُشعر الجمهور بأن المتحدث يشمله ضمن هذا الإطار الجمعي، مما يعزز شعور الانتماء والمسؤولية المشتركة. يُوظف بشكل تداولي لدعوة الجمهور للانخراط في العمل الجماعي. وباستخدام الضمير مع عبارات التطلع والتنفيذ، يُظهر المتحدث نفسه كجزء من قيادة واعية تحمل رؤية واضحة للمستقبل. وكذلك يوحي الضمير “إننا” بوحدة الهدف والمسار بين القيادة والشعب، وهو ما يساعد في كسب الدعم السياسي والاجتماعي.

مما سبق تبين: أن الضمير “إننا” في النص يخدم وظائف دلالية وتداولية مهمة، أبرزها تأكيد الانتماء الجماعي، إظهار المسؤولية المشتركة، تعزيز الطموحات المستقبلية، وبناء الثقة مع الجمهور. يُعد هذا الضمير أداة فعّالة لجعل الخطاب أكثر شمولية وتأثيرًا، حيث يُبرز المتحدث كجزء من فريق متماسك يعمل بروح جماعية لتحقيق الأهداف المشتركة.

وفي مثال اخر أكثر دلالة بقوله:” إننا فخورين بذلك، نجدها فرصة لنقول لكم أننا نملك كل الإمكانيات لفرض واقع مغاير، ونعرف كل ما يخططه اعدائنا تجاه القضية والوطن الجنوبي وعدن على وجه الخصوص. غير أننا نمضي بكم في مسار آمن يسلم الجميع من تبعات نحن في غناء عنها؛ ولأننا دعاة سلام، فقد تحملنا كثيرا طيش حكومة الشرعية وراقبنا تفاصيل إصرارها على التنكيل بالجنوب وأهله وبذلنا في هذا الملف ما نراه يخدم قضيتنا ويحقق لنا الخلاص من هذا الطيش وهذا التعذيب الممنهج. وسنرى جميعاً ان هذا الصبر كان صائباً رغم مرارته، وسنذكر أنفسنا أننا كنا على حق حينما صارحناكم بذلك، وهذا كله لا يعفينا من تحمل مسؤوليتنا تجاه هذه التصرفات وليكن هذا الخطاب تحذيراً كامل الأركان لمن يسمعه ولمن يقرأه، ونحن في عدن ولسنا ببعيد، ولسنا شعب اعزل من الإرادة[94]

مما سبق تبين أن الضمير “إننا” في خطاب السيد الزُبيدي يضطلع بوظيفة محورية تجمع بين الشمولية والمسؤولية والالتزام. فهو يُظهر القيادة كجزء من الشعب، يتحمل عبء التحديات، ويدفع باتجاه تحقيق الأهداف الوطنية. من الناحية التداولية، يعزز الضمير الثقة بين القيادة والجمهور، ويُشعر المتلقين بأنهم جزء من مسار مشترك يهدف إلى استعادة الحقوق وبناء المستقبل.

وفي خطاب أخر يقول: ” فإننا جاهزون دائما لمواجهة أي تهديدات تنتقص من حق شعبنا ماضيه وحاضره ومستقبله، وقد عملنا بكل الإمكانيات على إعادة وبناء العلاقات السياسية مع العديد من الأطراف الخارجية الفاعلة، ولقد نجحنا بفضل من الله وبجهود المخلصين لهذا الوطن الجنوبي بفتح قنوات اتصال سياسي مع بعض الدول الكبرى والدول الإقليمية الفاعلة والعديد من المنظمات الحكومية وغير الحكومية

إن بناء الدولة هي المحطة التي يسعها للوصول اليها لذلك فقد كان في عمق الخطاب بل هي البؤرة والمنطلق التي تتمحور عليها معظم لغة الخطاب السياسي للرئيس القائد وأبرز الموجهات الاتصالية اعتمدت على ضمير المتکلم نحن أو نا الفاعلين، ( انتهجنا، دولتنا، مستقبلنا ، فأننا جاهزون، شعبنا، نجحنا..) بينما لم يتم استخدام ضمير الأنا إلا في أضيق الحدود في حال التخصيص وعدم إمکانية التعميم، مثل: الالتزام بالمسئولية أو التنظير للمستقبل أو التنبؤ به.

 ضمائر المخاطب (أنتم)

أكثر ما استعمل باث الخطاب ضمير المخاطب للجمع “أنتم”، والذي يرجع إلى مرجع يكمن في الجمع المخاطب، ومن نماذجه: قوله في الذكرى الأولى لتأسيس المجلس الخميس 03/مايو/2018 م، ” واليوم أنتم تقودون هذا المسار بكل الجبهات المفتوحة وبكل اقتدار، ولا زالت المخاطر أمامنا واضحة، نثق أنكم قادرون على تكييف الظروف لصالحكم والحفاظ على معادلة النصر الجنوبي التي لن تتغير، فلا سيوف تعلو على سيوفكم، ولا سهاماً أبلغ من سهامكم.. المعركة معركتكم دون غيركم والنصر حليفكم والسلامة رفيقاً لكل دروبكم، أخذتم على عاتقكم حماية الوطن وسلامة أراضيه، فلتكونوا كما عهدناكم ولتسلم أرواحكم يا رجال“.

يتجاوز هذا الاستخدام البعد اللغوي، ليتحكم فيه البعد التداولي؛ والسياق هو الذي يتحكم في بنية الملفوظ، حيث نجد تفاعلا بين اللغة والموقف؛ وقد أحيل الضمير “أنتم” على مخاطب، يفهمه باث الخطاب، ويعرفه معرفة عميقة؛ فهو جمهور المقاومة الذي أصبح مقتنعا أنه يمكن إزالة الأعداء من الوجود، خاصة بعد الهزائم المتكررة لهذا العدو، والانتصارات المتتالية للمقاومة.

ومن النماذج قوله في اجتماع المقاومة الجنوبية في عدن «أنتم الرهان الحقيقي لهذا الوطن، أنتم الرهان الحقيقي لهذه القضية، أنتم الرهان الحقيقي لهذا الشعب المظلوم وهذا الحق المسلوب، أنتم الأوفياء ومن يُعول عليهم في تحقيق أهدافنا الوطنية، كونوا على قدر من المسؤولية، هذا الشعب أمانة في أعناقنا، فلنتحمل هذه الأمانة جميعاً وهذه المسؤولية ولنؤديها على أكمل وجه“.

تكرر العنصر الإشاري “أنتم” أربع مرات لغرض التأكيد والتأثير في الجمهور الذي ضحّى وقدّم الدماء، وهو يعرف سلفا جواب الناس، ولعل هذا الاستخدام راجع إلى الظروف المقامية، فهو يُظهر أن من يعول عليهم في نصرة قضية شعبهم هم هؤلاء المقاومين؛ وعليه، فإن السيد الزُبيدي استخدم في خطابه عوامل تداولية، حيث يوظف المقام والمكان والزمان، للوصول إلى تحقيق الغاية المنشودة من الخطاب، وهي تعزيز الثقة برجال المقاومة الحاكمة، كما وظّف العنصر الإشاري “أنتم”، مرفقا بعبارات المدح «أنتم الرهان الحقيقي» للوطن والقضية والشعب” وانتم الاوفياء؛ ليجعل كل متلقٍّ للخطاب يشعر بأنه هو المقصود بالمدح، ويعدّ هذا الأسلوب في العملية التخاطبية، أسلوبا فعّالا في إِنجاح التواصل، وتحقيق الهدف.

ثانيا: الإشاريات الزمكانية

تعد الإشاريات الزمكانية من بين العناصر اللغوية التي يقتضي الإلمام بها بمعناها معرفة سياق التلفظ؛ لأن مرجعها غير ثابت، وغير محدّد، ويكمن دورها في الإحالة على مرجع مكاني، «فهي عناصر إشارية إلى أماكن يعتمد استعمالها وتفسيرها على معرفة مكان المتكلم وقت التكلم، أو على مكان آخر معروف للمخاطب أو السامع”[95]، وهناك طريقتان للإشارة إلى الأشياء، فإما بالتسمية، أو بالوصف، أو بتحديد أماكنها من جهة أخرى، وتساعد معرفة المكان على تأويل الخطاب بشكل صحيح، وفهم القصد منه.

ويظهر دور الإشاريات الزمكانية في خطاب السيد عيدروس الزُبيدي في مواضع عديدة، نحو قوله في افتتاح أعمال الدورة السادسة للجمعية الوطنية بتاريخ 21مايو 2023 في مدينة المكلا بحضرموت،” من أرض التاريخ والحضارات العريقة، من منارة الفكر والتنوير ومنبع الحلم والسماحة، من حضـرموت العمق الاستراتيجي للجنوب، جغرافيا وهوية وتاريخ وحضارة، في الماضي والحاضر والمستقبل، أحييكم تحية العزة والحرية والاستقلال والكرامة. ومنكم وعبركم، نتوجه بالتحية إلى أبناء ساحل ووادي وصحراء حضـرموت خاصة، وإلى كافة أبناء شعبنا الجنوبي في الداخل والخارج عامة، الذين يتابعون بآمال عريضة انعقاد دورتكم هذه، ويحدوهم الأمل بأن يتحقق ما هو بالنسبة لنا ولكم واجبٌ وهدف“.

إن باث الخطاب استهل حديثه باستخدام المكان كأداة للتواصل؛ ليُسهم في بناء المعنى وتوجيه الرسائل لمتلقيه، وقد حمل المكان المشار إليه دلالات متعددة منها:

الإشاريات المكانية والهوية:

من أرض التاريخ والحضارات العريقة، تُبرز حضرموت كرمز للهوية التاريخية والثقافية، حيث تركز هذه العبارة على عمقها الحضاري ومكانتها الثقافية الراسخة. ومن منارة الفكر والتنوير ومنبع الحلم والسماحة، يعكس الخطاب استخدام المكان كرمز للتنوير والكرم، مما يعزز العلاقة العاطفية بين المخاطبين وحضرموت. كما أن الإشارة إلى حضرموت باعتبارها “العمق الاستراتيجي للجنوب” تؤكد أهميتها السياسية والجغرافية، موضحةً دورها المحوري كركيزة أساسية في الحفاظ على وحدة الجنوب ومستقبله.

الإشاريات المكانية والاتصال الجماهيري

النص يوظف الإشاريات المكانية بمهارة للربط بين المكان (حضرموت) والمخاطبين (الجنوبيين)، مما يعزز الشعور بالانتماء والارتباط العاطفي. كما أن الإشارة إلى الزمن في الماضي والحاضر والمستقبل تُضفي بُعدًا أعمق على الخطاب، حيث تدمج بين الأجيال المختلفة وتوسع نطاق التأثير العاطفي، مما يجعل الرسالة أكثر شمولًا وامتدادًا عبر الزمن والمكان.

الإشاريات المكانية كأداة للتحفيز

“نتوجه بالتحية إلى أبناء ساحل ووادي وصحراء حضرموت”، حيث يعكس هذا التحديد شعورًا بالخصوصية والاهتمام بكل منطقة من مناطق حضرموت، مما يعزز التقارب مع الجمهور المخاطب. كما أن توجيه التحية إلى كافة أبناء شعبنا الجنوبي في الداخل والخارج يوسع نطاق الجمهور المستهدف، موضحًا شمولية الرسالة وحرصها على الوصول إلى كل جنوبي أينما كان، لتعزيز الوحدة والانتماء المشترك.

مما سبق تبين أن الإشاريات المكانية في هذا النص ليست مجرد وصف جغرافي، بل أدوات رمزية تعزز الهوية الجماعية وتدعم الخطاب الوطني من خلال بناء علاقة بين المكان والهوية المشتركة للمخاطبين.

وفي الـ 25 من أكتوبر 2017م وجه السيد عيدروس قاسم الزُبيدي، كلمة تاريخية لأبناء حضرموت، قائلاً  فيها: “نشكر أبناء حضرموت الماضي والحاضر والمستقبل، حضرموت الشموخ والإباء التي كانت دولة في الماضي وستبقى دولة في المستقبل بإذن الله، وأن الجنوب بدون حضرموت ليس جنوباً، ونحن أقوياء بجنوب حضرموت التاريخ والحضارة والأصالة، كما أن حضرموت ذكرت في القرآن وهي ميزة من الله سبحانه وتعالى، ولذا لا يستطيع أحد تجاهل حضرموت، وقال: كلنا حضرموت وجنوبنا حضرموت فلا أسهب بكلمة حضرموت ولكن أصبحت حضرموت جزءاً من العقيدة الجنوبية([96]).

التحليل التداولي لهذا الخطاب يظهر أبعادًا متعددة، يمكن تناولها كما يلي:

الوظيفة التداولية:

الخطاب يحتفي بمكانة حضرموت التاريخية والحضارية ويؤدي وظائف احتفائية وتعبوية تعزز الفخر الجماعي. العبارة نشكر أبناء حضرموت الماضي والحاضر والمستقبلتؤكد الاعتراف بمساهمة كل الأجيال في بناء الهوية الجنوبية، بينما عبارة حضرموت الشموخ والإباء التي كانت دولة في الماضي وستبقى دولة في المستقبل بإذن الله تعزز تطلعات المستقبل من خلال التذكير بالإرث التاريخي.

البُعد الزمني:

الإشارة إلى أن حضرموت كانت دولة في الماضي تعيد الاعتبار للتاريخ كمصدر للقوة والشرعية، مما يعزز مكانتها الراسخة في الوجدان الوطني. وفي الحاضر، يتجلى الدور المحوري لحضرموت في كونها جزءًا أصيلًا من النسيج السياسي والثقافي للجنوب، مما يبرز أهميتها الحالية في دعم الوحدة الوطنية. أما المستقبل، فيتمثل في رؤية حضرموت كدولة قوية وفاعلة، وهو ما يُعد حافزًا لتحقيق الأهداف الوطنية، حيث يُدمج الزمن المستقبل في الخطاب كجزء من الخطة السياسية والطموحات المشتركة.

البُعد المكاني:

الخطاب يربط حضرموت بالهوية الجنوبية ويعزز مكانتها كمحور سياسي وحضاري. العبارة الجنوب بدون حضرموت ليس جنوباً تؤكد مركزية حضرموت في تكوين الجنوب، بينما جنوبنا حضرموت وحضرموت جزء من العقيدة الجنوبية تعزز وحدة المكان والهوية.

الهوية الجماعية:

الخطاب يستخدم حضرموت كرمز جامع يربط بين الجنوب ككل. العبارة كلنا حضرموت وجنوبنا حضرموت تعزز الوحدة وتخلق انتماءً مشتركًا بين جميع أبناء الجنوب، مما يقوي الشعور بالهوية الجماعية.

استراتيجيات الإقناع:

استدعاء المرجعية الدينية من خلال الإشارة إلى أن حضرموت ذُكرت في القرآن يمنح الخطاب بُعدًا دينيًا يعزز قداستها ومكانتها الخاصة في الوجدان الجماعي، مما يضفي على الرسالة مصداقية روحية. كما أن التكرار التأكيدي لكلمة “حضرموت” في مواضع متعددة يُبرز مركزية هذه المنطقة في الخطاب، ويجعلها المحور السيدي للرسالة، مما يعزز ارتباط المخاطبين بالمكان. بالإضافة إلى ذلك، الربط بين الماضي المشرق لحضرموت ورؤيتها المستقبلية يساهم في تعزيز مصداقية الخطاب، حيث يؤسس هذا الربط لرؤية واضحة تسعى لتحقيق الأهداف المشتركة استنادًا إلى إرث تاريخي مشرف.

يفيد البعد الدلالي إن الخطاب يعزز الهوية الوطنية الجنوبية من خلال تقديم حضرموت كنموذج مركزي للكرامة والتاريخ والوحدة. يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل في سياق يجعل من حضرموت أساسًا لا غنى عنه في مسيرة النضال الجنوبي، مستثمرًا الأبعاد الثقافية والتاريخية والدينية لإقناع الجمهور والتأثير في مشاعره وتحفيزه لتحقيق الأهداف المشتركة.

البُعد الزمني:

إن الزمن في هذا الخطاب موزّع بشكل دقيق على ثلاثة مستويات تعكس ترابط الماضي بالحاضر والمستقبل. في الماضي، الإشارة إلى حضرموت كدولة تاريخية تعزز من إحساس الجمهور بجذورهم العريقة ومكانتهم الراسخة، مما يمنحهم شعورًا بالفخر والانتماء. أما في الحاضر، فإن التركيز على شكر أبناء حضرموت يعكس تقديرًا لدورهم الحالي ومساهمتهم الفعّالة في النضال وتعزيز الهوية الجنوبية، مما يوطد العلاقة بين القائد والجمهور. وأخيرًا، الإشارة إلى أن حضرموت “ستبقى دولة في المستقبل بإذن الله” توظف الزمن المستقبلي كأداة لإبقاء الأمل حيًا وتعزيز التطلعات، محفزة الجمهور على العمل بجدية لتحقيق هذه الرؤية المشتركة.

وفي مهرجان يافع، ألقى السيد عيدروس الزُبيدي خطابًا قال فيه: “أيها الشعب الجنوبي العظيم، نقف اليوم في يافع التاريخ، يافع الكفاح والنصر والمدد، يافع التي نحبها، ونجلّها، ونفاخر بها.”[97]

إن النص أعلاه يوظف الإشاريات المكانية بشكل فاعل من خلال تسليط الضوء على مكانة يافع ودلالاتها التاريخية والنضالية. ويبدأ الخطاب بتوجيه التحية للشعب الجنوبي، مما يعزز الشعور بالانتماء الجماعي، ثم يشير إلى “يافع التاريخ“، وهي عبارة تحمل دلالة رمزية على عراقة المكان وأصالته. وصف يافع بأنها “يافع الكفاح والنصر والمدد” يُضفي عليها طابعًا نضاليًا وانتصاريًا، ما يعزز الشعور بالفخر والاعتزاز لدى المخاطبين.

إن الإشارة إلى “يافع التي نحبها ونجلّها ونفاخر بها” تُعمّق البعد العاطفي في الخطاب، حيث تعبر عن علاقة حب واحترام وفخر بين المتحدث والمكان، مما يوطد العلاقة بين المخاطبين وأرضهم. هذه الإشاريات المكانية تُستخدم كأداة لتعزيز الهوية المشتركة والقيم النضالية، ما يجعل المكان رمزًا يوحد الخطاب السياسي والعاطفي لتحقيق أهدافه التداولية.

وتعد الإشاريات الزمانيّة من أبرز العناصر اللغوية التي تساهم في معرفة قصد المخاطب، وفهم الخطاب، وهي «كلمات تدل على زمان يحدده السياق بالقياس إلى زمان التكلم»[98]

ففي الـ4 من يونيو 2018، ألقى السيد عيدروس قاسم الزُبيدي كلمة خلال حضوره أمسية رمضانية أقيمت تحت شعار تأييدًا للقاءات التشاورية وتضامنًا مع دول التحالف العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة”. وفي كلمته، أكد قائلا:” إن ذكرى السابع من يوليو (تموز) تحمل بين سطورها ذكرى أليمة عنوانها ضياع الوطن ظلماً وتجبراً دون وجه حق، حين تكالبت علينا الأعداء تحت راية نظام صنعاء الظالم سنة 1994م النظام الذي أطلق حربه آنذاك ونجح في احتلال الأرض وهدم المنجزات وتشويه صورة الوطن وأهله، لكنه فشل في تكبيل عزائم الثوار الأحرار الذين قاوموه بكل وسائل المقاومة حتى سجلوا بعد أكثر من عشرون عاماً نصراً لن ينساه التاريخ([99]).

وأردف قائلاً: “إنه في مثل هذا اليوم، قررت عصابة 7/7 أن تقتل الوطن، قرر هؤلاء أن يسجلوا جرماً جديداً في صفحاتهم المليئة بالسواد، وعلى الرغم من فشلهم الذريع إلا أنهم تركوا في هامة الوطن الذي رفض أن ينحني، تركوا جُرحاً سيحتاج منا الكثير حتى يندمل، لا بد أنهم دفعوا وسيدفعون ثمن فعلتهم وجرمهم، ولن ينسى الوطن ما قاموا به، ولن يسامحهم الشعب ولا التاريخ”

تحليل الإشاريات الزمنية في هذا الخطاب يُبرز كيف وظّف السيد عيدروس الزُبيدي الزمن كأداة لتأطير الخطاب وربطه بالوجدان الجمعي للشعب الجنوبي، وذلك من خلال ثلاثة مستويات زمنية متداخلة:

الماضي المؤلم (“السابع من يوليو”، “سنة 1994م”): الإشارة إلى الماضي تُبرز الحدث التاريخي المحوري الذي يشكّل نقطة تحول في ذاكرة الجنوب، وهو اجتياح نظام صنعاء واحتلال الجنوب في عام 1994م. هذه الإحالة الزمنية تُعيد إلى الأذهان المعاناة والألم، ما يعزز الشعور الجماعي بالمظلومية التاريخية. بالإضافة إلى ذلك، يتم تسليط الضوء على الصمود والمقاومة التي أبداها الشعب الجنوبي طوال أكثر من عشرين عامًا.

اللحظة الراهنة (“إنه في مثل هذا اليوم”): الربط الزمني بالحاضر يُبرز أهمية استذكار الأحداث والتأكيد على استمرار النضال. هذه الإشارة تُضفي طابعًا احتفاليًا للخطاب في سياق تخليد ذكرى الحدث، كما تُبرز أن التحديات المرتبطة بالماضي لا تزال قائمة، مما يدعو الجمهور إلى تجديد العزم والاستمرار في العمل لتحقيق الأهداف الوطنية.

المستقبل (“سيدفعون ثمن فعلتهم”، “لن ينسى الوطن ما قاموا به”): التوظيف المستقبلي في الخطاب يشير إلى تطلعات نحو العدالة والمحاسبة، مع التركيز على أن الشعب والتاريخ لن ينسيا ما حدث. هذه الإشارة إلى المستقبل تُحفّز الجمهور على الثقة بأن النصر الكامل قادم، ما يعزز الأمل ويشجع على مواصلة النضال.

مما سبق تبين أن الإشاريات الزمنية في هذا الخطاب تخلق تسلسلاً زمنيًا متكاملاً يربط بين المعاناة التاريخية، التحديات الحالية، والآمال المستقبلية. هذا التسلسل يُعزز التأثير العاطفي للخطاب ويحفز الجمهور على التمسك بأهداف النضال الوطني.

إن لزمن التلفظ دورا بالغ الأهمية في العملية التخاطبية؛ وهذا ما يظهر في قوله: قبل نصف قرن من اليوم، ارتفعت راية الجنوب بعد أن ارتقى من أجلها شهداء كُثر خلال مرحلة التحرير المجيدة، وبعد أن استبد المستعمرون الجدد بهذا الوطن الجنوبي العظيم بقوتهم الغاشمة في 1994م وجد الجنوبيون أنفسهم أمام ضرورة حقيقية فكافحوا الاحتلال رغم قوته وجبروته ورغم امكانياتهم الضعيفة آنذاك، الا ان ارادتهم وصلابتهم جعلتهم يستقبلون الرصاص الغادر بصوت السلم وثورة السلام، فلم يكتفِ المحتل بذلك ولم يستفد من دروس التاريخ فأثخن في الشعب المظلوم قتلاً وتنكيلاً[100]

قدّم هذا الملفوظ مرجعا زمنيا يحدّد فيه المقصود تحديدا دقيقا؛ لذلك يجب معرفة لحظة التلفظ كي يتسنى للمرسَل إليه الفهم الدقيق؛ فالزمان هو قبل نصف قرن من اليوم؛ وتاليا، نوع الكلام سيكون متوافقا مع المناسبة، بالإضافة إلى استخدامه لفظة: “اليوم” و” وربع قرن”؛ والإحالة على الزمان هنا، لا تستغرق المدة الزمانية كلها، أي “اليوم” كله، إنما تقع في جزء منه.

في قوله: “ومثلما عاهدناكم في مايو الماضي، نود القول إننا على عهدنا ماضون، لا نملك إلا مشروعاً واحداً هو الاستقلال واستعادة دولتنا كاملة وغير منقوصة، ولا خيار لنا سوى النصر“، يتجلى دور الإشارة الزمنية “في مايو الماضي” في ترسيخ الالتزام بالمواقف السابقة وتعزيز مصداقية الخطاب. إذ يُظهر هذا المرجع الزمني استمرارية العهد بين القائد والشعب الجنوبي، موضحًا أن المشروع السياسي المطروح ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لخطط وأهداف تم التأكيد عليها سابقًا. ومن خلال الإحالة الزمنية إلى “مايو الماضي”، يُستدعى السياق التاريخي لمجريات الأحداث في تلك الفترة، مما يربط بين الماضي والحاضر، ويؤكد على الالتزام بتحقيق الاستقلال كهدف لا حياد عنه.

وفي خطابه الجماهيري في محافظة المهرة تحدث قائلاً:” أيها الأحرار أبناء المهرة الأبية يطيب لي أن أحييكم تحية الأحرار ونحن ندشن معكم اليوم أعمال الجمعية الوطنية والقيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي بالمحافظة.. هذا الحدث التاريخي الذي انتظره أبناء المهرة وكافة أبناء الجنوب يعد ثمرة من ثمار عقدين ونصف العقد من مسيرة النضال التحرري السلمي الجنوبي والمقاومة الجنوبية التي انجزت تحرير معظم أراضي الجنوب وهو حدث يؤسس للانطلاق نحو استكمال تحرير الجنوب وبناء مؤسساته المدنية والعسكرية والأمنية، وصولاً إلى الاستقلال أرضاً ووطنا ودولة وهوية…..”وأشكر كافة أبناء المهرة الذين غمرونا بكرمهم المعروف وتفاعلهم الشعبي العظيم مع المجلس الانتقالي وقيادته، ومثل هذا الكرم والتفاعل ليس مستغرباً على المهرة وأهلها

احتوى النص أعلاه على إشاريات مكانية وزمانية فلفظة “اليوم” تشير إلى الزمن الحاضر، وهي لحظة إلقاء الخطاب. تُستخدم هذه الإشارة لتعزيز شعور الجمهور بأهمية الحدث وقيمته التاريخية، مما يربطهم باللحظة ويُظهرها كجزء محوري من مسار النضال.، وعبارة عقدين ونصف العقد: تُشير إلى الزمن الماضي وتعكس امتداد النضال التحرري الجنوبي عبر فترة طويلة. هذه الإشارة الزمنية تُبرز التضحيات التي بذلها أبناء الجنوب، وتُعزز شرعية المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه امتداداً لمسيرة طويلة من الكفاح التحرري.  وأردف الخطاب عبارة نحو استكمال تحرير الجنوب: تُشير إلى المستقبل، وتُوظَّف لاستنهاض الحماس الجماهيري وتحفيزهم لتحقيق الهدف المشترك، وهو تحرير كامل الأراضي الجنوبية وبناء الدولة.

وفيما يخص الاشاريات المكانيًة فلفظة محافظة المهرة: تُظهر تركيز الخطاب على جمهور معين، وهم أبناء المهرة، مما يعزز شعور الانتماء والاهتمام الخاص بهذه المنطقة. تُستخدم هذه الإشارة لتوطيد العلاقة مع الحاضرين وجعلهم يشعرون بمركزية دورهم في المشروع الوطني؛ ليتوسع في عبارة” معظم أراضي الجنوب؛ لتُشير إلى مساحة جغرافية واسعة وتربط إنجازات النضال بالمشروع الوطني الأشمل لتحرير الجنوب. تُبرز هذه الإشارة الوحدة الجنوبية وتعزز إحساس الحاضرين بالانتماء إلى قضية وطنية كبرى تمتد لتشمل كافة أراضي الجنوب.

ثالثًا: الإشاريات الاجتماعية

إشاريات الاجتماعية هي ألفاظ وتراكيب تُستخدم لتحديد العلاقة الاجتماعية بين المتخاطبين وتعكس مستويات التقدير أو التبجيل أو العلاقات الرسمية وغير الرسمية. يتمثل دورها في تعزيز التواصل الاجتماعي وإظهار الاحترام أو التقدير في المواقف المختلفة.

الإشارات الاجتماعية في خطاب السيد عيدروس الزُبيدي تجلت بوضوح في استخدامه ألفاظًا تعبر عن الاحترام والتقدير لمختلف فئات المجتمع، سواء بصيغة الأفراد أو الجمع. فقد استعمل كلمات مثل القادة و”الجماهير” للإشارة إلى التكامل بين القيادة والشعب، كما أبرز دور الشرائح الاجتماعية الأخرى مثل المشائخ و”الشباب” و”الطلاب” و”الجنود” و”الضباط”. هذه الإشارات تعكس الطابع الشامل لخطابه، حيث لا تُستثنى أي فئة، مما يُظهر وعيًا وطنيًا متكاملاً وشعورًا بالمسؤولية تجاه كل مكونات المجتمع.

تُبرز هذه الإشارات أيضًا بعدًا تداوليًا يتمثل في تعزيز الوحدة الوطنية والتلاحم بين الفئات المختلفة. فالعبارات مثل السادة و”الإخوة” و”الأخوات” تُظهر نبرة الاحترام المتبادل، في حين تعكس كلمات مثل الأبطال و”الشباب” الحماس والدعوة للمشاركة الفاعلة. من خلال هذه الصيغ، يسعى الخطاب إلى تمكين المتلقين من الشعور بالانتماء، وتعزيز روح التضحية والعمل الجماعي، مما يجعل خطابه مؤثرًا وجامعًا لكل مكونات المجتمع.

رابعًا: أسماء الإشارة

تُعدّ أسماء الإشارة من الإشاريات التي «تتصل مباشرة بالمقام دون توسط عناصر إحالية أخرى، فهي ترتبط بالحقل الإشاري ارتباطًا آنيًا ومباشرًا، لا يتجاوز ملابسات التلفظ التي يتقاسمها طرفا التواصل. وهي بذلك تقابل العناصر الإحالية التي ترتبط بالسياق وما يتعلق به من ملابسات، ولا يمكن تحديد مرجع أسماء الإشارة إلا من خلال السياق، ولذلك تُعد من المبهمات لوقوعها على كل شيء. فهي لا تدل على شيء معين مستقل بذاته، بل يصاحبها لفظ آخر لإزالة الإبهام.

ومن نماذج استخدام  لاسم الإشارة، للدلالة على المكان ما جاء في إحدى خطابته في حضرموت، حيث يقول” إن المجلس الانتقالي الجنوبي ليس حكرا على مكون او توجه بل هو قيادة وطنية لجنوب جديد ننشده، ومن هنا فإننا نجدد التأكيد بأن الجمعية الوطنية وكافة هيئات المجلس وقياداته المحلية في المحافظات والمديريات ستستوعب الجميع، فقد ولى زمن الاحادية واحتكار الحقيقة وولت معه ثقافة الإقصاء والإبعاد، لهذا نهيب بجميع من يحملون راية استكمال التحرير وتحقيق الاستقلال واقامة الدولة الجنوبية الفيدرالية المستقلة الكاملة السيادة، نهيب بهم للالتفاف حول المجلس الانتقالي فهو ليس مشروع فرد أو أفراد أو منطقة أو مكون بل مشروع الجنوب كله من هنا مهرة الشموخ إلى باب المندب البوابة الغربية للجنوب[101].

  في النص المذكور، وردت لفظتا اسم الإشارة هنا في موضعين مختلفين، ولكل منهما دلالة وأهمية في بناء النص وإيصال المعنى. ففي الأولى “من هنا” تشير “هنا” في هذا الموضع إلى النقطة التي بدأ فيها النص الانتقال إلى التأكيد على موقف المجلس الانتقالي الجنوبي ورسالته وتحمل معنى تأكيدي يُظهر نقطة انطلاق الرسالة والتأكيد على أن المجلس يعبر عن توجه جماعي يسعى لتحقيق الاستيعاب والشمولية.

وفي العبارة الأخيرة “من هنا مهرة الشموخ إلى باب المندب تشير “هنا” إلى بداية الإطار الجغرافي للجنوب الذي يشمله المشروع الوطني الذي يتبناه المجلس الانتقالي الجنوبي؛ ليؤكد شمولية المشروع من أقصى الشرق (المهرة) إلى أقصى الغرب (باب المندب)، مما يعزز من فكرة الوحدة الإقليمية للجنوب. تربط البُعد الجغرافي بالرسالة الوطنية، موضحة أن المشروع لا يستثني أي منطقة أو مكون.

ومن مواقع استخدام أسماء الإشارة في السيد عيدروس الزُبيدي تكرار أسماء الإشارة هذا وهذه بكثافة عالية كما ورد في قول:” ولأننا دعاة سلام، فقد تحملنا كثيرا طيش حكومة الشرعية وراقبنا تفاصيل إصرارها على التنكيل بالجنوب وأهله وبذلنا في هذا الملف ما نراه يخدم قضيتنا ويحقق لنا الخلاص من هذا الطيش وهذا التعذيب الممنهج. وسنرى جميعاً ان هذا الصبر كان صائباً رغم مرارته، وسنذكر أنفسنا اننا كنا على حق حينما صارحناكم بذلك، وهذا كله لا يعفينا من تحمل مسؤوليتنا تجاه هذه التصرفات وليكن هذا الخطاب تحذيراً كامل الأركان لمن يسمعه ولمن يقرأه، ونحن في عدن ولسنا ببعيد، ولسنا شعب اعزل من الإرادة”[102]

في النص، تتكرر لفظة الإشارة هذا في عدة مواضع، ولكل استخدام منها دلالته البلاغية والسياقية التي تخدم بناء النص وتوضيح الرسالة. فيما يلي تحليل لألفاظ الإشارة “هذا” في سياقاتها المختلفة

تشير لفظة “هذا” إلى قضية أو موضوع محدد يتعامل معه المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو ملف العلاقة مع حكومة الشرعية وما ينتج عنها من التنكيل بالجنوب ففي هذه الجملة. “من هذا الطيش وهذا التعذيب الممنهج” تشير “هذا” إلى الأفعال التي وصفت بالطيش والتعذيب الممنهج، والتي تُنسب إلى حكومة الشرعية؛ لتضيف نبرة استنكار وإدانة لما يتم وصفه من تصرفات. وكذلك تُبرز حجم المعاناة الواقعية وتجعلها أكثر قرباً وتأثيراً على المتلقي.

وفي الجملة الأسمية “ان هذا الصبر كان صائباً رغم مرارته” تشير “هذا” إلى صبر المجلس الانتقالي على ممارسات حكومة الشرعية، وتبرز الحكمة في اتخاذ المجلس قراراته، رغم قسوة الظروف وتعزز الفكرة بأن التحمل كان خياراً مدروساً وليس ضعفاً.

وفي الجملة “وهذا كله لا يعفينا من تحمل مسؤوليتنا” تشير “هذا كله” إلى كل ما سبق ذكره من صبر وتحمل وتعامل مع الطيش والتعذيب؛ تضفي شمولية على الخطاب، موضحة أن المجلس لا يتنصل من مسؤولياته رغم التحديات. وتؤكد التزام المجلس بمسؤولياته تجاه الجنوب وأهله.

وفي الجملة الأخيرة “وليكن هذا الخطاب تحذيراً كامل الأركان” تشير “هذا” إلى الخطاب الذي يتم توجيهه في النص إلى حكومة الشرعية أو الأطراف المعنية؛ لتجعل الخطاب أكثر قوة وحسماً من خلال تحديده كتحذير صريح. وتضفي طابعاً رسمياً وحازماً على الرسالة.

لفظة الإشارة “هذا” في النص تخدم أهدافاً بلاغية متعددة تشمل التركيز، التوكيد، الشمولية، وإيصال الرسالة بشكل واضح وحاسم. كما أنها تُبرز حكمة المجلس الانتقالي في إدارة الأمور وتحمل المسؤولية رغم الظروف الصعبة، مما يعزز من قوة الخطاب وتأثيره.

يرجع العنصر الإشاري “ذلك” الى مدلولات متعددة نحو قوله: ” إننا والله لا نبالي بأي شيء عندما يكون الخيار القبول بجنوب غير الجنوب الذي قاتلنا من اجله، فمن كان يحمل بين ضلوعه هدف التحرير واستقلال واستعادة وبناء الجنوب وطن كامل السيادة فليضع يده في أيدينا ولا تراجع، ومن كان له رأي او وجهة نظر فان باب الحوار معه مفتوح ومن لا يستطيع المجيء فسنذهب اليه. ومن يرى غير ذلك فالبحث عن صفوف الأعداء هو الطريق الاسهل، والوقوف خلفهم ومعهم لن يغير من الأمر شيئاً.. فنحن عازمون على استعادة وطن وماضون نحو ذلك[103].

في النص المذكور، لفظة الإشارة “ذلك” وردت مرتين، ولكل موضع دلالته التداولية التي تُسهم في بناء المعنى العام للنص وتعزيز تأثيره على المتلقي. تحليل “ذلك” تداولياً ففي الجملة الأولى “وليكن ذلك ما يجمعنا” يشير “ذلك” هنا إلى الفكرة السابقة التي تناولها النص، وهي السير على طريق الشهداء والتمسك بمبادئ التحرير والاستقلال؛ ليعيد المتلقي إلى الفكرة الجوهرية التي تمثل الوحدة حول القضية الجنوبية، ويعزز مشاعر التضامن والانتماء من خلال الإشارة إلى قضية عظيمة مشتركة (التضحيات والمبادئ).

وفي الجملة الثانية “فنحن عازمون على استعادة وطن وماضون نحو ذلك” تشير “ذلك” هنا إلى الهدف النهائي المتمثل في استعادة الجنوب كدولة ذات سيادة؛ لتجعل الهدف واضحاً ومحدداً أمام المتلقي، مما يعطي الخطاب طابعاً توجيهياً وعملياً، مع التأكيد على التصميم: ليُظهر الجملة في إطار التحدي والإصرار، مما يُبرز عزم المتحدثين على تحقيق هذا الهدف رغم العقبات.

إن لفظة “ذلك” في النص تخدم أغراضاً تداولية وبلاغية تتمثل في الإحالة إلى القيم الأساسية والهدف النهائي للنضال. من خلال استخدامها، يعيد النص تأكيد أهمية الوحدة والتضحية، ويوجه المتلقي نحو رؤية واضحة ومشتركة لتحقيق الاستقلال وبناء الوطن.

وفي مدينة زنجبار عاصمة محافظة أبين، قدم السيد الزُبيدي خطابا مهرجانا جماهيريا بمناسبة تدشين المجلس الانتقالي الجنوبي في أبين أكد السيد الزُبيدي إن “تلك القوى الإرهابية أرادوا لأبين أن تكون شوكة في خاصرة الجنوب، ولكن أبين أبت إلا أن تنتصر على خفافيش الظلام، فكان انتصارها ملحمة بطولية بحجم إرادة أبين وانتمائها الأصيل للمشروع الوطني الجنوبي التحرري([104]).

وردت أكثر من إشارة في النص نحو” مدينة زنجبار عاصمة محافظة أبين: هذه الإشارة تشير إلى الموقع الجغرافي المحدد الذي يتم فيه الحدث، وهو مدينة زنجبار، مما يعزز التركيز على المكان الذي يحمل رمزية خاصة باعتباره عاصمة محافظة أبين. هذه الإشارة تساهم في تحديد السياق المكاني وتوجيه الخطاب إلى جمهور معين، هم أبناء محافظة أبين.

وتكرار ذكر “أبين” في النص يبرز مكانتها كرمز للنضال والصمود. يتم التأكيد على أن أبين كانت هدفاً للهجمات من “القوى الإرهابية”، مما يجعلها مركزًا استراتيجيًا هامًا في الصراع الجنوبي، ويؤكد ارتباطها الوثيق بالمشروع الوطني الجنوبي.

وجاءت عبارة شوكة في خاصرة الجنوب:؛ لتوظف المجاز المكاني لتوضيح دور أبين في المعركة الكبرى التي يخوضها الجنوب ضد التهديدات الخارجية. تُصور أبين هنا كموقع محوري يتعرض للهجوم لكنها تظل صامدة، مما يعكس مكانتها الجغرافية والسياسية في الصراع.

إن الإشاريات المكانية في النص تُسهم في ربط الحدث بالمكان الجغرافي الهام، مما يعزز من قيمة المكان الذي يتم فيه النضال ويزيد من ارتباطه بالمشروع الوطني الجنوبي.

المبحث الثاني:

أفعال الكلام في خطاب السياسي

لقد ربط الاتجاه التداولي البلاغة الجديدة بأفعال الكلام تقريراً وإنجازا، فالنص الأدبي ليس مجرد خطاب لتبادل الأخبار والأقوال والأحاديث بل يهدف إلى تغيير وضع المتلقي عبر مجموعة من الأقوال والأفعال الإنجازية، وتغيير نظام معتقداته، أو تغيير موقفه السلوكي من خلال ثنائية: افعل ولا تفعل.

ويعني هذا أن الخطاب أو النص الأدبي عبارة عن أفعال كلامية تتجاوز الأقوال والملفوظات إلى الفعل الإنجازي والتأثير الذي يتركه ذلك الإنجاز وذلك في مفهوم التداوليات التحليلية التي ظهرت في سنوات الخمسين من القرن العشرين مع ( أو ستن) كما في كتابه (نظرية افعال الكلام) و ( سورل) في كتابه ( أفعال اللغة).

سوف نتاول ناول هذه الدراسة الكشف عن بعد تداولي وهو ظاهرة الأفعال الكلامية في خطابات السيد عيدروس الزُبيدي، حيث يقوم هذا المبحث على استخراج الأفعال الكلامية بأنواعها وأغراضها وقوتها الإنجازية وذلك بالاعتماد على تقسيم سيرل لأصناف الأفعال الخمسة وهي: الإخباريات، التوجيهات، الإعلانيات، التعبيرات والوعديات. واهتمت الدراسة بتتبع استخدام الأفعال وطريقة عرضها في الخطاب.

أولا: الأفعال الإعلانية:

الأفعال الإعلانية (Speech Acts) هي أفعال لغوية تُستخدم لتحقيق أغراض معينة في التواصل. وفقًا لنظرية أفعال الكلام لجون سيرل، يمكن تصنيف الأفعال الإعلانية إلى أنواع مثل الإخبار، الوعد، الطلب، الأمر، التهديد، وغيرها.

هو الإعلان عن حدوث ظاهرة ما، وينبغي أن يكون إعلانا ناجحا، ليحقق الغرض المنشود إليه، لكي يطابق العالم الخارجي وهو يتضمن الإعلان، الوصية، الصفح، وغير ذلك ممَّا في يما يخص الأفعال الإعلانية بالزمن المستقبلي فقد تكرر في خطاب السيد عيدروس الزُبيدي في اكثر من موضع ففي الـ 25 من أكتوبر 2017 م، تحدث قائلا: ” إننا نتطلع إلى أن تكون هناك دولة فيدرالية للجنوب وكل محافظة تحكم نفسها، فحضرموت هي قلب الجنوب النابض وستكون كما يريد أبناؤها، وأن قوات النخبة ستسيطر على جميع حضرموت بما فيها الوادي، والمجلس الانتقالي الجنوب لن يبخل وسيكون معهم بالصفوف الأولى إذا طلب مننا أبناء حضرموت ذلك لتصفية ما تبقى من قوات الاحتلال، ونحن نقولها بالفم المليان ستأتي اللحظات التي ينتمي أبناء الجنوب لحضرموت وستأتي اللحظة التي يلبون النداء لحضرموت في أي لحظة لتصفية الإرهاب بالوادي“.

إن النص اعلاه مليء بأفعال إعلانية وتحمل مقاصد تداولية متنوعة، وسأحللها بناءً على أدوارها ووظائفها.

الإخبار (Assertives):

“إننا نتطلع إلى أن تكون هناك دولة فيدرالية للجنوب وكل محافظة تحكم نفسها” هنا يتم التصريح بموقف أو رغبة مستقبلية واضحة. الإخبار هنا يُستخدم لتوضيح التطلع نحو مستقبل سياسي محدد (الدولة الفيدرالية)؛ لتأكيد على رؤية واضحة لجذب التعاطف والتأييد.

وفي قوله: “حضرموت هي قلب الجنوب النابض”: هذه العبارة تُبرز حضرموت كمركز حيوي للجنوب؛ تعزيز مكانة حضرموت ودورها المركزي في المشروع السياسي.

الوعد Commissures

في قوله: “المجلس الانتقالي الجنوب لن يبخل وسيكون معهم بالصفوف الأولى إذا طلب منا أبناء حضرموت ذلك“، الوعد هنا يتجلى في الالتزام بالدعم العسكري والسياسي؛ لطمأنة أبناء حضرموت بالتزام المجلس الانتقالي بمساندتهم.

وفي قوله: “ستأتي اللحظات التي ينتمي أبناء الجنوب لحضرموت” يعد النص بتحقيق وحدة أبناء الجنوب مع حضرموت في المستقبل؛ لخلق أمل في المستقبل وتحفيز العمل الجماعي.

الطلب Directives

جاء أمر الطلب في قوله: “إذا طلب منا أبناء حضرموت ذلك لتصفية ما تبقى من قوات الاحتلال” الفعل الإعلاني هنا هو طلب مشروط موجه بشكل غير مباشر إلى أبناء حضرموت لتحديد احتياجاتهم؛ لفتح الباب للتعاون المشروط والتأكيد على الاستعداد الدائم.

التهديد أو التحذير Threats/Warnings:

جاء الإعلان التهديدي في قوله: “لتصفية ما تبقى من قوات الاحتلال” وهي عبارة تحمل رسالة تحذيرية للقوات التي توصف بـ”الاحتلال”، وتُبرز نية المواجهة الحازمة؛ لتوجيه رسالة قوية للخصوم السياسيين والعسكريين. وكذلك في قوله “ستأتي اللحظة التي يلبون النداء لحضرموت لتصفية الإرهاب بالوادي” الفعل الإعلاني هنا تهديد أو وعد بالتحرك يُظهر النص استعدادًا للعمل ضد من يُوصفون بـ”الإرهاب”؛للتأكيد على قدرة السيطرة وتحقيق الأهداف الأمنية.

 التعبير Expressive:

وجاء الطلب التعبيري في قوله “ونحن نقولها بالفم المليان” يُظهر الثقة والقناعة بما يتم التصريح به وتعزيز المصداقية والثقة بالنفس أمام الجمهور.

النص يستخدم مجموعة متنوعة من الأفعال الإعلانية، التي تهدف إلى:

بناء رؤية مستقبلية: من خلال الإخبار والوعد (مثال: الحديث عن الفيدرالية).

تعزيز الالتزام والدعم: من خلال الوعود الموجهة إلى أبناء حضرموت (مثال: الوقوف بالصفوف الأولى).

إثارة الحماسة والعمل الجماعي: عبر الطلب المشروط والدعوات غير المباشرة للتعاون.

إرسال رسائل قوة: من خلال التهديد والتحذير (مثال: تصفية الاحتلال والإرهاب).

تعزيز الثقة والمصداقية: عبر استخدام تعبيرات قوية وشخصية (مثال: “بالفم المليان”).

مما سبق تبين أن النص يهدف إلى التأثير في الجمهور المستهدف عبر تعزيز الروح الوطنية، بناء الأمل في المستقبل، والتأكيد على القوة والاستعداد لتحقيق الأهداف السياسية والعسكرية.

ثانيا: الأفعال التوجيهية

ويطلق عليها الطلبيات والغرض منها حمل المتلقي على أداء فعل معين، وتضم مجموعة كبيرة من الأفعال الكلامية التي تختلف من حيث قوتها الإنجازية باختلاف السياق والمقام، وبحسب العلاقة بين المتكلم والمستمع؛ وهي تشمل صيغا، كالأمر، والنهي والنداء والاستفهام.

الأمر:

الأمر من الأساليب الإنشائية الطلبية؛ أما عند التداوليين، فهي تحمل قوة إنجازية تحددها إرادة المتكلم وقصده. والأمر في خطاب السيد عيدروس الزُبيدي ظاهر بوضوح، وهو موجود بكثرة في كل خطبه، وأكثره أمر واضح لا يحمل كثيرا من التأويلات؛ ومن نماذجه قوله: هو خطاب يأتي بصيغة “افعلْ”، ومن أفعال الأمر أيضا التي وردت في خطاب في ذكرى الاستقلال من الاحتلال البريطاني تحدث السيد القائد عيدروس قاسم عبدالعزيز الزُبيدي قائلا: ” ندعو الدول التي حملت على عاتقها مكافحة التطرف والإرهاب إلى دعم جهودنا وتطويرها بما يساعدنا على الاستمرار في مكافحة هذه المخاطر التي تهدد أمننا الوطني والأمن الإقليمي والدولي([105]) .

 النداء:

النداء في اصطلاح البلاغيين هو طلب المتكلم إقبال المخاطب بواسطة أحد أحرف النداء؛ والغاية من النداء في خطاب السيد عيدروس الزُبيدي، أنه فعل كلامي؛ ليلفت انتباه المستمع، ويجعله مهيأ لتلقي الخطاب الذي يسعى إلى إيصاله إليه. ومن نماذج النداء قوله:

يا أبناء شعبنا الجنوبي العظيم

أيها الاحرار الميامين …

أيها المناضلون والمكافحون لنيل الحرية والاستقلال

يا جماهير العدالة والكفاح والسلام والبناء

أيها الجنوبيون في الداخل والخارج

تحية الوفاء والنصر، تحية عزم لا يلين وإرادة لا تُقهر. تحية لكم في هذا اليوم العظيم الذي قررنا فيه جميعا ان نقود بوصلة الحدث ومسار السياسة ومستقبل القضية نحو تحقيق أهدافها المتمثلة في التحرير والاستقلال ورفع الظلم والقهر عن شعبنا الجنوبي الصابر[106].

والنداء يعد مدخل إلى الأفعال الكلامية الأخرى التي يأتي بعدها الهدف المقصود من الخطاب؛ وفي هذه العبارات، يلفت انتباه الجمهور إلى قدسية أهمية الحدث وعظمته، التي تؤسِّس لمرحلة جديدة من مراحل قضية شعب الجنوب.

الاثبات:

وفي اجتماعه بالمقاومة قدم خطابا موجها قال فيه” إنني فخور بكم وبتواجدكم اليوم في هذا المكان، وإنه لشرف عظيم أن نكون معاً خاصة ونحن نتحمل مسؤولية وطنية واحدة، أمام الله وأمام الشعب، فدماء الجنوبيين الزاكية وتضحياتهم الكبيرة تستحق منا الوفاء وبذل كل ما يمكن بذله من أجل الأهداف التي ضحى من أجلها شهداؤنا الكرام. وأن الوفاء الذي اتسمت به جماهير الشعب في المراحل كلها يستحق منا موقفاً بطولياً على طريق الاستقلال وبناء دولتنا الجنوبية الحرة المستقلة وعاصمتها عدن” ([107])

تجلى الاثبات الإنجازي في النص بوضوح في صيغة التعبير التي تعكس التزاماً فعلياً وتحفيزاً للعمل من خلال الأفعال والكلمات الموجهة للجماهير والمقاومة. يمكن استخراجه عبر العناصر التالية:

  • الإقرار بالفخر والشرف:

ففي قوله: “إنني فخور بكم وبتواجدكم اليوم في هذا المكان. هذا تعبير إنجازي يُظهر التقدير المباشر للمقاومة، ويُبرز اعتراف المتحدث بأهمية وجودهم ودورهم في اللحظة الراهنة. يعزز هذا التعبير العلاقة الإيجابية بين القيادة والمقاومة، ويحفزهم على الاستمرار في النضال بثقة واعتزاز بمكانتهم الوطنية.

  • تحمل المسؤولية الوطنية:

وفي قوله: ” إنه لشرف عظيم أن نكون معاً خاصة ونحن نتحمل مسؤولية وطنية واحدة، أمام الله وأمام الشعب. تُعبّر هذه العبارة عن التزام إنجازي واضح من المتحدث تجاه القضية الجنوبية، حيث يُبرز شعور المسؤولية المشتركة مع المقاومة أمام الله والشعب. هذا التعبير يعزز الإحساس بالوحدة والعمل الجماعي، مما يرسّخ أهمية التكاتف لتحقيق الأهداف الوطنية

  • الإشادة بدماء الشهداء والتضحيات:

وفي قوله: دماء الجنوبيين الزاكية وتضحياتهم الكبيرة تستحق منا الوفاء وبذل كل ما يمكن بذله. هذا إثبات إنجازي يعكس التزام المتحدث بمواصلة العمل لتحقيق الأهداف التي ضحى من أجلها الشهداء. من خلال الإشادة بالتضحيات، يحفز المتحدث الجماهير على التمسك بالهدف المشترك ويعزز فيهم شعور المسؤولية الوطنية لاستكمال مسيرة النضال.

  • الدعوة للموقف البطولي:

وفي قوله: الوفاء الذي اتسمت به جماهير الشعب في المراحل كلها يستحق منا موقفاً بطولياً. يُبرز هذا التزاماً بالعمل والبطولة، وهو نوع من الإقرار بضرورة الرد على وفاء الشعب بمزيد من التضحيات والعمل الجاد لتحقيق الهدف المنشود.

  • تحديد الأهداف بوضوح:

وفي قوله: “على طريق الاستقلال وبناء دولتنا الجنوبية الحرة المستقلة وعاصمتها عدن. هنا يتحقق الإنجاز اللغوي من خلال التأكيد على الهدف الواضح والمشترك الذي يعبر عن تطلعات الشعب، مما يعزز الإرادة الجماعية لتحقيقه.

مما سبق تبين أن الاثبات الإنجازي في النص يتمثل في الالتزام الواضح بالقضية الجنوبية، الإشادة بالتضحيات، الدعوة للمسؤولية الوطنية، وتحفيز المقاومة والجماهير على النضال المستمر لتحقيق الاستقلال. هذه العبارات لا تعبر عن مشاعر أو وعود فقط، بل تمثل أفعالاً لغوية تحمل قوة الإنجاز والدفع نحو العمل.

المبحث الثالث:

السياق وتداولية الخطاب السياسي

إنّ قراءة الخطاب السياسي للرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، والذي أمتدّ لفترة 8 أعوام منذ تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، يتطلب يتطل قراءة تحليلية لكشف مضامينه وتوجهاته المستقبلية، ومهمة مثل تلك تحتاج منهجية وفقا لنظرية السياق الذي ألقيت فيه، لكون هذا الخطاب يُعد توجهًا سياسيًا وتنظيميا وإداريا واستراتيجيا وتاريخيًا بارزًا ترسم من خلاله موجهات المرحلة ومتطلباتها سواء أكانت تلك الموجهات للداخل أم الخارج، فقد حمل مجمل الخطاب في طياته رسائل قوية وواضحة تتعلق بإعادة تأكيد الحق الجنوبي في فك الارتباط مع اليمن واستعادة الدولة الجنوبية وترسيخ مفاهيم الدولة، وتعزيز قيم التصالح والتسامح والحوار والمشاركة.

هذا الخطاب تناول بشكل متكامل الأبعاد، السياسية والتاريخية والاجتماعية والثقافية للقضية الجنوبية، وسلط الضوء على دور المجتمع الدولي في حل النزاع مع اليمن بشكل عام، إذ أشار إلى ضرورة اتخاذ إجراءات جادة لتحقيق الاستقرار والأمن الإقليميين. ووفقا لمنهج قراءة سياقات الخطاب، يمكن قراءته من عدة زوايا تحليلية، هي كالآتي:

أولا: السياق التاريخي في خطابات السيد عيدروس الزُبيدي

إن السياق التاريخي يشبه الخريطة التي تكشف عن معاني الكلمات ودلالاتها الرمزية، وتتيح لنا فك شفرة الرسائل الكامنة في النصوص. وتحليل هذا السياق يُمكن من فهم الأبعاد الخفية للخطاب السياسي ويميز بين الحقيقة والوعود الزائفة.

وفيما يتعلق بالسياق التاريخي للخطاب السياسي للرئيس عيدروس الزُبيدي، فقد برزت معالمه بوضوح، حيث تكاد لا تخلو خطاباته من إشارات تعكس عمق ارتباطه بالواقع السياسي والمجتمعي. ومن أبرز النتائج الدلالية التي يمكن استخلاصها: 

  1. كان الخطاب الجماهيري الأكثر تأثيرًا وشمولًا، لارتباطه المباشر بالواقع السياسي وقربه من عواطف الجماهير. 
  2. اعتمد الباثُّ للخطاب على اختيار مناسبات وطنية جنوبية ذات دلالة عميقة في وجدان الشعب ومترسخة في ذاكرته الجمعية، مثل: أعياد ثورة أكتوبر، وذكرى نوفمبر المجيد، ومناسبة التصالح والتسامح الجنوبي، وذكرى تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، وذكرى اجتياح واحتلال الجنوب. 
  3. أسهمت هذه المناسبات بشكل مباشر في تعميق تأثير الخطاب السياسي في وجدان المتلقين، ما جعله أكثر رسوخًا وتأثيرًا. 

السيد القائد عيدروس الزُبيدي يُبرز في خطابه السياسي الإرث النضالي للشعب الجنوبي، مُوظِّفًا السياق التاريخي كوسيلة لتأكيد أهمية هذا النضال في تحقيق تطلعات الشعب وأهدافه الوطنية. ويُظهر ذلك في العديد من خطاباته، حيث استند إلى أمثلة تاريخية مُلهمة، ففي خطاب بمناسبة ذكرى ثورة أكتوبر، 2024 تحدث قائلا:” يا أبناء وأحفاد صناع مجد أكتوبر ونوفمبر، إن احتفالنا واعتزازنا بذكرى وانتصار ثورة الرابع عشر من أكتوبر، إنما هو احتفال بالمنجزات الوطنية الجنوبية العظيمة التي تحققت لشعبنا، الذي ثار في هذا اليوم انتصارا لكرامته، ودفاعا عن حقه في الحياة والحرية، ورفض وصاية الاحتلال وهمجيته ومصادرته لحقوق وثروات شعبنا.

إن استمرار ألق الثورة والاحتفاء بها بعد ستة عقود ونيف من عمرها، إنما هو تأكيد على تجذر أهداف وقيم هذه الثورة الوطنية النبيلة في الوعي الجمعي لمجتمعنا الجنوبي، كما يمثل رسالة واضحة باستمرارية هذه الثورة حتى التجسيد الحقيقي لمفهوم الحرية والاستقلال، الذي تعرض لانتكاسة قاتلة في العام 94م، بفرض شكل آخر من أشكال الاحتلال واستلاب الحرية ومصادرة الحقوق ونهب الأرض والثروات وإهدار الكرامة، التي ناضل شعبنا وقدم التضحيات من أجلها ودفاعاً عنها”[108].

إن النص أعلاه يتسم بطابع تداولي واضح يبرز أهميته كخطاب سياسي موجّه لجمهور محدد من أبناء الجنوب، حيث يؤدي عدة وظائف تعكس الأهداف الوطنية والقيم النضالية. يُستهل النص بالاحتفاء بذكرى ثورة أكتوبر باعتبارها رمزًا بارزًا للنضال الجنوبي، ويُبرز ارتباط هذا الحدث بالمنجزات الوطنية التي تحققت في سبيل الحرية والكرامة. يظهر ذلك في العبارة: “إن احتفالنا واعتزازنا بذكرى انتصار ثورة الرابع عشر من أكتوبر هو احتفال بالمنجزات الوطنية الجنوبية العظيمة.” إضافةً إلى ذلك، يعتمد النص على أسلوب تعبوي يدعو الجمهور إلى مواصلة النضال لتحقيق الأهداف غير المكتملة، كما ورد في العبارة: “ما يدفعنا اليوم إلى مواصلة النضال حتى استعادة حريتنا واستقلالنا الكامل.

ويستند النص إلى البعد الزمني في مستوياته المختلفة؛ فهو يستحضر الماضي البطولي عبر تسليط الضوء على إنجازات ثورة أكتوبر، ويؤكد على الحاضر من خلال الإشارة إلى استمرار الاحتفاء بهذه الثورة وتجذرها في الوعي الجمعي، كما في العبارة: “استمرار ألق الثورة والاحتفاء بها بعد ستة عقود ونيف.” بالإضافة إلى ذلك، يُبرز النص أهمية المستقبل والدعوة إلى مواصلة النضال لتحقيق الحرية والاستقلال الكامل.

يلعب البعد المكاني دورًا مركزيًا في النص، حيث يتم تقديم الجنوب كرمز للهوية والنضال، ويظهر ذلك في العبارة: “هذه الأرض التي صنعت مجد أكتوبر ونوفمبر”، مما يعكس ارتباط الأرض بالكرامة الوطنية والسيادة. كما يعمل النص على تعزيز الهوية الجماعية من خلال الربط بين الأجيال الحالية والأجيال السابقة، عبر استخدام تعبيرات مثل: “أبناء وأحفاد صناع مجد أكتوبر ونوفمبر”، مما يعزز الشعور بالانتماء والوحدة حول الأهداف المشتركة.

يتسم النص بالتوازن بين الاحتفاء بالماضي والنقد للحاضر، حيث يتم الإشارة إلى “الانتكاسة القاتلة في العام 1994م”، مما يعكس التحديات التي واجهها الجنوب ويدعو الجمهور إلى رفض الوضع الراهن والعمل على تغييره. كما يعتمد النص على استراتيجيات إقناعية قوية، أبرزها التذكير بالتضحيات التي قدمها الشعب الجنوبي، واستدعاء إنجازات الثورة لتعزيز شرعية المطالب السياسية الحالية، مع التركيز على الاستمرارية من خلال عبارات مثل: “رسالة واضحة باستمرارية هذه الثورة.”

القيم التداولية التي يركز عليها النص تشمل الحرية كهدف أسمى للنضال، والكرامة التي تُعد محورًا أساسيًا للنضال الوطني، كما يظهر في العبارة: “إهدار الكرامة التي ناضل شعبنا وقدم التضحيات من أجلها.” ومن خلال هذه القيم، يوجه النص رسالة واضحة تجمع بين الاحتفاء بالثورة كحدث تاريخي مؤسس للهوية الوطنية والدعوة إلى استمرار النضال لتحقيق الأهداف الوطنية. النص بذلك يحقق تأثيرًا تداوليًا قويًا يعزز الهوية الجنوبية ويدفع الجمهور للتفاعل مع القضية المطروحة.

إن الخطاب السياسي للرئيس عيدروس الزُبيدي يتكرر فيه استدعاء أحداث تاريخية مفصلية شكلت ملامح القضية الجنوبية وجعلت من النضال الجنوبي جزءًا أساسيًا من المشروع السياسي الذي يتبناه المجلس الانتقالي. هذه الاستدعاءات التاريخية لا تقتصر على سرد الأحداث فحسب، بل تهدف إلى تعزيز الشعور بالهوية الجنوبية والتأكيد على الحقوق التاريخية للشعب الجنوبي. ومن خلال هذه النصوص، يسعى الزُبيدي إلى تحفيز الجماهير على التمسك بمطالبهم السياسية والتاريخية في مواجهة التحديات الحالية.

النصوص الداعمة التي استُحضرت في الخطابات تُظهر بشكل واضح تأثير هذه الأحداث على الخطاب السياسي للمجلس الانتقالي، إذ يقول الزُبيدي في خطاب بمناسبة الذكرى الأولى لتاسيس المجلس الانتقالي الجنوبي: ” أيها الشعب الجنوبي العظيم لقد قمنا بتشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي انطلاقا من ارادتكم الصلبة التي تكسرت عليها مؤامرات الأعداء في كل المراحل السابقة منذ 1994م. واستطعنا بكم أن نصنع من طموحنا واقع لا يستطيع أن يغيره أحد. لقد كسرنا العزلة المفروضة على قضيتنا ولقد أسمعنا العالم صوتنا الذي لا يلين، وها نحن معا نقود الحدث ونصنع الواقع السياسي الجديد نحو مستقبل مرسوم وبخطط محكمة وبخطوات ثابته ثبوت الجبال. ومن يتجاهل معطيات واقعنا الجديد فندعوه الى مراجعة نفسه والتاريخ علّه يجد كيف ان الجنوب لم يهزم ولن تكون الهزيمة من نصيبه مهما كلفنا الأمر.”[109]،

في النص السابق يشير الخطاب أن هذه الذكرى ليست مجرد حدث تاريخي، بل هي إشارة إلى بداية مرحلة نضال جديدة؛ لتحقيق السيادة الجنوبية. كما أكدّ الزُبيدي في خطاب آخر في ذكرى الاحتفال بعيد الاستقلال الوطني 30 نوفمبر قال فيه: وجد الجنوبيون أنفسهم أمام ضرورة حقيقية فكافحوا الاحتلال رغم قوته وجبروته ورغم إمكانياتهم الضعيفة آنذاك، إلا أن ارادتهم وصلابتهم جعلتهم يستقبلون الرصاص الغادر بصوت السلم وثورة السلام، فلم يكتفِ المحتل بذلك ولم يستفد من دروس التاريخ فأثخن في الشعب المظلوم قتلاً وتنكيلاً. فحمل الجنوبيون سلاحهم وانطلقوا ثواراً على خطى آبائهم واجدادهم فكسروا ظهر المحتل وهزموا مشروعه بقوة السلاح والحق والإرادة، فهل يدرك الغائبون عن التاريخ والمغيّبون عن الواقع أن للشعوب صحوات وأن للثوّار جولات أن بدأت فلن ترحمهم ولن يرحمهم التاريخ”. هنا، يستحضر الزُبيدي الهجوم الذي تعرض له الجنوب في عام 1994 كوسيلة لإظهار صمود الشعب الجنوبي وإصراره على حقوقه، مما يعزز مفهوم الاستقلال والسيادة.

من خلال هذه الخطابات، يمكن ملاحظة أن الزُبيدي يستخدم استدعاء الأحداث التاريخية ليس فقط للتذكير بالتضحيات التي قدمها الجنوب في الماضي، بل أيضًا للضغط على الجماهير للاستمرار في النضال من أجل السيادة الوطنية. حيث يظهر بوضوح أن مشروع الوحدة اليمنية لم يعد حلاً مقبولًا بالنسبة للجنوبيين، بل أصبح مطلب استعادة الحقوق التاريخية ضرورة ملحة لتحقيق الاستقرار والأمان في الجنوب.

السياق التاريخي للأحداث السياسية والعسكرية والمصيرية تؤكد سياقاتها حقيقة فشل مشروع الوحدة بين البلدين سلميا وأن تطلعات الجنوبيين صارت لم تتحقق من هذا المشروع الموؤد، بل كانت سبب في معاناتهم وظلمهم وإذلالهم. بدلًا من ذلك، فإن هذا المشروع أنتج صراعات دموية طويلة الأمد وإلى تهميش الشعب الجنوبي، وبالتالي، الحل الأمثل هو إنهاء هذه الوحدة بشكل رسمي، والاستماع لصوت شعب الجنوب المطالب باستعادة دولته بكامل سيادتها.

ويُعد خطاب السيد الزُبيدي الأخير أمام مجلس الأمن حدثًا ذا أهمية تاريخية لأنه يعيد وضع “القضية الجنوبية” على المسرح الدولي في أعلى مستوى، مما يعني اعترافًا دوليًا ضمنيًا بحق الجنوب في المطالبة بفك الارتباط واستعادة دولته المستقلة، واستخدام الزُبيدي لعبارات مثل “مصلحة شعبنا” و”قضية شعب الجنوب” ” ومذكرا مجلس الأمن بقراريه المشهورين في صيف 94 وتأتي في سياق الدفع نحو إعادة التأكيد على أن وحدة اليمن فشلت، وأن الحل الجذري يكمن في إعادة الجنوب إلى دولته المستقلة.

في الخطاب السياسي للرئيس عيدروس الزُبيدي، يظهر بوضوح التركيز على دور القادة الجنوبيين التاريخيين في تشكيل تاريخ الجنوب ومواجهة الاحتلالات، مما يعكس احترامًا عميقًا للتاريخ الجنوبي ويستخدمه كأداة استراتيجية لتحفيز الجماهير على استكمال مسيرة النضال التي بدأها هؤلاء القادة. من خلال استحضار هذه الشخصيات، يسعى الزُبيدي إلى تعزيز الشعور بالانتماء والالتزام بالمبادئ الوطنية التي قام عليها النضال الجنوبي.

استدعاء الشخصيات القيادية ففي خطاب الزُبيدي بمناسبة جماهيرية في يافع، قال: ” إنني اليوم وأنا أشاهد جبالها، أتذكر رجال كالجبال رحلت منها لكنها ستظل خالدة في ذاكرتنا وذاكرة هذا الوطن، رجال لن يعوضنا فيها اَي شيء، رجال تربّت بين جنبات هذه الجبال، وكانت مسنداً وملجأً للوطن ورجاله، الشهيد أحمد سيف اليافعي، والفقيد احمد علي الحدي، والشهيد محمد صالح طماح ‎وغيرهم الكثير من القادة الشهداء رحمهم الله جميعًا لا يسعنا المجال لذكرهم”[110].

إن النص السابق يُظهر كيف أن الزُبيدي يستخدم ذكرى القادة الجنوبيين لإحياء روح الصمود والمقاومة في نفوس الجنوبيين، مؤكّدًا أن تاريخ الجنوب مليء بالتضحيات التي يجب على الأجيال الحالية أن تواصلها.

ويربط السياق المكاني مع السياق التاريخي ليعزز رسالته بقوله: ” ومن يافع الكفاح، يافع الصمود، يافع النصر، نرسل رسالتنا الى المجتمع الدولي، لنقول ومن يافع تحديداً ان تجاوز الجنوبيين لن يفضي الى أي سلام أبدا، فلن يقبل الجنوبيون أي حلول منقوصة، ومن يملك رجال كأبطال يافع فهو قادراً على فرض إرادته، وحماية حقه المشروع في مستقبل يلبي طموحات وتطلعات شعبه”[111]

من خلال هذه الكلمات، يظهر الزُبيدي أنه يعتبر المبادئ التي اتبعها القادة الجنوبيون في الماضي أساسًا لمستقبل الجنوب. هذه الإشارات إلى الشخصيات والأماكن التاريخية تساهم في تحفيز الجماهير على الاستمرار في النضال بنفس الروح والمبادئ التي قادت تلك الشخصيات الجنوبيين في فترات صعبة من تاريخهم.

إجمالًا، فإن توظيف الزُبيدي للشخصيات التاريخية في خطابه لا يقتصر على الاعتراف بتاريخ الجنوب، بل يعمل أيضًا على تعزيز الهوية الوطنية والشعور بالمسؤولية لدى الجنوبيين للاستمرار في كفاحهم من أجل حقوقهم.

***

مما سبق يتضح أن الخطاب السياسي للرئيس القائد عيدروس الزُبيدي يعتمد بشكل كبير على استحضار السياق التاريخي كأداة فعّالة في تعزيز الهوية الجنوبية وبناء السردية الوطنية. من خلال استدعاء الأحداث المفصلية مثل فك الارتباط في 1994، والثورات الشعبية التي خاضها الشعب الجنوبي ضد الاحتلالات، بالإضافة إلى تكريم الشخصيات الوطنية البارزة، يُبرز الزُبيدي التاريخ كعنصر محوري في بناء مشروعه السياسي، فجاء خطابه يعزز من الفخر التاريخي لدى الجماهير ويشجعهم على استكمال المسيرة النضالية. فبربط الماضي بالحاضر، يُظهر أن الجنوبيين قد حققوا استقلالهم في مراحل مختلفة من التاريخ، مما يعزز من القناعة بضرورة استعادة هذه الحقوق في الوقت الراهن. هذه الاستراتيجية لا تقتصر فقط على الداخل، بل تهدف أيضًا إلى خلق تعاطف خارجي يدعم الطموحات السياسية لشعب الجنوب، إذ يُظهر الخطاب أن الجنوبيين ليسوا مجرد ضحايا للتهميش بل هم أصحاب قضية عادلة تُستند إلى تاريخ مشرف. التحليل الدقيق لهذه الخطابات يُظهر كيف يقوم الزُبيدي بتوجيه الرأي العام الجنوبي نحو تحقيق أهدافه السياسية عبر أسس تاريخية وثقافية راسخة، معتمدًا على القوة الرمزية للأحداث التاريخية والشخصيات الوطنية في التأثير على الجماهير.

ثانيا: السياق الاجتماعي والثقافي:

يشير السياق الاجتماعي في تحليل الخطاب إلى العوامل الاجتماعية والثقافية والسياسية والمؤسسية المختلفة التي تؤثر على استخدام اللغة في التواصل وتتأثر به. ويشمل عناصر مثل المعايير الثقافية والأدوار الاجتماعية وعلاقات القوة والسياقات المؤسسية والخلفيات التاريخية والبيئات الجغرافية وتأثير التكنولوجيا والإعلام على الخطاب.

إن فهم السياق الاجتماعي أمر بالغ الأهمية لتفسير معنى الخطاب بدقة، وكشف ديناميكيات القوة، وفهم التغيير الاجتماعي، وتعزيز فعالية الاتصال. ويساعد ذلك في وضع استخدام اللغة في سياقه، وكشف المعاني والمراجع الضمنية، وتحليل كيفية بناء الخطاب وانعكاسه للهياكل الاجتماعية والعلاقات والهويات.

تؤثر المعايير والقيم الثقافية على ما يعتبر مناسبًا أو غير مناسب للقول في مواقف مختلفة. فهي تؤثر على استراتيجيات المجاملة، وأشكال الخطاب، والموضوعات المحظورة. على سبيل المثال، قد تختلف طريقة تحية الناس لبعضهم البعض، ومستوى الرسمية المستخدمة، والموضوعات التي تتم مناقشتها في الأماكن العامة مقابل الخاصة بشكل كبير عبر الثقافات، مما يؤثر على كيفية إنتاج الخطاب وتلقيه.

تؤثر الخلفية التاريخية وتوقيت الخطاب على معناه وأهميته. يمكن للأحداث التاريخية والحركات الاجتماعية والمعايير المتغيرة أن تؤثر على كيفية إنتاج الخطاب وفهمه. على سبيل المثال، تطورت المناقشات حول الأدوار الجنسانية بشكل كبير بمرور الوقت، مما يعكس التغيرات الاجتماعية الأوسع والمناقشات المستمرة حول المساواة والهوية.

إن الوعي بالسياق الاجتماعي يحسن من فعالية التواصل من خلال تمكين الأفراد من تكييف لغتهم لتتناسب مع المعايير والقيم والتوقعات في البيئات الاجتماعية المختلفة. وهذا مهم بشكل خاص في التواصل بين الثقافات، حيث يمكن أن تنشأ سوء الفهم من الاختلافات في المعايير والممارسات الثقافية.

ويتطلب تحليل الخطاب والمناظرات السياسية فهم السياق الاجتماعي والتاريخي والأيديولوجي الذي تحدث فيه. على سبيل المثال، سيتم تفسير خطاب أحد الساسة حول الهجرة بشكل مختلف اعتمادًا على سياسات الهجرة الحالية في البلاد، والمشاعر العامة، والتوجه السياسي للمتحدث.

إن مراعاة السياق الاجتماعي في تحليل الخطاب أمر مهم لتفسير معنى الاتصال بدقة، وكشف ديناميكيات القوة، وفهم التغيير الاجتماعي، وتعزيز فعالية الاتصال. فهو يوفر فهمًا شاملاً لكيفية عمل اللغة داخل العالم الاجتماعي وتشكيله، مما يسمح بتحليلات أكثر دقة واستنارة للخطاب[112]

تعزيز الهوية الاجتماعية للجنوبيين

الخطاب السياسي للرئيس عيدروس الزُبيدي يتفاعل بشكل ملحوظ مع السياق الاجتماعي ويعكس وعيًا عميقًا بمشكلات المجتمع الجنوبي وتطلعاته. من خلال استحضار الهوية الجنوبية وارتباطها بالقيم الاجتماعية الراسخة، يسعى الزُبيدي إلى بناء قاعدة اجتماعية متماسكة تدعمه في تحقيق أهدافه السياسية. في خطابه، يبرز بوضوح تقديره للعوامل الاجتماعية التي تشكل هوية الجنوب ويعزز من شعور الانتماء والفخر بين أبنائه.

تعزيز الهوية الاجتماعية: 

إن التركيز على الهوية الاجتماعية الجنوبية في خطاب الزُبيدي يعد عنصرًا أساسيًا في إعادة تأطير القضية الجنوبية. في نصه “إننا اليوم نستلهم من إرث أجدادنا ونستعيد الهوية الجنوبية التي حاول البعض طمسها لعقود طويلة“، يظهر الزُبيدي إيمانه العميق بأن الهوية الجنوبية ليست مجرد مسألة سياسية، بل هي مسألة اجتماعية ثقافية تهم المجتمع برمته. استدعاء تاريخ الجنوب وتقاليده المحلية يُعزز الوحدة المجتمعية ويُحفز الجنوبيين على التمسك بموروثهم الثقافي والاجتماعي كجزء من مشروعهم الوطني.

وفي قوله أيها الأحرار أبناء المهرة الأبية: تُعد إشارة تداولية قوية تخاطب الحضور بصفتهم “أحراراً”، مما يعزز هويتهم النضالية ويربطهم بمشروع التحرر. متطرقا بقوله: إن كرمهم المعروف وتفاعلهم الشعبي العظيم: تعبير يشير إلى القيم الثقافية والاجتماعية لأبناء المهرة، ويعزز العلاقة بين المتحدث والجمهور من خلال الامتنان والاعتراف بفضلهم.

التماسك الاجتماعي والوحدة. 

في العديد من خطبه، يشدد الزُبيدي على أن “قوتنا تكمن في وحدتنا” وأن “المجتمع الجنوبي هو عائلة واحدة”. هذه العبارات تؤكد على أن القوة السياسية لا يمكن أن تتحقق إلا إذا تم تعزيز اللحمة الاجتماعية بين مختلف مكونات المجتمع الجنوبي. من خلال التأكيد على ضرورة توحيد الجهود وتجاوز الخلافات السابقة، يوجه الزُبيدي رسالة واضحة إلى الجماهير بأن الوحدة الاجتماعية هي أساس أي تغيير سياسي أو اقتصادي. وبهذا يربط الزُبيدي بين الاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي، مما يعزز من شعور الجماهير بأنهم شركاء حقيقيون في المشروع الوطني.

استجابة للاحتياجات المجتمعية 

يتعامل الزُبيدي بشكل مباشر مع القضايا الاجتماعية الملحة التي تؤثر على الحياة اليومية للمواطنين الجنوبيين. في الــ8 يوليو (تموز) 2018 صرح السيد عيدروس قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي أعمال الدورة الأولى للجمعية الوطنية، قائلا : “إن الأوضاع التي تمر بها بلادنا السياسية والأمنية والاقتصادية تمثل تحديات لم يسبق لها مثيل وإنها لتفرض علينا جميعاً مسئولية تاريخية واستثنائية يجب أن يبقى فيها بنياننا شامخاً وثابتاً ودوركم هنا في الجمعية الوطنية التي تمثل البرلمان الجنوبي هو أن تمارسوا هذه المهام في سياق ديموقراطي يضع مصالح الوطن العليا أولوية قصوى”. 

لقد واجهتــنا هذه الحكومة بورقة الخدمات والمرتبات وسياسة التجويع والحرمان، وتطور الأمر الى استخدامها للقوة ضد من خرجوا سلمياً مطالبين بحقوقهم مما اضطر قوات المقاومة الجنوبية إلى الدفاع عن أرواح الناس، وهذا دوراً سنقوم به بكل تأكيد كلما فكر أي أحد أن يهدد حياة شعبنا.

لقد تدخلت دول التحالف العربي كوسيط ضامن على الطرفين، ولأننا دعاة للسلام ولأننا صادقون عندما نقول إننا نريد المضي بكم في طريق آمن بعيداً عن العنف، طريقاً یسلّم الجميع من تبعات نحن في غناء عنھا، ووفاء لتحالفنا مع دول التحالف العربي، فقد استجبنا لدعوة المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة، واخترنا طريق التهدئة والهدنة، اختيار الأقوياء والمنتصرين، لا اختيار الضعفاء ولا الخائفين. وقد كان الجميع يعرف اين كنا وأين سنكون فيما لو أردنا ذلك.”([113])

من خلال عبارات مثل “نحن ملتزمون بتلبية احتياجات المواطن الجنوبي، من تحسين الخدمات الأساسية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في كل المحافظات”، يظهر الزُبيدي اهتمامًا كبيرًا بتحسين الأوضاع المعيشية للناس. الخطاب هنا يتجاوز الجانب السياسي ليعكس الاهتمام بالتحديات الاجتماعية، مثل تدهور الخدمات والبنية التحتية، ويعد بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المواطنون. وفي خطابه أمام اللقاء التشاوري للمكونات السياسية الجنوبية، بقوله: “نؤكد لكم بأن احتياجاتكم هي أولويات بالنسبة لنا وسنوليها دائمًا اهتمامنا الكامل“. إن هذه الاستجابة للاحتياجات المجتمعية تعكس إدراك الزُبيدي للضغوط اليومية التي يعاني منها الشعب الجنوبي، وتعزز من مصداقيته لدى الجماهير. بالتركيز على التنمية الاجتماعية وتوفير الخدمات الأساسية، يعزز الزُبيدي موقفه بين المواطنين الجنوبيين، ويظهر التزامه بجعل تحسين حياتهم جزءًا أساسيًا من مشروعه السياسي. 

بناءً على التحليل السابق، يمكن القول إن خطاب السيد عيدروس الزُبيدي يعتمد بشكل كبير على السياق الاجتماعي في تشكيل وبلورة مشروعه السياسي. من خلال التركيز على الهوية الاجتماعية الجنوبية، تعزيز الوحدة بين أبناء الجنوب، واستجابة للاحتياجات الاجتماعية الأساسية، يُظهر الزُبيدي فهمًا عميقًا للواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه المجتمع الجنوبي. وبذلك، يكون الخطاب السياسي أداة فعّالة لبناء مشروع سياسي يربط بين الماضي والحاضر ويعزز من المشاركة المجتمعية في تحقيق الأهداف السياسية

الدعوة إلى المصالحة الاجتماعية

الدعوة إلى المصالحة بين الفصائل الجنوبية المختلفة تعتبر من الركائز الأساسية في خطاب السيد عيدروس الزُبيدي، وتعكس رؤية سياسية واجتماعية تعي تمامًا أهمية التغلب على الانقسامات الداخلية التي شهدها الجنوب نتيجة الحروب والصراعات السابقة. لا تقتصر هذه الدعوة على كونها مجرد مواقف سياسية، بل هي ضرورة اجتماعية تهدف إلى تعزيز التماسك الداخلي بين أبناء الجنوب وتوحيد صفوفهم تحت هدف واحد. المصالحة، في هذا السياق، تمثل خطوة حيوية نحو بناء مستقبل مشترك قائم على التسامح والروح الوطنية.

فقد أكدّت دراسة صادرة عن مؤسسة “اليوم الثامن للإعلام والدراسات” أن محور التصالح والتسامح والحوار والمشاركة يمثل الركيزة الأساسية التي قامت عليها ثورة شعب الجنوب التحررية. وانطلاقًا من ذلك، حرص السيد القائد على جعل هذا المبدأ المفتاح الأساسي لتحقيق الوفاق الوطني الجنوبي الشامل، بما يسهم في تحقيق الأهداف الكبرى للمشروع الوطني الجنوبي التحرري، والمتمثلة في استعادة دولة الجنوب وبنائها وفق نظام فيدرالي حديث. وقد حاز محور التصالح والتسامح على المرتبة الثالثة بنسبة 16%، مما يعكس أهميته باعتباره القاعدة الصلبة التي انطلقت منها الثورة واستمرت حتى اليوم لتحقيق أهدافها المنشودة.[114]

ففي ذكرى ثورة الـ 14 أكتوبر (تشرين الأول) 2017م، أكدّ أن السيد عيدروس الزُبيدي أن نهج التصالح والتسامح مكسباً وطنياً يتوجب الحفاظ عليه قائلا: ” إن تعزيز مبدأ التسامح والتصالح الجنوبي هو السبيل لتحقيق أهداف وتطلعات شعب الجنوب في التحرر الشامل وإقامة دولته الفيدرالية المستقلة كاملة السيادة، ورفض أي مشروع ينتقص من الإرادة الجنوبية الحرة واستحقاقاتها([115]).

هذه العبارة تؤكد على أهمية التوحد بين فصائل الجنوب المختلفة. لا يُنظر إلى الوحدة كخيار قابل للنقاش، بل كشرط أساسي لتحقيق الاستقرار والتقدم في المستقبل. الزُبيدي يعبر عن ضرورة نسيان الخلافات الماضية التي قد تؤدي إلى تفتيت القوى الجنوبية، ويشدد على أهمية العمل معًا لتأسيس مستقبل مشترك.

في ذكرى يوم التصالح والتسامح، أشار الزُبيدي إلى أن “دعوتنا للتسامح ليست مجرد شعارات، بل هي السبيل لترسيخ مجتمع جنوبي متماسك وقوي“. هذا النص يعكس التزام الزُبيدي بتعزيز التسامح بين مختلف القوى والفصائل الجنوبية، وهو يبرز التسامح كأداة لبناء مجتمع متماسك يمكنه مواجهة التحديات المستقبلية بشكل جماعي. يُنظر إلى التسامح هنا كوسيلة لا غنى عنها لتحقيق التعايش السلمي بين أبناء الجنوب بعد فترات طويلة من الانقسام والصراعات.

عبارة الزُبيدي “علينا أن نغلق صفحات الماضي، ونفتح صفحة جديدة عنوانها التسامح والشراكة الوطنية” هي دعوة صريحة لطي صفحة الماضي والتطلع نحو مستقبل جديد مليء بالفرص والآمال. من خلال هذه الدعوة، يعكس الزُبيدي رؤية شاملة لإعادة بناء الوحدة الاجتماعية والسياسية في الجنوب عبر التفاهم والشراكة بين كل مكونات المجتمع الجنوبي.

في فعالية جماهيرية، ذكر الزُبيدي: “لا يمكننا بناء دولة قوية دون أن نتجاوز جراحنا الداخلية ونتحلى بروح الأخوة“. هذه الجملة تعكس أهمية الشفاء من الصراعات الداخلية والتوجه نحو بناء مستقبل يتسم بالسلام الداخلي والوحدة. يشير الزُبيدي هنا إلى أن الوحدة الاجتماعية ضرورية قبل التفكير في أي تقدم سياسي أو اقتصادي، مؤكداً أن بناء دولة قوية لا يمكن أن يتم إلا من خلال تجاوز الانقسامات الداخلية والتحلي بروح الأخوة والتعاون.

الدعوات المتكررة للمصالحة والتسامح في خطاب الزُبيدي تمثل عنصرًا حيويًا في رؤيته لبناء مجتمع جنوبي متماسك. يُظهر الزُبيدي الوعي الكامل بأهمية تجاوز الخلافات والصراعات الداخلية التي شكلت جزءًا من تاريخ الجنوب في العقود الأخيرة. هذه الدعوات لا تقتصر على كسب الدعم السياسي، بل تمثل خطة استراتيجية لتعزيز اللحمة الاجتماعية بين أبناء الجنوب والعمل على تأسيس مجتمع يقوم على التسامح والشراكة.

التركيز على دور المرأة والشباب في المجتمع

إن خطاب السيد عيدروس الزُبيدي يعكس اهتمامًا خاصًا بدور المرأة والشباب في المجتمع الجنوبي، حيث يُبرزهم كعناصر أساسية في عملية التغيير الاجتماعي والسياسي. هذا التوجه يعكس استجابة للتحولات الاجتماعية التي يشهدها الجنوب في الآونة الأخيرة، حيث أصبح هناك وعي متزايد بأهمية تمكين المرأة والشباب في كافة المجالات السياسية والاجتماعية.

في خطابه في فعالية نسوية عام 2023، أكد الزُبيدي بقوة على أن “المرأة الجنوبية والشباب هم عماد المستقبل، ودورهم في بناء الدولة الجنوبية لا يقل أهمية عن دور القيادات السياسية.” هذه العبارة تُظهر بشكل جلي كيف أن الزُبيدي يولي اهتمامًا خاصًا لهذه الفئات، ويعترف بدورهم الحيوي في عملية البناء الوطني والسياسي في الجنوب. فهو يروج لفكرة أن بناء الدولة الجنوبية لن يكون ممكنًا إلا بمشاركة فعالة من المرأة والشباب، اللذين يشكلان العمود الفقري لأي تطور سياسي أو اجتماعي.

تُظهر هذه النصوص مدى التقدير الذي يخصه الزُبيدي للمرأة الجنوبية. فبدلاً من الاقتصار على النظر إليها كعنصر ثانوي في العملية السياسية، يضعها الزُبيدي في موقع الريادة والمشاركة المتساوية مع القيادات السياسية. يُعتبر هذا التوجه خطوة مهمة نحو تعزيز حقوق المرأة في المجتمع الجنوبي، ويعكس رغبة الزُبيدي في تمكين المرأة وتعزيز دورها في بناء مؤسسات الدولة الجنوبية، سواء على مستوى القيادة أو على مستوى التفاعل المجتمعي. بالإضافة إلى تمكين المرأة، يُبرز الزُبيدي أيضًا الشباب كعناصر محورية في تغيير الجنوب. الشباب في الجنوب يمثلون فئة كبيرة وطموحة تسعى إلى تحقيق التغيير والإصلاح في المجتمع. الزُبيدي يوجه خطابه إليهم باعتبارهم القوة المحركة للتغيير السياسي والاجتماعي، ما يساهم في إشراكهم بشكل أكبر في صياغة مستقبل الجنوب.

تبرز هذه الدعوات في خطاب الزُبيدي ضرورة تمكين المرأة والشباب كجزء لا يتجزأ من بناء الدولة الجنوبية المستقبلية. هذه النظرة تعكس تحولًا اجتماعيًا نحو الاعتراف بدور المرأة والشباب، وتسلط الضوء على أهمية تعزيز مشاركتهم الفعالة في الحياة السياسية والاجتماعية في الجنوب.

إن خطاب السيد عيدروس الزُبيدي يستفيد بشكل كبير من القيم الاجتماعية الراسخة مثل الفخر بالتراث والتضامن المجتمعي، حيث يدمج هذه القيم في سياق حديثه السياسي لتعزيز الشعور بالهوية الجنوبية المشتركة. من خلال إشادته بالمناطق المختلفة مثل حضرموت، يظهر الزُبيدي فهماً اجتماعياً عميقاً للحساسيات المحلية، مما يسهم في تقوية الروابط الاجتماعية بين مختلف المناطق الجنوبية.

في خطابه خلال زيارته لحضرموت في عام 2023، قال الزُبيدي: ” فحضرموت هي قلب الجنوب النابض وستكون كما يريد أبناؤها،.” هذه العبارة لا تقتصر فقط على الإشادة بالمكان، بل تسلط الضوء على دوره كمصدر إلهام، مما يعزز من الاحترام والاعتزاز بالتاريخ الثقافي والاجتماعي للمناطق الجنوبية. الزُبيدي يستغل هذه الرسالة لتعزيز فكرة التضامن بين مختلف المناطق الجنوبية، ويعزز الاحساس بالوحدة المشتركة التي تتجاوز الخلافات المحلية.

كما أضاف في خطاب آخر: “ثقافتنا وعاداتنا هي ما يميزنا كشعب جنوبي، وعلينا أن نحافظ عليها للأجيال القادمة.” ومن خلال هذه الكلمات، يعزز الزُبيدي من فكرة ضرورة الحفاظ على الهوية الثقافية للجنوب كعنصر حاسم في بناء المستقبل، وهو ما يعكس إدراكه لأهمية التراث في وحدة الشعب الجنوبي. كما قال أيضًا: “الجنوب كان وسيظل مهد القيم والعادات التي نفتخر بها.” وهذا يشير إلى أن الزُبيدي يعتبر قيم الجنوب جزءاً لا يتجزأ من نضالهم السياسي والوطني، مما يعزز من وحدة المجتمع الجنوبي في مواجهة التحديات التي قد تهدد هذه الوحدة.

الاعتزاز بالهوية الاجتماعية يستخدم الزُبيدي هذه القيم الاجتماعية الراسخة لتعزيز الهوية الجنوبية، ما يعكس وعيه بأهمية ترسيخ هذا الانتماء في أذهان الجماهير. في ظل التحديات السياسية والاجتماعية التي يواجهها الجنوب، يتأكد الزُبيدي من أنه يعيد للأجيال الجديدة الإحساس بالفخر بتاريخهم وثقافتهم. هذا الفخر يعزز من التماسك الاجتماعي ويساهم في تعزيز الوحدة الوطنية بين مختلف المناطق.

إشادة بالمناطق الجغرافية كجزء من الهوية المشتركة إشادة الزُبيدي بحضرموت ك “القلب النابض” للجنوب تعد رسالة موجهة للتأكيد على وحدة الشعب الجنوبي رغم تنوعه الجغرافي. يُظهر ذلك قدرة الزُبيدي على فهم الحساسيات المحلية، وهو ما يعزز استجابة الجماهير في المناطق المختلفة ويحفز الشعور المشترك بالمصلحة الوطنية.

مما سبق تبين أن: خطاب عيدروس الزُبيدي يُظهر فهمًا عميقًا للسياق الاجتماعي في الجنوب. من خلال التركيز على الهوية الاجتماعية، والاحتياجات الملحة، والمصالحة، وتمكين المرأة والشباب، يعكس الخطاب استجابة واعية لتطلعات ومخاوف المجتمع الجنوبي. هذه الاستراتيجية تساعد على بناء قاعدة شعبية متينة وتعزيز التماسك الاجتماعي كجزء من مشروعه السياسي.

ثالثا: السياق العاطفي Emotional context: 

هو الذي يحدد طبيعة استعمال الكلمة بين دلالتها الموضوعية – التي تفيد العموم – ودلالتها العاطفية – التي تفيد الخصوص- فيحدد درجة القوة والضعف في الانفعال، مما يقتضي تأكيداً أو مبالغةً أو اعتدالاً. كما تكون طريقة الأداء الصوتية كافية لشحن المفردات بالكثير من المعاني الانفعالية والعاطفية؛ كأن تُنطَق وكأنها تمثِّل معناها تمثيلاً حقيقياً. ولا يخفى ما للإشارات المصاحبة للكلام في هذا الصدد من أهمية في إبراز المعاني الانفعالية.

ويتسم خطاب عيدروس الزُبيدي بتركيزه على البعد العاطفي للمجتمع الجنوبي، حيث يسعى إلى التأثير على الحالة العاطفية والنفسية للجماهير من خلال استخدام لغة تعبّر عن تطلعاتهم ومخاوفهم وآمالهم. هذا النهج يعزز الروابط النفسية بين القائد والجمهور، ويوفر شعورًا بالأمل والانتماء. فيما يلي تحليل لأهم الجوانب النفسية في خطاب الزُبيدي مع الاستدلال بنصوص من خطابه:

بث الأمل في المستقبل

إن خطاب السيد عيدروس الزُبيدي يعكس بوضوح تركيزًا على تعزيز الأمل في نفوس الجنوبيين، لا سيما في ظل التحديات السياسية والاقتصادية التي يواجهونها. الزُبيدي يستثمر في هذا الأمل كأداة تحفيزية، لرفع معنويات الشعب الجنوبي ودفعهم لمواصلة نضالهم وتحقيق تطلعاتهم. نحو قوله: “الأيام القادمة تحمل بشائر الخير لشعبنا الجنوبي، وسنعمل بلا كلل لتحقيق تطلعاتكم في الحرية والكرامة.” وقوله: ” نحن على مشارف مرحلة جديدة، ستشهدون فيها استعادة الحقوق كاملة غير منقوصة…..وبإرادتنا الجماعية، سنبني جنوبًا يليق بتضحيات أبطالنا.”

تكرار الزُبيدي لعبارات مثل “بشائر الخير” و”مرحلة جديدة” يهدف إلى زرع الأمل في نفوس الجنوبيين. في سياق تاريخي يشهد على الصراعات السياسية والاقتصادية التي يعيشها الجنوب، تسهم هذه العبارات في رفع معنويات الشعب، مما يجعلهم يشعرون أن الفرج قريب وأن الجهود المبذولة ستؤتي ثمارها في القريب العاجل. استخدام “بشائر الخير” هو بمثابة وعد بتغيير إيجابي قادم، وهو ما يحفز الأفراد والجماهير على الاستمرار في النضال والعمل.

إن الحديث عن “استعادة الحقوق كاملة غير منقوصة” في خطاب الزُبيدي يمثل إشارة قوية إلى عدم القبول بأي حلول جزئية أو تفاهمات يمكن أن تهمش حقوق الجنوبيين. هذا التوجه يُظهر التزام الزُبيدي بتحقيق تطلعات شعبه بشكل كامل ويُحمل رسائل تفاؤل بأن النضال في طريقه لتحقيق أهدافه. فكرة “استعادة الحقوق” ترتبط بالأمل المستقبلي، حيث يُنظر إلى المستقبل بوصفه فرصة لتحقيق العدالة والاستقرار، مما يعزز الثقة في القيادة.

الحديث عن “إرادتنا الجماعية” يُبرز أهمية الوحدة والتعاون بين جميع أفراد الشعب الجنوبي في بناء مستقبلهم. هذه العبارة تعكس رؤية زبيدي للمجتمع الجنوبي ككتلة واحدة تسعى نحو هدف مشترك: بناء دولة قوية ومستقرة تتناسب مع تضحيات أبطال الجنوب. بناء على هذه الرؤية، يتم تحفيز الشعب الجنوبي للعمل معًا لتحقيق المستقبل الذي يستحقونه.

نلمح أن التركيز على الأمل والتفاؤل في خطابات الزُبيدي يُعتبر أحد أبرز الأساليب التي يعتمدها لتعزيز الروح المعنوية للجماهير الجنوبية. باستخدام مفردات مثل “بشائر الخير” و”مرحلة جديدة”، يخلق الزُبيدي جوًا من الإيجابية والتوقعات العالية بالمستقبل، مما يساهم في تحفيز الشعب على الصبر والتحمل في مواجهة التحديات الراهنة.

تقليل مشاعر الإحباط والخوف

إن خطاب السيد عيدروس الزُبيدي في سياق الأزمات يظهر بوضوح استراتيجياته لطمأنة الجمهور وتعزيز الثقة في النفس رغم التحديات الصعبة. الزُبيدي يستخدم لغة إيجابية ومطمئنة تهدف إلى تقليل مشاعر الإحباط والخوف، مما يساعد في الحفاظ على الروح المعنوية لشعب الجنوب في مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية. إن رسائله لا تقتصر على التأكيد على صمود الجنوب، بل تتعدى ذلك إلى تصوير التحديات كمرحلة مؤقتة يمكن التغلب عليها. نحو قوله: “رغم كل التحديات والمؤامرات، نحن صامدون ولن نتراجع عن حقوقنا المشروعة.” وقوله: ” لا يمكن للضغوط أن تُسقط إرادة الشعوب، ونحن هنا صامدون في وجه كل التحديات. المحن التي نعيشها اليوم ليست إلا مرحلة مؤقتة سنخرج منها أقوى مما كنا.”

الزُبيدي يُظهر في خطابه أن الجنوب لن يتراجع عن حقوقه مهما كانت التحديات. باستخدام كلمة “صامدون”، يُعبّر عن مقاومة الشعب الجنوبي لكل محاولات الضغط والتهديدات. هذه اللغة تحمل رسالة واضحة للجماهير مفادها أن الصمود هو السبيل الوحيد، مما يعزز القناعة بأن هناك قوة جماعية قادرة على مواجهة أي صعوبات.

التأكيد على أن “المحن التي نعيشها اليوم ليست إلا مرحلة مؤقتة” يعكس رؤية الزُبيدي بأن الوضع الصعب الذي يعيشه الجنوب اليوم ليس مستمرًا، بل سيكون هناك تحول إيجابي في المستقبل. هذا الكلام يُساهم في تخفيف القلق لدى الجمهور، ويُعطي الأمل في أن التحديات الحالية ستنتهي قريبًا.

خطاب الزُبيدي في سياق الأزمات يعكس قدرة القيادة على مواجهة التحديات بنهج نفسي إيجابي. من خلال رسائل طمأنة مثل “صامدون” و “مصيرنا النصر”، يعمل الزُبيدي على تقوية الروح المعنوية للشعب الجنوبي، مما يقلل من مشاعر الإحباط والقلق ويشجع على الاستمرار في النضال رغم الصعوبات.

تعزيز الشعور بالفخر والانتماء والثقة بالنفس

التركيز على تاريخ الجنوب وبطولاته يعزز الشعور بالفخر والانتماء لدى الجمهور. هذه العبارات تهدف إلى رفع معنويات المجتمع الجنوبي من خلال ربطهم بماضٍ مشرف يتيح لهم استشراف مستقبل مشرق، قوله: ” نحن أبناء الجنوب نمتلك إرثًا حضاريًا عظيمًا، وتاريخنا مليء بالملاحم والبطولات التي ألهمت أجيالًا فأنتم الشعب الذي لا يُهزم، بإيمانكم وعدالتكم ستصلون إلى ما تطمحون إليه

إن الخطاب أعلاه يستهدف تعزيز ثقة الجنوبيين بأنفسهم، مستخدمًا عبارات تُبرز قوتهم وقدرتهم على تحقيق الأهداف. هذا الجانب النفسي يعكس وعيًا بأهمية الثقة كعنصر رئيسي في تحفيز المجتمعات للنهوض. نحو قوله: ” بيحان شبوة ستظل هي (الرقم الأصعب جنوبياً) ومعركتها ليست معركة إثبات أن شبوة قدمت وتقدم كل يوم قوافل من الشهداء لأجل الجنوب، بل هي معركة فاصلة طالما أحس العدو الغاشم أنها مربط الفرس والغاية التي شاركه فيها بعض أطراف الحكومة اليمنية المؤقتة…فبيحان لا تحتاج الا الى التحرير، ونحن أهل ً لخوض غمار معركة تحريره بالشراكة مع اهله الأبطال. فهذه أرضنا وهذا تاريخنا وحقنا غير المنقوصل جنوبي يفتخر بانتمائه لهذه الأرض التي لم تعرف الخضوع في يوم من الأيام“.

النص أعلاه يجسد أن بيحان وشبوة تمثلان رمزاً للصمود والنضال الجنوبي، حيث تؤكد مكانتهما كجزء أساسي في معركة التحرر الوطني. النص يُبرز بيحان بوصفها “الرقم الأصعب” جنوبياً، ما يعكس دورها المحوري في مواجهة التحديات التي تقف في طريق استعادة الحقوق الجنوبية.

الصراع في بيحان يتجاوز كونه معركة عسكرية لتحرير الأرض، ليشمل أبعاداً سياسية واستراتيجية أعمق. النص يشير إلى وجود دعم لبعض الأطراف من الحكومة اليمنية المؤقتة للعدو، مما يبرز تعقيد المشهد الجنوبي وحتمية التصدي لهذه التدخلات لتحقيق أهداف التحرر.

بيحان تحمل رمزية تاريخية قوية، إذ يصفها النص بأنها أرض لم تعرف الخضوع، وهو ما يعزز ارتباطها بالهوية الجنوبية ويدعم حق الجنوبيين في استعادة هذه الأرض بوصفها جزءاً أصيلاً من تاريخهم وحقوقهم غير القابلة للتفاوض.

النص يؤكد على أهمية الشراكة مع أبناء بيحان في معركة تحريرها، مما يُبرز قيم الوحدة والتعاون بين القيادة الجنوبية وسكان المنطقة. هذه الروح النضالية المشتركة تعكس قوة الترابط والتلاحم لتحقيق التحرير الكامل للأرض الجنوبية.

النتائج والتوصيات

تحت عنوان (الابعاد التداولية في الخطاب السياسي، خطاب السيد عيدروس الزُبيدي نموذجًا) انطلقت هذا الدراسة المتواضعة؛ لرصد أهداف الخطاب السياسي للزبيدي وتحليل آليات واستراتيجيات ومحرکات الاتصال والتواصل الاقناعي، وما يتضمنه من العلاقات والقوى الفاعلة المتضمنة والمؤشرات الزمنية الدالة على الخطاب، بالإضافة إلى رصد أهداف الأفعال الکلامية والتعرف على مسارات البرهنة الواردة في خطاب السيد عيدروس الزُبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي.

أولا: النتائج

توصلت الدراسة في نهايتها إلى مجموعة من النتائج حول ما طُرح من أسئلة بحثية في موضوع الأبعاد التداولية في خطاب عيدروس، وتتمثل هذه النتائج فيما يلي:

  1. اللغة في خطاب عيدروس الزُبيدي تقريرية، تسعى إلى تحقيق غاية محددة ترتبط بواقع الجماعة وأهدافها المستقبلية. يحمل خطاب الزُبيدي عناصر الثبات دون أن يُلغي الآخر أو يرفضه؛ لذلك يدعو دائمًا إلى الحوار والتفاهم، للوصول إلى نقاط مشتركة وحلول للمشكلات التي يمر بها الوطن.
  2. إنّ الخطاب لم يعد مجرد قول لفظي يتميز بمظهرية تعتمد على اللغة كأساس، بل يتجاوز ذلك ليعكس توجّهات سياسية ودينية وقيمية ذات قصدية واضحة، تسعى إلى زرع قيم محدّدة، وتثبيت رؤية معينة، أو ثني المتلقي عن أمر ما. إنه خطاب فِكر مركب من سلسلة من العمليات العقلية الجزئية، التي يرتبط بعضها ببعض في سياق تواصلي محدّد، وفي إطار لغة مشتركة بين مُرسِل الخطاب وجمهوره. بذلك، تتحقق وظيفة التواصل، وهي التأثير في المتلقي وإقناعه بمضمون الرسالة أو قصد المُرسِل.
  3. يستخدم الزُبيدي في خطاباته تشكيلات لغوية متعددة، ويظهر مفهوم التداولية بشكل بارز فيها؛ بدءًا من الإشاريات والإحالات المرتبطة بالشخصية والمكان والزمان، وصولًا إلى الإشاريات الاجتماعية، وانتهاءً بالفعل الكلامي الذي يتميز بكونه فعلًا لفظيًا، إنجازيًا، وتأثيريًا.
  4. تُعد اللغة نطاقًا تواصليًا ونسقًا اجتماعيًا، حيث تركز التداولية على مُنتِج الخطاب، ومتلقّيه، وبيئة إنتاجه، وأفق تلقّيه. ويتم الاعتماد على السياق لفهم الإشاريات المكانية، والزمانية، والشخصية، والاجتماعية، وغيرها من الإشاريات التي استخدمها مُرسِل الخطاب لتأطير الرسالة، وتوصيفها في أبعادها المطلوبة. كما أن هذه الإشاريات تسهم في فهم خلفية الخطاب والعلاقات المختلفة المؤثرة فيه، مما يجعل المتلقي حاضرًا، متأملًا، ومدركًا لأبعاد الخطاب. إضافةً إلى ذلك، تعبّر أفعال الكلام عن قصدية مُرسِل الخطاب، وتتحوّل إلى قوة إنجازية عندما يتحوّل الخطاب إلى سلوك عملي.
  5. تساهم الإشاريات في تأسيس العلاقة الوطنية والنضالية والاجتماعية بين المُرسِل وجمهوره، كما تؤشر إلى الانتماء لجماعة المضحين والمقاومين، في مقابل جماعة المحبطين والمتخاذلين. ويظهر في الخطاب الجمع بين المتكلم والمخاطب، مما يعكس الوظائف التداولية والقصدية التي تهدف إلى موافقة الخطاب لمقتضى الحال. يرى الجمهور نفسه، من خلال هذا الخطاب، كجمهور مقاوم ومضحٍ، يتمايز عن أولئك الذين يقفون في الطرف الآخر.
  6. هناك مجموعة من العوامل السياقية التي تتحكم في استخدام الإشاريات الاجتماعية، ومنها: مكانة الشخصيات التي يتحدث عنها الخطاب، وقيمتها، وطبيعة العلاقة بين مُرسِل الخطاب والمتلقين، بالإضافة إلى علاقة الجمهور بهذه الشخصيات. وقد ساهمت هذه الإشاريات في فهم الأبعاد والمقاصد التي يسعى الخطاب إلى تحقيقها، بهدف تعزيز الروابط بين القيادة والجمهور، وجذبهم إلى استكمال مسيرة هؤلاء القادة.
  7. تُظهر الأفعال التعبيرية في الخطاب دائمًا اعتزاز مُرسِل الخطاب وفخره بالتاريخ والهوية، وحبه العميق للجمهور، وافتخاره بالشهداء والمضحّين في سبيل القضية.

المصادر والمراجع

  • المصادر والمراجع
  • آفاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر، محمود أحمد نحلة دار المعرفة الجامعية، مصر،2002
  • ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، 1997م، مادة (د و ل)، ج11
  • الإبهام والمبهمات في النحو العربي، إبراهيم بركات، دار الوفاء للنشر، مصر، 1987:
  • الاتجاهات المعاصرة في العلوم السياسية، هايل عبد المولى طشوش، دار البليدة، 2014م، ط1
  • استراتيجيات الخطاب مقاربة لغوية تداولية، عبد الهادي الشهري، بيروت، دار الكتاب الجديد، ط1، 2004م
  • بلاغة الخطاب وعلم النص، عمر أبو خرمة، لونجمان، القاهرة، ط1، 1996م،
  • تحليل الخطاب الأدبي (دراسة تطبيقية)، براهيم صحراوي،  دار الآفاق، الجزائر، ط1، 1999م،
  • تحليل الخطاب الروائي، سعيد يقطين، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط/4، 2005م.
  • التداولية اصولها واتجاهاتها، التداولية أصولها واتجاهاتها، جواد ختام / دار كنوز المعرفة – الاردن – 2016: ص91
  •  التداولية، جورج يول، تر: د. قصي العتابي، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، بيروت
  • التداولية اليوم، جاك روبول، ترجمة سيف الدين دغموس، دار الطليعة، بيروت، ط1، 2003م.
  • التداولية عند علماء العرب، دراسة تداولية للأفعال الكلامية في التراث اللساني العربي، مسعود صحراوي، دار الطليعة، بيروت، ط1، 2005م.
  •  
  • الموضوعات الحجاجية الكبرى في المغرب، محمد الولي، مجلة علامات، المغرب، العدد 19، 2004م.
  • النص والخطاب والإجراء، دي بوجراند، ترجمة د. تمام حسان، عالم الكتب، القاهرة، ط1، 1998م.
  • النص والخطاب والاتصال، محمد العبد، الأكاديمية الحديثة للكتاب الجامعي، القاهرة، ط1، 2005م
  • النص والسياق، استقصاء البحث في الخطاب الدلالي والتداولي، فان ديك ترجمة عبد القادر قنيني، إفريقيا الشرق، المغرب، د ،ط ،2000 ص 227
  • الوظائف التداولية في اللغة العربية، أحمد المتوكل، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1985م.
  • بلاغة الخطاب وعلم النص، صلاح فضل، لونجمان، القاهرة، ط1، 1996م
  • بلاغة الخطاب وعلم النص، عمر أبو خرمة، لونجمان، القاهرة، ط1، 1996م
  • تجديد المنهج في تقويم التراث، طه عبد الرحمن، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط2، 2005م.
  • تحليل الخطاب الأدبي: دراسة تطبيقية، إبراهيم صحراوي، دار الآفاق، الجزائر، ط1، 1999م
  •   تحليل الخطاب الشعري، د. محمد مفتاح، المركز الثقافي العربي، ط4، المغرب، الدار البيضاء، 2005م.
  • تحليل الخطاب الروائي، سعيد يقطين، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط4، 2005م.
  • تجديد المنهج في تقويم التراث، طه عبد الرحمن المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط/2، 2005م،
  • تحليل الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية، بلخير عمر، منشورات الاختلاف، ط،1 ،2003 ص.68
  • تمثلات اللغة في الخطاب السياسي، عيسى عودة برهومة
  • خطاب الخطاب، جابر عصفور، دار مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، دبي، الإمارات، 1999م،
  • الخطاب والنص (المفهوم والعلاقة)، عبد الواسع الحميري المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 2008م.
  • خطاب الخطاب، جابر عصفور، دار مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، دبي، الإمارات، 1999م
  • دراسة المعنى عند الأصوليين، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1981. د. طاهر حمودة
  •   العقل واللغة والمجتمع، جون سيرل، ترجمة سعيد الغانمي – منشورات الاختلاف – الجزائر – 2006:
  • علم الدلالة عند العرب، دراسة مقارنة مع السيماء الحديثة، عادل فاخوري، دار الطليعة، بيروت ط/2، 1994م،
  • علم الدلالة، أحمد مختار عمر: أستاذ علم اللغة في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، الناشر عالم الكتاب، الطبعة الثانية 1988، شارع عبد الخالق ثروت – القاهرة.
  • علم اللغة بين القديم والحديث، عاطف مذكور، دار الثقافة، 1976،
  •     الفعل بالكلمات، جون اوستن / ترجمة: طلال وهبة – هيئة البحرين للثقافة والاثار – المنامة –  2019
  • في تداولية الخطاب الأدبي المبادئ والإجراء، نواري سعودي أبو زيد، بيت الحكمة، الجزائر، ط1، 2009م.
  • في اللسانيات التداولية مع محاولة تأصيلية في الدرس العربي القديم. خليفة بوجادي الجزائر 2007.
  • قضايا اللغة العربية في اللسانيات الوظيفية – بنية الخطاب من الجملة إلى النص، أحمد المتوكل، الرباط، 2001م 0
  • قضايا اللغة العربية في اللسانيات الوظيفية – البنية التحتية أو التمثيل الدلالي التداولي، أحمد المتوكل، دار الأمان، الرباط، 1995م.
  • لسان العرب، ابن منظور أبو الفضل جمال الدين محمد، دار المعارف، القاهرة، ج14، مادة خطب.
  • لسانيات التلفظ وتداولية الخطاب، ذهبية حمو الحاج، دار الأمل للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، د.ط، 2005م.
  • لسانيات النص (مدخل إلى انسجام الخطاب)، محمد خطابي، ط2، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، 2006
  • لسانيات النص إلى انسجام الخطاب، محمد خطابي، المركز الثقافي العربي، الكويت، ط1، 1991م.
  • لغة التربية – تحليل الخطاب البيداغوجي، أوليفي روبو، ترجمة عمر أوكان، مكتبة أفريقيا الشرق، 2002م.
  • موسوعة السياسة، عبد الوهاب الكيالي، ج/3، المؤسسة العربية للدارسات والنشر، الأردن، ط3، 1993.
  • معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عمر، عالم الكتب، القاهرة، مصر، ط1، 2008، مج2
  • معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، سعد علوش، دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان، د.ط، 1985
  • موسوعة السياسة، عبد الوهاب الكيالي، ج3، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الأردن، ط3، 1993
  •   النص والخطاب والإجراء، روبرت دي بوجراند، ترجمة تمام حسان، عالم الكتب، القاهرة، ط،1 ،1998م. 
  • النص والسياق استقصاء البحث في الخطاب الدلالي والتداولي، فان ديك، تر: عبد القادر قنيني، افريقيا الشرق، -الدار البيضاء، المغرب، 2000م.
  •   نسيج النص، الأزهر الزناد، المركز الثقافي العربي، بيروت
  • نظرية الأفعال الكلامية في ظل جهود أوستين، يسمينة عبد السلام، مجلة المحبر، العدد العاشر، جامعة بسكرة الجزائر- السنة 2014م.
  • الوظائف التداولية في اللغة العربية، أحمد المتوكل دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، المغرب، 1ط، ،1985م.

[1] التداولية عند علماء العرب، دراسة تداولية للأفعال الكلامية في التراث اللساني العربي، مسعود صحراوي، دار الطليعة، بيروت ط1 2005م، ص67

[2] تحليل الخطاب الروائي، سعيد يقطين، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط/4، 2005م، ص15

[3] خطاب الخطاب، جابر عصفور، دار مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، دبي، الإمارات، 1999م، ص35

[4] بوجادي، 2009م، ص 65)

[5] ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، 1997م، مادة (د و ل)، ج11، ص252.

[6] الزمخشري، 1998م، ج 1، ص 303

[7] التداولية عند علماء العرب، دراسة تداولية للأفعال الكلامية في التراث اللساني العربي، مسعود صحراوي، دار الطليعة، بيروت ط1 2005م، ص67

[8] نظرية الأفعال الكلامية في ظل جهود أوستين، يسمينة عبد السلام، مجلة المحبر، العدد العاشر، 2014م، جامعة بسكرة الجزائر ص99.

[9] قضايا اللغة العربية في اللسانيات الوظيفية البنية التحتية أو التمثيل الدلالي التداولي، أحمد المتوكل، دار الأمان، الرباط، 1995م ص19

[10] بلاغة الخطاب وعلم النص، صلاح فضل، لونجمان، القاهرة، ط1، 1996م، ص25.

[11] استراتيجيات الخطاب مقاربة لغوية تداولية، عبد الهادي الشهري، بيروت، دار الكتاب الجديد، ط1، 2004م، ص22

[12]  التداولية اليوم علم جديد في التواصل، آن رو بول، جاك موشالر ص .31

[13] ينظر: المدارس اللسانية المعاصرة ، نعمان بوقرة، ا مكتبة الآداب ، القاهرة ، مصر، ص ، ت د ، ط د .

[14] النص والخطاب والإجراء، دي بوجراند، ترجمة د. تمام حسان، عالم الكتب، القاهرة، ط/1، 1998م، ص39

[15] التداولية اليوم علم جديد في التواصل، آن رو بول، جاك موشالر ص .53

[16] التداولية اليوم، جاك روبول، ترجمة سيف الدين دغموس، دار الطليعة، بيروت، ط1، 2003م، ص54

[17] علم الدلالة عند العرب، دراسة مقارنة مع السيماء الحديثة، عادل فاخوري، دار الطليعة، بيروت ط/2، 1994م، ص70

[18] لسانيات النص إلى انسجام الخطاب، محمد خطابي،  ص51

[19] المقاربة التداولية، أرمينكو، فرانسواز، ص45

[20] آفاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر، محمود أحمد نحلة، ص21

[21] آفاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر، محمود أحمد نحلة،  ص33.

[22] ينظر: التداولية عند العلماء العرب، دراسة تداولية لظاهرة الأفعال الكلامية في التراث اللساني العربي، مسعود صحراوي، دار الطليعة، بيروت، لبنان، ط،1 ،2005 ص.27

[23] قضايا اللغة العربية في اللسانيات الوظيفية، بنية الخطاب من الجملة إلى النص احمد المتوكل، دار الايمان للنشر والتوزيع، الرباط، المغرب د ، ط، 2001 ، ص 110

[24] الوظائف التداولية في اللغة العربية، أحمد المتوكل دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، المغرب، 1ط ، ،1985 ص .69

[25] المرجع نفسه، ص28

[26] الوظائف التداولية في اللغة العربية، أحمد المتوكل، ص 1

[27] المرجع نفسه، ص1

[28] لسان العرب، ابن منظور أبو الفضل جمال الدين محمد دار المعارف القاهرة، ج14، مادة خطب ص354

[29] النص والخطاب والإجراء، دي بوجراند، ترجمة د. تمام حسان، عالم القاهرة، ط/1، 1998م، ص73.

[30] معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، سعد علوش دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان، د ط،1985، ص83

[31] النص والخطاب والاتصال، محمد العبد الأكاديمية الحديثة للكتاب الجامعي، القاهرة، ط/1، 2005م، ص7

[32] قضايا اللغة العربية في اللسانيات الوظيفية -بنية الخطاب من الجملة إلى النص، أحمد المتوكل، الرباط، 2001م، ص21

[33] لغة التربية – تحليل الخطاب البيداغوجي، أوليفي روبو، ترجمة عمر أوكان، مكتبة أفريقيا الشرق، 2002م، ص41

[34] تحليل الخطاب الروائي، سعيد يقطين، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط/4، 2005م، ص15

[35] خطاب الخطاب، جابر عصفور، دار مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، دبي، الإمارات، 1999م، ص35

[36] تحليل الخطاب الأدبي: دراسة تطبيقية* إبراهيم صحراوي، دار الآفاق، الجزائر، الطبعة الأولى، 1999، ص 10.

[37] الخطاب والنص (المفهوم والعلاقة)، عبد الواسع الحميري المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 2008م، ص90

[38] ينظر: تمثلات اللغة في الخطاب السياسي، عيسى عودة برهومة، ص 24

 

[40] الاتجاهات المعاصرة في العلوم السياسية هايل عبد المولى طشوش_ – دار البليدة – ناشرين و موزعين 2014 م ط.1ص15 .

[41] ينظر: الموضوعات الحجاجية الكبرى في المغرب محمد الولي، مجلة علامات،  المغرب، العدد 19، 2004 ، ص 124

[42] موسوعة السياسة، عبد الوهاب الكيالي، ج/3، المؤسسة العربية للدارسات والنشر، الأردن، ط3، 1993، ص 362.

[43] معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عمر، عالم الكتب، القاهرة، مصر، ط1،  2008، مج/2، ص 1134

[44] تحليل الخطاب الأدبي (دراسة تطبيقية)، براهيم صحراوي،  دار الآفاق، الجزائر، ط1، 1999م، ص18

[45] لسانيات النص مدخل إلى انسجام الخطاب، محمد خطابي، المركز الثقافي العربي، الكويت، ط1، 1991م، ص23

[46] بلاغة الخطاب وعلم النص، عمر أبو خرمة، لونجمان، القاهرة، ط1، 1996م، ص43

[47] في تداولية الخطاب الأدبي المبادئ والإجراء، نواري سعودي أبو زيد، بيت الحكمة، الجزائر، ط1، 2009م، ص29

[48]   ينظر: عبد الرحمن بن ضافر الشهري، إستراتيجيات الخطاب،مقاربة لغويـة تداوليـة، دار الكتـب المنحـة الجديـدة بنغـازي، ط ،1 ،2004ص.81 ص 80-79

[49] التداولية، جورج يول، تر: د. قصي العتابي، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، بيروت، 2010: 27.

[50] ينظر: الإبهام والمبهمات في النحو العربي، إبراهيم بركات، دار الوفاء للنشر، مصر، 1987: 33.

[51] ينظر: تحليل الخطاب الشعري، د. محمد مفتاح، المركز الثقافي العربي، ط4، المغرب، الدار البيضاء، 2005: 151.

[52] ينظر: نسيج النص، الأزهر الزناد، المركز الثقافي العربي، بيروت: 116.

[53] ينظر: تحليل الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية، بلخير عمر، منشورات الاختلاف، ط،1 ،2003 ص.68

[54]  ينظر: تحليل الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية، بلخير عمر، منشورات الاختلاف، ط،1 ،2003 ص.68

[55]  اللغة العربية معناها ومبناها حسان، ص.204

[56] النص والخطاب والإجراء، روبرت دي بوجراند، ترجمة تمام حسان، عالم الكتب، القاهرة، ط،1 ،1998 ص.333

[57] ينظر: التداولية: 34-36. وآفاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر:19. والخطاب الشعري في أطلس المعجزات: 61.

[58] ينظر: استراتيجيات الخطاب مقاربة لغوية تداولية، عبد الهادي بن ظافر، دار الكتاب الجديد، ط1، بيروت،2004: 83.

[59] ينظر: آفاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر، محمود أحمد نحلة، دار المعرفة الجامعية، 2006.: 21.

[60] ينظر: آفاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر: 21.

[61] ينظر: التداولية عند العلماء العرب، مسعود صحراوي: 22 وما بعدها

[62] ينظر المصدر نفسه : 28

[63] تجديد المنهج في تقويم التراث، طه عبد الرحمن المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط/2، 2005م، ص144

[64] ينظر: الفعل بالكلمات، جون اوستن / ترجمة: طلال وهبة – هيئة البحرين للثقافة والاثار – المنامة –  2019 ص: 23 

[65] ينظر: نظرية أفعال الكلام العامة، ترجمة عبد القادر قنيني، الدار البيضاء، إفريقيا الشمالية، ،1991.

: 14- 16

[66] نظرية أفعال الكلام العامة، ترجمة عبد القادر قنيني، الدار البيضاء، إفريقيا الشمالية، ،1991.: 111

[67] تحليل الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية ، عمر بلخير / منشورات الاختلاف – الجزائر- ط 2 – 2003:ص 155

[68] نظرية أفعال الكلام العامة، ترجمة عبد القادر قنيني، ،الدار البيضاء، إفريقيا الشمالية، ،1991.

89

5 افاق جديدية في البحث اللغوي المنعاصر، دار المعرفة الجامعية، مصر،2002، ص:44

[70] ينظر: نظرية الافعال الكلامية في ظل جهود اوستن، يسمينة عبد السلام : 109 – 110

[71] تحليل الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط 1، ،2003 ص .161-160

[72] التداولية اصولها واتجاهاتها، التداولية أصولها واتجاهاتها، جواد ختام / دار كنوز المعرفة – الاردن – 2016: ص91

[73] التداولية اصولها واتجاهاتها، جواد ختام: 92

[74] ينظر العقل واللغة والمجتمع، جون سيرل، ترجمة سعيد الغانمي – منشورات الاختلاف – الجزائر – 2006: 217 – 219،

[75] ، النص والسياق، استقصاء البحث في الخطاب الدلالي والتداولي، فان ديك ترجمة عبد القادر قنيني، إفريقيا الشرق،

المغرب، د ،ط ،2000 ص 227

[76] مدخل إلى علم الدلالة، سالم شاكر ص 31.

[77] مدخل إلى علم الدلالة الألسني، موريس أبو ناضر ،  ص

[78] مجلة الفكر العربي المعاصر، العددج رقم 18/19،السنة 1982

[79]  معجم المصطلحات الأدبية، إعداد: إبراهيم فتحي، دار شرقيات للنشر والتوزيع، الطبعة أولى 2000،

[80] علم الدلالة، أحمد مختار عمر: أستاذ علم اللغة في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، الناشر عالم الكتاب، الطبعة الثانية 1988، شارع عبد الخالق ثروت – القاهرة.

[81] دراسة المعنى عند الأصوليين، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1981. د. طاهر حمودة، دراسة المعنى، 214

[82] ينظر: النص والإجراء والخطاب، روبرت دي بوغراند، تر/ تمام حسان، ط1، عالم الكتب، القاهرة، مصر، 1998، ص/91.

[83]ينظر: المرجع نفسه، ص/91.

[84]علم اللغة (مقدمة للقارئ العربي)، محمود السعران، ص/310.

[85]المرجع نفسه، ص/311.

[86]لسانيات النص (مدخل إلى انسجام الخطاب)، محمد خطابي، ط2، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، 2006، ص/297.

[87] ينظر: علم الدلالة، أحمد مختار عمر، ص/70،71.

[88]علم اللغة بين القديم والحديث، عاطف مذكور، دار الثقافة، 1976، ص/214.

[89] عبد الهادي بن ظافر الشهري ، استراتيجيات الخطاب، ص 4

[90] عبد الهادي بن ظافر الشهري، استراتيجيات الخطاب، ص 4

[91] » (الشهري، 2004م، ص 80).

[92]

[93] خطاب رئيس الانتقالي الجنوبي في الذكرى الأولى لتأسيس المجلس

الخميس 03/مايو/2018 م

[94]

[95] » (نحلة، 2002م، ص 21).

[96] )  خطاب السيد عيدروس الزُبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظة  حضرموت /http://stcaden.com

[97]

[98] ملحق رقم(6) خطاب السيد القائد  عيدروس الزُبيدي  في مهرجان يافع الجماهيري اليوم الخميس  -02/05/2019

[99] ) http://stcaden.com/ خطاب السيد الزُبيدي في اجتماع المقاومة الجنوبية في العاصمة عدن في يوم 2019م

[100] خطاب بمناسبة الذكرى  الحادية والخمسين للاستقلال الوطني المجيد  في الثلاثين من نوفمبر 1967م

[101] خطاب السيد القائد /عيدروس الزُبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظة المهرة في يوم الأحد 29 أكتوبر 2017م

[102]خطاب رئيس الانتقالي الجنوبي في الذكرى الأولى لتأسيس المجلس الخميس 03/مايو/2018 م

[103] خطاب رئيس الانتقالي الجنوبي في الذكرى الأولى لتأسيس المجلس الخميس 03/مايو/2018 م

[104]) خطاب السيد في مدينة زنجبار عاصمة محافظة أبين، بمناسبة تدشين المجلس الانتقالي الجنوبي http://stcaden.com

[105] ) http://stcaden.com/ خطاب السيد عيدروس في ذكرى الاستقلال من الاحتلال البريطاني 30 نوفمبر 1967م

[106] خطاب رئيس الانتقالي الجنوبي في الذكرى الأولى لتأسيس المجلس

الخميس 03/مايو/2018 م

[107] ) http://stcaden.com/ خطاب السيد الزُبيدي في اجتماع المقاومة الجنوبية في العاصمة عدن في يوم 2019م

[108] خطاب السيد الزُبيدي بمناسبة ذكرى ثورة 14 أكتوبر

2024-10-13 20:57

[109] ملحق رقم (3)

خطاب رئيس الانتقالي الجنوبي في الذكرى الأولى لتأسيس المجلس

الخميس 03/مايو/2018 م

[110] خطاب السيد القائد  عيدروس الزُبيدي  في مهرجان يافع الجماهيري اليوم الخميس  -02/05/2019

[111] خطاب السيد القائد  عيدروس الزُبيدي  في مهرجان يافع الجماهيري اليوم الخميس  -02/05/2019

[112]

The Social Context in Discourse Analysishttps://discourseanalyzer.com/the-sociat

[113]خطاب السيد عيدروس قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي أعمال الدورة الأولى للجمعية الوطنية http://stcaden.com/

[114] ينظر: الخطاب السياسي للرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، من 4 مايو 2017- 4 مايو 2022م دراسة تحليلية دلالية، د. صبري عفيف، د. اشجان الفضلي، أ. صالح أبو عوذل، إصدارات مؤسسة اليوم الثامن للاعلام والدراسات، عدن 2022م ص: 46

[115] )  خطاب السيد الزُبيدي في ذكرى ثورة الـ 14 أكتوبر (تشرين الأول) 2017مhttp://stcaden.com/

د. صبري عفيف

رئيس تحرير مجلة بريم الصادرة عن مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى