الافتتاحية

الافتتاحية| الاصدار الثاني والعشرين  ديسمبر/ تشرين الثاني 2025

لم تعد الحروب في عالم اليوم تُدار من موقع واحد، ولا تُخاض بأداة واحدة، ولا تُحسم في ميدان واحد. لقد انتقل الصراع المعاصر من حدود الجغرافيا الصلبة إلى فضاءات أكثر تعقيدا: الوعي الجمعي، الشبكات الرقمية، الاقتصاد السياسي، والهندسة الاجتماعية. وفي هذا التحول العميق، لم يعد فهم النزاعات ممكنا عبر المقاربات العسكرية أو السياسية التقليدية وحدها، بل بات يتطلب قراءة مركّبة تتقاطع فيها المعرفة النفسية، والأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية، والحقوقية.

يأتي هذا العدد من (22) في سياق إقليمي ودولي شديد السيولة، حيث تتكثف أنماط جديدة من الصراع غير المباشر، وتُعاد صياغة أدوات النفوذ والهيمنة خارج الأطر الكلاسيكية للدولة والقوة الصلبة. وفي الحالة اليمنية تحديدا، تبدو هذه التحولات أكثر حدّة وتعقيدا، نظرا لتداخل البنية التاريخية للصراع، وهشاشة المؤسسات، وتعدد الفواعل المحلية والإقليمية، وامتداد الحرب إلى مستويات غير مرئية من التحكم والتأثير.

يضم هذا العدد مجموعة دراسات تسعى إلى مقاربة هذه التحولات من زوايا متعددة، لا بوصفها ملفات منفصلة، بل باعتبارها حلقات مترابطة في منظومة واحدة لإعادة تشكيل المجال السياسي والاجتماعي والاقتصادي. ففي دراسة الحرب النفسية والإكراه السردي، يتم تفكيك الكيفية التي تحوّلت بها الشعارات السياسية الكبرى إلى أدوات ضبط عقابي للوعي والإرادة، وكيف أُعيد إنتاج الخوف بوصفه تقنية حكم طويلة الأمد، لا مجرد نتيجة جانبية للصراع. هذه المقاربة تفتح سؤالا جوهريا حول العلاقة بين الخطاب والسلطة، وبين الشرعية والعنف الرمزي، وبين السياسة بوصفها تفاوضا والسياسة بوصفها إخضاعا.

وفي موازاة ذلك، يضيء ملف الأمن السيبراني على انتقال الصراع إلى فضاء رقمي لا يقل خطورة عن ساحات القتال التقليدية. فالحرب لم تعد تُخاض فقط بالمدفع والدبابة، بل بالخوادم، والشبكات، والتحكم بالمعلومات والبنى التحتية الرقمية. المقارنة بين التجربتين اليمنية والغزية تكشف عن تفاوت في أنماط التوظيف السيبراني، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن الفضاء الرقمي بات ساحة سيادية بامتياز، تتقاطع فيها السياسة، والأمن، والإعلام، والاقتصاد.

أما الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، فتتناول البعد المعيشي والاستقراري بوصفه ساحة صراع موازية، حيث يتحول الاستقرار الاقتصادي والخدمي إلى عامل حاسم في إعادة تشكيل الولاءات، وإدارة الهشاشة، وإعادة إنتاج أنماط الاعتماد والارتهان. فالاقتصاد في السياقات النزاعية لا يعمل كمنظومة محايدة، بل كأداة قوة وتأثير وتوازنات. وينسحب الأمر ذاته على المشاريع التنموية والإنسانية، التي لا يمكن فصلها عن البيئة السياسية والأمنية التي تعمل داخلها، ولا عن الأسئلة المتعلقة بالاستدامة والسيادة والفاعلية المجتمعية.

إن القاسم المشترك بين هذه الدراسات لا يكمن فقط في موضوعاتها، بل في محاولتها الخروج من القراءة السطحية للصراع، والانتقال إلى تفكيك البُنى العميقة التي تحكمه: كيف يُدار الخوف؟ كيف تُصاغ الشرعية؟ كيف يُعاد تشكيل المجال العام؟ كيف تتحول التكنولوجيا إلى أداة سيطرة؟ وكيف يتقاطع الاقتصاد مع السياسة في إنتاج الاستقرار أو إعادة إنتاج الهشاشة؟

لا يدّعي هذا العدد امتلاك أجوبة نهائية، بقدر ما يسعى إلى فتح مساحة تفكير نقدي جاد، يحرّر النقاش من الاختزال والتبسيط، ويعيد الاعتبار للمعرفة بوصفها شرطا للفهم لا أداة للتبرير. كما يهدف إلى تقديم مادة تحليلية يمكن أن تخاطب الباحث، وصانع القرار، والإعلامي، والمهتم بالشأن العام، ضمن رؤية تحترم تعقيد الواقع ولا تختزله في سردية واحدة.

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتختلط فيه الحقائق بالسرديات، تصبح مهمة البحث والتحليل ليست فقط توصيف ما يجري، بل مساءلته، وتفكيك منطقه، والكشف عن مساراته المحتملة. وهذا ما يسعى هذا العدد إلى الإسهام فيه، انطلاقا من مسؤولية معرفية وأخلاقية تجاه فهم أعمق للصراع ومستقبله.

الافتتاحية

نافذة فكرية تلقي الضوء على أبرز القضايا التي يتناولها العدد، مما يمنح القراء رؤية شاملة لما تقدمه المجلة. يُكتب العمود بأسلوب تحليلي يعكس رؤية رئيس التحرير وفريق التحرير تجاه الموضوعات التي يتم تناولها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى