
تشير المعطيات الميدانية إلى أن ضبط شحنات المخدرات قبالة سواحل باب المندب يعكس تحولًا في أساليب التهريب، ويبرز أهمية التنسيق بين الأجهزة الأمنية والقضائية في تعزيز الردع، وتقليص نشاط الشبكات المنظمة في المناطق الساحلية الحساسة
يرصد هذا التقرير عملية ضبط شحنة كبيرة من المخدرات قبالة سواحل رأس العارة بمحافظة لحج في مارس 2026، في منطقة قريبة من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الدولية. وتشير المعطيات إلى أن العملية جاءت نتيجة متابعة استخباراتية دقيقة، وأسفرت عن ضبط مئات الكيلوغرامات من المواد المخدرة، في ظل تصاعد استخدام المسارات البحرية لعمليات التهريب.
ويبرز التقرير دور التنسيق بين الأجهزة الأمنية والسلطة القضائية في تحويل الضبطيات إلى قضايا مكتملة قانونيًا، بما يعزز من فعالية الردع. كما يشير إلى أن نجاح هذه العمليات يرتبط بعوامل تتجاوز الجانب الأمني، تشمل التوعية المجتمعية وتحسين الظروف الاقتصادية، في محاولة للحد من نشاط الشبكات المنظمة وتعزيز الاستقرار في المناطق الساحلية.
مقدمة
قالت قوات محلية في جنوب اليمن إنها تمكنت، في منتصف مارس/آذار 2026، من ضبط شحنة كبيرة من المخدرات في المياه الإقليمية القريبة من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الدولية.
وأوضح بيان صادر عن قوات العمالقة الجنوبية أن العملية نُفذت بعد رصد تحركات قارب مشبوه قبالة سواحل رأس العارة بمحافظة لحج، على مقربة من المضيق، قبل أن تعترضه دورية بحرية تابعة للقوات.
وقال مصدر عسكري في القوات، طلب عدم الكشف عن هويته، لـ”بريم”، إن “عملية الضبط جاءت نتيجة متابعة استخباراتية دقيقة لتحركات القارب، الذي كان يسلك مسارًا يُستخدم عادة في عمليات التهريب عبر البحر الأحمر”.
وأضاف المصدر أن القوة البحرية تمكنت من السيطرة على القارب وتوقيف طاقمه، المكوّن من أربعة أشخاص، دون وقوع اشتباكات، مشيرًا إلى أن التحقيقات الأولية لا تزال جارية لتحديد الجهات التي تقف خلف العملية.
كمية المخدرات المضبوطة
وبحسب البيان، بلغت كمية المخدرات المضبوطة نحو 623 كيلوغرامًا، توزعت بين 521 كيلوغرامًا من مادة الميثامفيتامين (الشبو)، و102 كيلوغرام من مادة الهيروين، وهي من بين أكثر المواد المخدرة تداولًا في شبكات التهريب العابرة للحدود.
وأشار المصدر العسكري إلى أن الشحنة كانت مخبأة بإحكام داخل القارب، في محاولة لتفادي اكتشافها أثناء المرور عبر الممرات البحرية، لافتًا إلى أنه تم نقل المضبوطات إلى موقع آمن تمهيدًا لاستكمال الإجراءات القانونية.
وتأتي هذه العملية في ظل تزايد المخاوف من استخدام الممرات البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن لتهريب المخدرات والأسلحة، مستفيدة من تعقيدات المشهد الأمني في المنطقة.
ويُعد مضيق باب المندب نقطة عبور استراتيجية تربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويشهد حركة مكثفة للسفن التجارية، ما يجعله أيضًا مسارًا جذابًا لشبكات التهريب التي تستغل كثافة الملاحة وصعوبة المراقبة الكاملة للمياه المفتوحة.
ولم تصدر حتى الآن معلومات رسمية حول الوجهة النهائية للشحنة المضبوطة أو الجهة التي تقف وراء محاولة تهريبها، في حين تتواصل التحقيقات لتتبع خيوط العملية وتحديد امتداداتها المحتملة.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لسواحل رأس العارة والمضاربة في كونها بوابة بحرية وحلقة وصل بين القرن الأفريقي والداخل اليمني، وهو ما يجعلها عرضة لمحاولات استغلال التضاريس الصعبة لتهريب الممنوعات، وما يترتب على ذلك من تهديدات للأمن القومي. ومع ذلك، لعبت الأجهزة الأمنية دورًا فاعلًا في الحد من هذه الظاهرة من خلال اعتماد آليات الرصد والتتبع في المناطق الوعرة والساحلية.
وقد برز ذلك من خلال التنسيق بين الوحدات الأمنية المختلفة لتنفيذ كمائن ناجحة، إضافة إلى نوعية الضبطيات الأخيرة التي شملت كميات من الحشيش والحبوب المخدرة ومادة “الشبو”.
ولكي تتحول واقعة الضبط إلى قضية مكتملة، كان لا بد من تدخل الجانب القانوني والقضائي، وفقًا لإجراءات الضبط القضائي المتبعة في محكمة المضاربة (الزيدي، 2026)، وذلك عبر التعامل القانوني مع المضبوطات والمتهمين منذ لحظة القبض وحتى الإحالة إلى النيابة، إلى جانب تطبيق أحكام رادعة بحق المتورطين في شبكات التهريب.
وتُعد منطقة الساحل الغربي لخليج عدن، وتحديدًا مديريتي المضاربة ورأس العارة، من أكثر المناطق حساسية في الخارطة الأمنية اليمنية، نظرًا لموقعها الجغرافي المنفتح على الممرات الملاحية الدولية وقربها من القرن الأفريقي، الأمر الذي جعلها مسرحًا لمحاولات شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وقد اطّلع مدير عام الإدارة العامة لمكافحة المخدرات بوزارة الداخلية، العميد عبدالله أحمد لحمدي، على تفاصيل الضبطية التي نفذتها الحملة الأمنية المشتركة في سواحل مديرية المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج، والمتعلقة بضبط صنبوق بحري محمّل بكمية كبيرة من الأدوية غير المرخصة.
كما استمع العميد لحمدي من نائب قائد الحملة الأمنية المشتركة، مدير مكافحة المخدرات بأمن لحج المقدم مختار الدقم، إلى شرح مفصل حول مجريات العملية، التي أسفرت عن ضبط الصنبوق (قارب) وعلى متنه خمسة أشخاص، إضافة إلى ما يقارب ثلاثة آلاف كرتون من الأدوية المهربة، وذلك عقب عملية رصد ومتابعة دقيقة في المياه الإقليمية قبالة سواحل رأس العارة.
وأكد مدير عام مكافحة المخدرات أن ما تحقق يُعد جهدًا كبيرًا رغم شحة الإمكانيات، مشيرًا إلى اطلاعه المباشر خلال زيارته الميدانية على مستوى الجاهزية والانضباط، ومتابعته لسير أعمال الدوريات والانتشار البحري، وهو ما يعكس مستوى العزيمة والإصرار لدى أفراد الحملة.
دور القضاء
يعتمد نجاح أي عملية لمكافحة المخدرات على سلامة الإجراءات القانونية منذ لحظة الضبط وحتى صدور الحكم. وفي القضايا الأخيرة بمنطقة رأس العارة، تم التركيز على مجموعة من المعايير الأساسية.
فيما يتعلق بمشروعية الضبط والتحريز، يتم التعامل مع المضبوطات، مثل الحشيش و”الشبو”، وفق نظام “سلسلة الحيازة” (Chain of Custody)، حيث تُحرز المواد في موقع الضبط وتُوثق أوزانها وأنواعها بمحاضر رسمية يشرف عليها القضاء، بما يضمن عدم التلاعب بها. وينص القانون اليمني على معاقبة حيازة المواد المخدرة بقصد الاتجار بالإعدام (قانون رقم 3 لسنة 1993، المادة 34).
أما فيما يتعلق بضمانات المتهمين، فيبرز دور القضاء في التأكد من استكمال ملفات الاستدلال قانونيًا، وضمان عرض المتهمين على النيابة المختصة ضمن الفترات المحددة، بما يمنع وجود ثغرات قد تؤدي إلى بطلان الإجراءات.
وفي جانب الردع، يتم تكييف هذه القضايا كجرائم اتجار وترويج عابرة للحدود، وهي جرائم تصل عقوباتها إلى الإعدام أو السجن المؤبد، ما يعكس مستوى الصرامة القانونية المطلوبة لتأمين الشريط الساحلي.
كما تميزت عمليات المداهمة في مديرية المضاربة ورأس العارة بخصوصية أمنية عالية، نظرًا لطبيعة الأرض والظروف الاجتماعية. فقد اعتمدت العمليات الأخيرة على “المعلومة الاستباقية” وتتبع شبكات المهربين عبر نقاط المراقبة الساحلية، ما سمح بضبط الشحنات قبل وصولها إلى الأسواق المحلية أو نقلها إلى محافظات أخرى.
ونظرًا لوعورة الطرق الصحراوية والجبلية، استخدمت قوات المكافحة تكتيكات المداهمة المفاجئة والكمائن التي تعزل المهربين عن طرق الإمداد أو الهروب نحو البحر.
ويظهر التحليل الأمني أن النجاحات المحققة تعود إلى مستوى التنسيق العالي بين وحدات مكافحة المخدرات، وقوات الحزام الأمني، والسلطات القضائية، ما أسهم في تشكيل جبهة موحدة لمواجهة شبكات التهريب المنظمة.
ولا تقتصر نتائج العمليات الأمنية والقضائية على مصادرة المواد الممنوعة، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية مهمة، حيث ساهمت هذه الجهود في تعزيز ثقة المجتمع المحلي، وشجعت الأهالي في المضاربة ورأس العارة على التعاون مع الأجهزة الأمنية ورفض الأنشطة المرتبطة بالتهريب.
كما برزت حماية الفئات العمرية الناشئة من خلال استهداف مروجي التجزئة وشبكات التهريب الساحلية، ما أسهم في الحد من وصول هذه المواد، خصوصًا “الشبو”، إلى القرى والمناطق السكنية، وبالتالي تقليل مخاطر الإدمان والجريمة المرتبطة به.
وقد دعمت هذه الضبطيات الموقف الاجتماعي والقبلي الرافض للتهريب، وأسهمت في استعادة صورة المنطقة بوصفها بوابة تجارية آمنة بدلًا من كونها ممرًا للأنشطة غير المشروعة.
المعطيات الميدانية
تشير المعطيات الميدانية إلى أن تعزيز قدرات وحدات مكافحة المخدرات في رأس العارة يظل عاملًا حاسمًا في تأمين الشريط الساحلي، خاصة من خلال تزويدها بأجهزة كشف حديثة وزوارق دورية سريعة قادرة على التعامل مع طبيعة المنطقة المفتوحة.
كما تبرز الحاجة إلى توسيع نطاق التوعية المجتمعية، عبر برامج تستهدف المدارس والمساجد في مديريتي المضاربة ورأس العارة، بهدف الحد من انتشار المخدرات ورفع مستوى الإدراك بمخاطرها، خصوصًا بين الفئات العمرية الشابة.
ويرى مختصون أن تحسين التنسيق بين الجهات القضائية والأمنية يتطلب عقد ورش عمل دورية تجمع رجال الضبط القضائي بالقضاة المتخصصين، بما يسهم في توحيد الإجراءات القانونية وتعزيز كفاءة التعامل مع قضايا التهريب المعقدة.
وفي السياق ذاته، تبدو المعالجة الاقتصادية جزءًا من الحل، حيث يمكن لدعم المشاريع التنموية والأنشطة السمكية في المنطقة أن يوفر بدائل معيشية للشباب، ويحد من انجذابهم إلى شبكات التهريب.
وتشير المؤشرات المحلية إلى أن هذه الإجراءات، في حال تنفيذها بشكل متكامل، قد تسهم في تعزيز ثقة المجتمع، وتقليص مساحة القلق، وترسيخ حضور مؤسسات الدولة على الأرض.



