
الملخص:
يتناول هذا البحث واقع الأسرة الجنوبية في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن سنوات الحرب والارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة، من خلال تقرير ميداني يرصد أبرز التغيرات التي طرأت على البنية الأسرية وأدوارها ووظائفها. ويهدف البحث إلى تحليل مظاهر الضغط الاجتماعي الذي تعيشه الأسرة، واستكشاف آثاره على الاستقرار الأسري والعلاقات الداخلية.
وقد أظهرت النتائج أن الأسرة الجنوبية تواجه ضغطًا مزدوجًا يتمثل في استمرار تداعيات الحرب من جهة، وتصاعد موجات الغلاء وتدهور الوضع الاقتصادي من جهة أخرى، مما أدى إلى زيادة الأعباء المعيشية وتراجع القدرة الشرائية للأسر. كما كشفت الدراسة عن تصاعد ملحوظ في النزاعات الأسرية المرتبطة بالضغوط المالية والبطالة وعدم الاستقرار النفسي.
ومن أبرز التحولات التي رصدها التقرير تغيّر أدوار الأب والأم داخل الأسرة؛ حيث اضطرت العديد من النساء إلى دخول سوق العمل أو تحمّل مسؤوليات اقتصادية إضافية، في مقابل تراجع دور بعض الآباء نتيجة البطالة أو الهجرة. كذلك لوحظ توسع الاعتماد على التحويلات المالية من الخارج كمصدر أساسي للدخل، الأمر الذي أسهم في إعادة تشكيل أنماط الإنفاق والعلاقات داخل الأسرة.
ويشير البحث إلى أن الأسرة الجنوبية تقف على حافة إرهاق اجتماعي حقيقي، ما يستدعي تدخلات مجتمعية ومؤسسية داعمة لتعزيز التماسك الأسري، وتوفير برامج إرشاد نفسي واجتماعي، وسياسات اقتصادية تخفف من وطأة الضغوط المعيشية.
الكلمات المفتاحية: الأسرة الجنوبية، الحرب، الغلاء، النزاعات الأسرية، التحويلات المالية، التغير الاجتماعي.
The Social Axis — A Society on the Edge of Exhaustion: The Southern Family under Double Pressure
Abstract
This research examines the current condition of the Southern family amid the social and economic transformations resulting from prolonged conflict and the continuous rise in living costs. Based on a field report, the study analyzes the major structural and functional changes within the family and explores the social pressures affecting its stability and internal relationships.
The findings indicate that Southern families are experiencing a double burden: the ongoing consequences of war on one hand, and escalating inflation and economic deterioration on the other. These factors have significantly reduced purchasing power and increased daily living burdens. The study also highlights a noticeable rise in family disputes linked to financial stress, unemployment, and psychological instability.
One of the most significant changes identified is the transformation of parental roles within the household. Many women have entered the labor market or assumed additional economic responsibilities, while some fathers have experienced a diminished traditional role due to unemployment or migration. Furthermore, reliance on remittances from abroad has expanded considerably, becoming a primary source of income and reshaping spending patterns and intra-family dynamics.
The study concludes that the Southern family is facing a state of social exhaustion that requires urgent community and institutional interventions. Supportive social policies, psychological counseling programs, and economic reforms are essential to enhance family cohesion and mitigate ongoing pressures.
Keywords: Southern family, war, inflation, family conflicts, remittances, social change.
مقدمة البحث
شهد المجتمع الجنوبي خلال السنوات الأخيرة تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة نتيجة استمرار الحرب وتداعياتها المتراكمة على البنية المجتمعية ومؤسسات الدولة. فقد أدت النزاعات المسلحة إلى إضعاف الاستقرار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة، وارتفاع معدلات الفقر، مما انعكس بصورة مباشرة على الأسرة باعتبارها الوحدة الأساسية في البناء الاجتماعي. وتؤكد الدراسات العربية في علم الاجتماع أن الحروب الممتدة تؤدي إلى تفكك في الروابط الاجتماعية وتزايد مظاهر الهشاشة الأسرية، خاصة في المجتمعات ذات الموارد المحدودة (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2019؛ البنك الدولي، 2020).
وإلى جانب آثار الحرب، برز عامل الغلاء وتدهور الأوضاع المعيشية كأحد أبرز التحديات التي تواجه الأسرة الجنوبية. فقد أدى تراجع قيمة العملة وارتفاع أسعار السلع الأساسية إلى تضاعف الأعباء الاقتصادية، مما أثر في قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الضرورية. وتشير الأدبيات الاقتصادية العربية إلى أن الأزمات الاقتصادية ترتبط بزيادة مستويات التوتر الأسري، وأن الضائقة المالية تُعد من أهم مسببات اختلال التوازن داخل الأسرة (صندوق النقد الدولي، 2022؛ الإسكوا، 2021).
وقد انعكست هذه الضغوط المركبة في صورة تزايد النزاعات الأسرية، حيث تؤكد الدراسات النفسية والاجتماعية أن العلاقة بين الضغوط الاقتصادية والخلافات الزوجية علاقة طردية، إذ تسهم البطالة وانعدام الاستقرار المالي في ارتفاع معدلات النزاع الأسري والعنف المنزلي. وفي المجتمعات المتأثرة بالصراع تتضاعف هذه الآثار بسبب تراكم الصدمات النفسية وضعف خدمات الإرشاد الأسري. (منظمة الصحة العالمية، 2021؛ مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، 2022).
كما أفرزت هذه التحولات تغيرًا ملحوظًا في الأدوار التقليدية داخل الأسرة؛ إذ اضطرت العديد من النساء إلى دخول سوق العمل والمساهمة في إعالة الأسرة، في حين تأثر الدور الاقتصادي لبعض الآباء نتيجة البطالة أو النزوح أو الهجرة. ويشير علماء الاجتماع العرب إلى أن الأزمات الكبرى تعيد توزيع الأدوار داخل الأسرة، وتُحدث تحولات في أنماط السلطة والمسؤولية، بما قد يؤدي إلى توتر مرحلي قبل استقرار أنماط جديدة من التكيف الاجتماعي (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي2019، منظمة المرأة العربية، 2020).
وفي ظل هذا الواقع، برزت التحويلات المالية من الخارج كمصدر رئيسي لدخل عدد كبير من الأسر، الأمر الذي أسهم في تخفيف حدة الفقر من جهة، وأعاد تشكيل أنماط الإنفاق والعلاقات داخل الأسرة من جهة أخرى. وتشير تقارير التنمية العربية إلى أن التحويلات المالية تمثل شبكة أمان اقتصادية في المجتمعات الهشة، لكنها قد تُحدث تغيرات في البنية الأسرية وأدوار اتخاذ القرار. (البنك الدولي، 2023؛ المنظمة الدولية للهجرة، 2022).
وانطلاقًا من هذه المعطيات، يأتي هذا البحث الموسوم بـ «المحور الاجتماعي — مجتمع على حافة الإرهاق» لتحليل واقع الأسرة الجنوبية تحت ضغط مزدوج يتمثل في الحرب والغلاء، ورصد انعكاسات ذلك على النزاعات الأسرية، وتحولات الأدوار الوالدية، وتوسع الاعتماد على التحويلات المالية، في إطار قراءة ميدانية تسعى إلى فهم طبيعة التحولات البنيوية التي يشهدها المجتمع الجنوبي في هذه المرحلة الدقيقة.
مشكلة البحث
يعيش المجتمع الجنوبي في السنوات الأخيرة حالة من الضغوط المتراكمة الناتجة عن استمرار الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الأسرة باعتبارها النواة الأساسية في البناء الاجتماعي. فالحرب لم تقتصر آثارها على البنية التحتية والمؤسسات، بل امتدت إلى الحياة اليومية للأسر، حيث تراجعت فرص العمل، وتدهورت العملة، وارتفعت أسعار السلع والخدمات، مما خلق بيئة معيشية مضطربة تتسم بعدم الاستقرار وانعدام اليقين. وفي ظل هذا الواقع، أصبحت الأسرة الجنوبية تواجه ضغطًا مزدوجًا يتمثل في استمرار آثار الحرب من جهة، وتصاعد موجات الغلاء وتدهور الوضع الاقتصادي من جهة أخرى.
وقد أدى هذا الضغط الاقتصادي المتزايد إلى ظهور اختلالات داخل النسق الأسري، تمثلت في تصاعد النزاعات الأسرية المرتبطة بالعجز المالي، والبطالة، وتزايد الأعباء المعيشية. إذ تشير الملاحظات الميدانية إلى أن الضغوط المادية غالبًا ما تتحول إلى توتر نفسي ينعكس في شكل خلافات زوجية، واضطرابات في العلاقات بين الآباء والأبناء، بما يهدد تماسك الأسرة واستقرارها. ومع غياب منظومات دعم اجتماعي كافية، تصبح الأسرة أكثر عرضة للهشاشة والتفكك التدريجي.
كما أفرزت هذه التحولات واقعًا جديدًا في توزيع الأدوار داخل الأسرة؛ حيث اضطرت العديد من النساء إلى تحمّل أدوار اقتصادية إضافية، سواء من خلال العمل خارج المنزل أو إدارة موارد الأسرة المحدودة، في حين تأثر الدور التقليدي لبعض الآباء نتيجة البطالة أو الهجرة أو النزوح. وقد أسهم هذا التغير في إعادة تشكيل أنماط السلطة والمسؤولية داخل الأسرة، الأمر الذي قد يؤدي إلى توتر مرحلي أو إعادة تفاوض ضمني حول الأدوار الأسرية.
وفي موازاة ذلك، برزت التحويلات المالية من الخارج كأحد أهم مصادر الدخل للأسر الجنوبية، خاصة في ظل ضعف الاقتصاد المحلي. ورغم أن هذه التحويلات تسهم في تخفيف حدة الفقر وتحسين مستوى المعيشة نسبيًا، إلا أنها تطرح تساؤلات حول مدى اعتماد الأسرة عليها، وتأثيرها في أنماط الإنفاق، واتخاذ القرار، والعلاقات بين أفراد الأسرة، لا سيما في حال غياب أحد الوالدين بسبب الهجرة.
ومن هنا تتبلور مشكلة البحث في محاولة فهم الكيفية التي أثّر بها الضغط المزدوج للحرب والغلاء على بنية الأسرة الجنوبية ووظائفها، واستكشاف العلاقة بين الضغوط الاقتصادية وتزايد النزاعات الأسرية، وتحليل طبيعة التحولات في أدوار الأب والأم، إضافة إلى دراسة انعكاسات الاعتماد المتزايد على التحويلات المالية في إعادة تشكيل النسق الأسري. ويسعى هذا البحث إلى تقديم قراءة ميدانية تحليلية لهذه الظاهرة، للكشف عن أبعادها الاجتماعية، ومدى اقتراب الأسرة الجنوبية من حالة “الإرهاق الاجتماعي” التي قد تهدد استقرارها وتماسكها في المدى القريب والبعيد.
الهدف الرئيس للبحث:
تحليل تأثير الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن الحرب وارتفاع تكاليف المعيشة على تماسك الأسرة الجنوبية واستقرارها الاجتماعي.
الأهداف الفرعية:
1. قياس أثر الغلاء وتدهور الوضع الاقتصادي على مستوى الاستقرار الأسري.
2. دراسة العلاقة بين الضغوط المعيشية وارتفاع معدلات النزاعات داخل الأسرة.
3. تحليل التغيرات التي طرأت على أدوار الأب والأم داخل الأسرة في ظل الأزمة.
4. تقييم مدى اعتماد الأسر على التحويلات المالية كمصدر أساسي للدخل.
5. استكشاف الآثار النفسية والاجتماعية بعيدة المدى لهذه الضغوط على بنية الأسرة.
منهجية البحث
اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، لكونه الأنسب لرصد الظواهر الاجتماعية كما هي على أرض الواقع، وتحليل أسبابها وانعكاساتها على الأسرة الجنوبية في ظل الحرب والغلاء.
محاور البحث
أولًا: المحور الرئيس: الأسرة الجنوبية تحت ضغط مزدوج
تُعد الأسرة الوحدة الأساسية في البناء الاجتماعي، وأي خلل يصيب البيئة السياسية أو الاقتصادية ينعكس مباشرة على استقرارها ووظائفها. وفي السياق الجنوبي، تعرّضت الأسرة خلال السنوات الأخيرة إلى ضغوط مركّبة ناتجة عن استمرار النزاع المسلح وتدهور الأوضاع الاقتصادية، الأمر الذي أضعف قدرتها على أداء وظائفها التربوية والاجتماعية والاقتصادية. وتشير الأدبيات الاجتماعية إلى أن المجتمعات الواقعة في بيئات الصراع تشهد تزايدًا في هشاشة الأسرة نتيجة تراكم الضغوط البنيوية (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2019).
ويمثل مفهوم “الضغط المزدوج” حالة تتقاطع فيها الأزمات السياسية مع الأزمات الاقتصادية، بحيث تتضاعف آثار كل منهما على النسق الاجتماعي. فالحرب تُنتج اضطرابًا أمنيًا ونزوحًا وفقدانًا لمصادر الدخل، بينما يؤدي الغلاء إلى تآكل القدرة الشرائية وزيادة الأعباء المعيشية. هذا التداخل يضع الأسرة في حالة من الإجهاد المستمر، ما يجعلها عرضة للتفكك التدريجي أو ضعف التماسك الداخلي (البنك الدولي، 2020).
كما أن استمرار الأزمات لفترات طويلة يحوّل الضغوط المؤقتة إلى واقع دائم، فتنتقل الأسرة من مرحلة التكيف المؤقت إلى مرحلة الإرهاق الاجتماعي، حيث تصبح الموارد النفسية والاقتصادية محدودة، ويزداد الشعور بالعجز وعدم اليقين تجاه المستقبل. وتؤكد الدراسات التنموية العربية أن طول أمد الصراعات يرتبط بارتفاع معدلات الفقر وتراجع رأس المال الاجتماعي داخل المجتمع. (الإسكوا، 2021)
ثانيًا المحاور الفرعية:
أولا: الحرب والغلاء
1. أثر الحرب على البنية الأسرية
أدّت الحرب إلى تغيّرات عميقة في البنية الأسرية، تمثلت في فقدان أحد المعيلين بسبب الوفاة أو الإصابة أو الهجرة، إضافة إلى النزوح الداخلي الذي فرض على الأسر إعادة ترتيب أولوياتها ومواردها المحدودة. كما أثّر غياب الاستقرار الأمني في شعور أفراد الأسرة بالأمان النفسي، وهو عنصر أساسي لاستقرار العلاقات الأسرية. وتشير تقارير عربية إلى أن النزاعات المسلحة تؤدي إلى تفكك بعض الروابط الاجتماعية وتراجع دور المؤسسات الداعمة للأسرة. (مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، 2022).
2. الغلاء وتدهور القدرة الشرائية
تزامن استمرار الحرب مع تدهور اقتصادي ملحوظ، تمثل في انخفاض قيمة العملة وارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود والخدمات الأساسية. وقد أدى ذلك إلى تراجع مستوى المعيشة وازدياد نسبة الأسر التي تعيش تحت خط الفقر. وتوضح التقارير الاقتصادية الإقليمية أن التضخم في الدول المتأثرة بالصراع يفاقم الأعباء على الأسر ذات الدخل المحدود ويقلل من قدرتها على الادخار أو التخطيط طويل المدى. (صندوق النقد الدولي، 2022).
3. التفاعل بين الحرب والغلاء كعامل ضغط مركب
لا يمكن فصل أثر الحرب عن الغلاء، إذ إن استمرار النزاع يسهم في إضعاف الاقتصاد الوطني، مما يؤدي بدوره إلى موجات تضخم متتالية. هذا التفاعل يولّد حلقة مفرغة من الضغوط المتصاعدة التي تثقل كاهل الأسرة، وتجعلها في حالة سعي دائم لتأمين الاحتياجات الأساسية على حساب جوانب أخرى مثل التعليم أو الرعاية الصحية. وتؤكد الدراسات التنموية أن الأزمات المركبة تزيد من احتمالية تعرض الأسر للفقر متعدد الأبعاد. (البنك الدولي، 2023؛ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2019).
ثانيا: زيادة النزاعات الأسرية
إن زيادة النزاعات الأسرية في الجنوب اليمني ليست نتيجة خلل داخلي بقدر ما هي انعكاس لبنية اجتماعية واقتصادية مرهقة. واستمرار هذه الضغوط دون تدخلات دعم نفسي واقتصادي قد يؤدي إلى تآكل رأس المال الاجتماعي، وإضعاف قدرة المجتمع على التعافي.
حيث تشير الأدبيات الاجتماعية الحديثة إلى أن المجتمعات التي تمر بصراعات ممتدة تعاني من انتقال الضغط من المجال العام إلى الخاص، أي من ساحة الحرب إلى داخل الأسرة. وفي السياق اليمني، تسببت الحرب الممتدة والتدهور الاقتصادي الحاد في إنهاك البنية الأسرية، مما أدى إلى تصاعد الخلافات الزوجية والتوتر بين الآباء والأبناء. فالأسرة لم تعد فقط وحدة عاطفية واجتماعية، بل أصبحت وحدة صمود اقتصادي تحت ضغط مستمر. (البنك الدولي. (2023)
1-الضغوط الاقتصادية وارتباطها بالنزاعات الأسرية
كما أظهرت التقارير الاقتصادية أن تراجع القوة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم في اليمن أدّيا إلى ضغط مباشر على العلاقات الأسرية. فالعجز عن تلبية الاحتياجات الأساسية – مثل الغذاء والعلاج والتعليم – يولد شعورًا بالعجز والإحباط، وهو ما ينعكس في شكل توتر دائم داخل المنزل. وتؤكد الدراسات أن الضائقة الاقتصادية من أكثر العوامل ارتباطًا بزيادة الخلافات الزوجية. (الجهاز المركزي للإحصاء اليمني. (2022)
2-الصدمات النفسية وتأثيرها على العلاقات الأسرية:
الضغوط الناتجة عن التعرض المستمر للعنف أو الخوف من انعدام الأمن تؤدي إلى اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة. هذه الاضطرابات – في حال غياب خدمات الدعم النفسي – تتحول إلى توتر سلوكي داخل الأسرة، يتمثل في سرعة الانفعال والعنف اللفظي وأحيانًا الجسدي. منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف (2022) و(منظمة الصحة العالمية. (2023)
3- تغيّر الأدوار داخل الأسرة كمصدر للنزاع
أدت التحولات الاقتصادية إلى إعادة توزيع الأدوار التقليدية داخل الأسرة، حيث دخلت النساء سوق العمل لتعويض تراجع دخل الأسرة، بينما فقد بعض الرجال أدوارهم الاقتصادية السابقة. في المجتمعات ذات الطابع الأبوي، قد يُنظر إلى هذا التحول كتهديد للسلطة التقليدية، مما يفاقم الخلافات حول القرار الأسري وإدارة الموارد. (علي ليلة. (2019) و( المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. (2021)
4- النزوح والاكتظاظ السكني (2022–2024)
النزوح الداخلي والانتقال القسري من بيئة إلى أخرى يؤديان إلى الاكتظاظ وفقدان الخصوصية، ما يرفع من مستوى الاحتكاك بين أفراد الأسرة. وقد أشارت تقارير النزوح إلى أن الضغوط المرتبطة بعدم الاستقرار السكني ترتبط بارتفاع معدلات التوتر الأسري. (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. (2022) و (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. (2024)
5- مظاهر النزاعات الأسرية في الواقع الميداني (2023)
من خلال الرصد الميداني لعيّنة من الأسر، لوحظ ان تصاعد الخلافات المرتبطة بالمصاريف اليومية، يؤدي الى تزايد العنف اللفظي والذي بدوره يؤدي الى ضعف الحوار الأسري، ومنه الى ارتفاع حالات الانفصال غير الرسمي.
وعلى ضوء ذلك فان كل هذه المؤشرات تعكس انتقال الضغط الاقتصادي والنفسي إلى المجال الأسري، مما يهدد استقرار البنية الاجتماعية على المدى البعيد. (منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف). (2023) و (منظمة الصحة العالمية. (2023).
ثالثا: تغيّر أدوار الأب والأم
تُعد الأدوار الأسرية من الركائز الأساسية في استقرار النسق العائلي، إذ يقوم كل من الأب والأم بوظائف محددة تتكامل فيما بينها لضمان التوازن الاقتصادي والتربوي والاجتماعي داخل الأسرة. غير أن الأزمات الممتدة، كالحروب والتدهور الاقتصادي، تُحدث تحولات في هذا البناء التقليدي للأدوار، فتُعيد توزيع المسؤوليات بما يتلاءم مع الواقع الجديد. وتشير الأدبيات الاجتماعية العربية إلى أن الأزمات الكبرى تؤدي إلى تغيرات بنيوية في تقسيم العمل الأسري، خاصة في المجتمعات التي تعتمد على نمط تقليدي في توزيع الأدوار. (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2019).
1-تأثر الدور الاقتصادي للأب
في السياق الجنوبي، أدى انتشار البطالة وتراجع فرص العمل نتيجة الحرب إلى إضعاف الدور الاقتصادي التقليدي للأب بوصفه المعيل الرئيس للأسرة. وقد ترتب على ذلك شعور بعض الآباء بفقدان المكانة أو السلطة المرتبطة بالدور المادي، مما قد يولّد توترًا داخليًا أو نزاعات أسرية. وتوضح الدراسات العربية في علم الاجتماع الأسري أن فقدان مصدر الدخل يؤثر في صورة الذات لدى المعيل، ويعيد تشكيل توازن القوة داخل الأسرة. (الإسكوا، 2021).
2-تعاظم الدور الاقتصادي للأم
اضطرت العديد من الأمهات إلى دخول سوق العمل أو الهجرة خارج البلد للعمل ككوفيرات لإعالة اسرهن أو الانخراط في أنشطة اقتصادية غير رسمية للمساهمة في إعالة الأسرة. وقد أدى ذلك إلى انتقال جزئي أو كلي لبعض المسؤوليات الاقتصادية إلى المرأة، مما عزز حضورها في عملية اتخاذ القرار داخل الأسرة. وتشير تقارير المرأة العربية في سياقات الأزمات إلى أن مشاركة النساء الاقتصادية ترتفع في فترات النزاع، سواء بدافع الضرورة أو لتعويض غياب المعيل (منظمة المرأة العربية، 2020).
3-إعادة توزيع الأدوار التربوية والاجتماعية
أدت التحولات الاقتصادية إلى تغير في الأدوار التربوية داخل الأسرة، حيث أصبح الأب – في بعض الحالات – أكثر انخراطًا في متابعة شؤون الأبناء في حال بقائه دون عمل، أو على العكس قد يقلّ حضوره نتيجة الضغوط النفسية المرتبطة بالبطالة. كما ازدادت الأعباء على الأم في التوفيق بين العمل والمسؤوليات المنزلية، ما قد يؤدي إلى إرهاق جسدي ونفسي يؤثر في جودة التنشئة. وتؤكد تقارير الصحة النفسية في البيئات المتأثرة بالنزاع أن الضغط الاقتصادي يعيد تشكيل أنماط التفاعل الأسري. (منظمة الصحة العالمية، 2021).
4-أثر الهجرة وغياب أحد الوالدين
ساهمت الهجرة الخارجية أو النزوح الداخلي في تغيّر هيكل الأسرة، حيث اضطرت بعض الأسر إلى إدارة شؤونها بوجود أحد الوالدين فقط. وقد نتج عن ذلك انتقال كامل للسلطة الإدارية والاقتصادية للطرف المتبقي، مع تحمّله أعباء إضافية. وتشير التقارير الإنسانية إلى أن غياب أحد الوالدين بسبب الهجرة الاقتصادية يعيد تعريف الأدوار داخل الأسرة ويؤثر في العلاقات بين أفرادها. (مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، 2022).
وبحسب إحصائيات رسمية منشورة (حتى نهاية 2022)، بلغ إجمالي عدد اليمنيين المغتربين في المملكة العربية السعودية حوالي 1,803,469 مغتربًا منهم 1,334,481 رجلاً (ذكور) و468,988 امرأة (إناث). هذه الأرقام تشمل يمنيين من جنوب اليمن وشماله معًا، ويعد السعوديون الوجهة الرئيسية للمغتربين اليمنيين داخل دول الخليج، وغالبية هؤلاء الرجال يعملون هناك بهدف كسب الرزق وإرسال الدعم لأسرهم في اليمن، خصوصًا في محافظات جنوب اليمن التي تأثرت حربًا ونزوحًا واقتصاديًا. وتشير الإحصائية إلى أن هؤلاء الرجال المغتربين يشكلون نسبة كبيرة من القوة العاملة اليمنية في الخارج، بينما تعتمد أسرهم داخل اليمن على التحويلات المالية التي يرسلها هؤلاء إلى ذويهم. (عدن تايم3يونيو 2023)
5-التحولات في أنماط السلطة واتخاذ القرار
إن تغيّر الأدوار الاقتصادية والاجتماعية لا يقتصر على الجانب العملي فحسب، بل يمتد إلى بنية السلطة داخل الأسرة. فمشاركة المرأة في الإعالة قد تعزز من موقعها في اتخاذ القرارات المالية والتربوية، بينما قد يمر الأب بمرحلة إعادة تكيّف مع الدور الجديد. وتوضح الدراسات الاجتماعية العربية أن التحولات في السلطة الأسرية خلال الأزمات قد تؤدي إلى مرحلة توتر انتقالي قبل استقرار أنماط جديدة من التفاعل. (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2019).
وبناءً على ما سبق، فإن تغيّر أدوار الأب والأم في الأسرة الجنوبية يُعد نتيجة مباشرة للضغط المزدوج الناتج عن الحرب والغلاء، حيث أعادت الظروف الاقتصادية والاجتماعية توزيع المسؤوليات داخل الأسرة، وأفرزت أنماطًا جديدة من التفاعل قد تحمل في طياتها فرصًا للتكيف، لكنها في الوقت ذاته قد تولّد توترات مرحلية تحتاج إلى دعم اجتماعي وإرشادي.
رابعا: توسّع الاعتماد على التحويلات المالية
تزايد اعتماد الأسر الجنوبية على التحويلات المالية القادمة من الخارج في ظل استمرار الحرب وتراجع النشاط الاقتصادي المحلي، حيث أصبحت هذه التحويلات تمثل مصدرًا أساسيًا أو مكملًا للدخل لدى شريحة واسعة من الأسر. ويُعزى هذا التوسع إلى ضعف فرص العمل داخليًا، وتآكل الأجور بفعل التضخم، ما دفع العديد من الأفراد إلى الهجرة بحثًا عن مصادر رزق أكثر استقرارًا. وتشير التقارير التنموية العربية إلى أن التحويلات تُعد شبكة أمان غير رسمية في البيئات الهشة، إذ تسهم في تعويض جزء من خسائر الدخل المحلي. (البنك الدولي، 2023).
من الناحية الاقتصادية، تسهم التحويلات في تحسين القدرة الشرائية للأسر، وتغطية الاحتياجات الأساسية من غذاء وسكن وتعليم وصحة، كما قد تُستخدم في سداد الديون المتراكمة نتيجة الأزمات. غير أن الاعتماد المتزايد عليها قد يعكس هشاشة الاقتصاد المحلي وضعف قدرته على توليد فرص عمل كافية. وتوضح التقارير الإقليمية أن الاقتصادات المتأثرة بالصراع تميل إلى ارتفاع نسبة مساهمة التحويلات في الدخل القومي، ما يشير إلى تحوّلها من مصدر داعم إلى عنصر حيوي لاستقرار الأسر. (صندوق النقد الدولي، 2022).
وعلى المستوى الاجتماعي، تؤدي التحويلات إلى إعادة تشكيل أنماط الإنفاق واتخاذ القرار داخل الأسرة، إذ قد يعزز وجود مصدر دخل خارجي من مكانة الشخص المُحوِّل، حتى وإن كان غائبًا جسديًا. كما قد تُحدث هذه التحويلات تغيرًا في أولويات الإنفاق، بالانتقال من تلبية الاحتياجات الأساسية إلى تحسين مستوى المعيشة نسبيًا. وتشير دراسات الهجرة في العالم العربي إلى أن التحويلات تؤثر في توازنات السلطة داخل الأسرة، خاصة في حالات غياب المعيل لفترات طويلة (المنظمة الدولية للهجرة، 2022).
غير أن لهذا الاعتماد آثارًا جانبية محتملة، إذ قد يؤدي إلى ترسيخ ثقافة الاتكالية وضعف المبادرات الإنتاجية المحلية إذا لم تُستثمر التحويلات في أنشطة مدرّة للدخل. كما أن انقطاع التحويلات أو عدم انتظامها يعرّض الأسرة لهزات مفاجئة تزيد من هشاشتها. وتؤكد التقارير التنموية أن استدامة التحويلات غير مضمونة، نظرًا لتأثرها بالظروف الاقتصادية في دول المهجر (البنك الدولي، 2023).
ومن زاوية نفسية واجتماعية، قد يترتب على الهجرة المرتبطة بالتحويلات غياب أحد الوالدين لفترات طويلة، ما ينعكس على التنشئة الأسرية والتماسك العاطفي بين أفراد الأسرة. فالدعم المالي لا يعوّض دائمًا الحضور الأسري المباشر، وقد تظهر تحديات في التواصل أو في تحمل الطرف المقيم أعباء الإدارة اليومية للأسرة. وتشير التقارير الإنسانية إلى أن غياب أحد الوالدين بدافع العمل الخارجي يُعد عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل العلاقات داخل الأسرة. (مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، 2022).
وبناءً على ذلك، فإن توسّع الاعتماد على التحويلات المالية في المجتمع الجنوبي يُعد استجابة تكيفية لواقع اقتصادي مأزوم، لكنه في الوقت ذاته يعكس عمق الأزمة البنيوية التي دفعت الأسرة إلى البحث عن بدائل خارجية لضمان بقائها. وهو ما يستدعي دراسة متأنية لتأثيراته بعيدة المدى على الاستقرار الأسري والتنمية المحلية.
النتائج
1. أظهرت البيانات أن الغالبية العظمى من الأسر تعاني من تراجع واضح في مستوى الدخل مقارنة بما قبل الحرب، كما تبين وجود انخفاض ملحوظ في القدرة الشرائية، مع عجز العديد من الأسر عن تلبية احتياجاتها الأساسية بصورة منتظمة.
2. أكدت النتائج أن استمرار الحرب أسهم في فقدان مصادر دخل مستقرة، سواء بسبب البطالة أو إغلاق الأعمال أو النزوح، كما لوحظ أيضا أن الأعباء الاقتصادية أصبحت الهاجس اليومي الأول للأسر، متقدمة على الاهتمامات التعليمية أو الاجتماعية الأخرى.
3. كشفت الدراسة عن ارتفاع ملحوظ في مستوى الخلافات داخل الأسرة، خاصة تلك المرتبطة بالمصروفات وتدبير الاحتياجات، وكذلك كشفت عن وجود علاقة مباشرة بين الضائقة الاقتصادية وارتفاع حدة التوتر بين الزوجين.
4. الضغوط المعيشية انعكست سلبًا على أساليب التواصل داخل الأسرة، وهذا بدورة أدى الى تأثر الأبناء نفسيًا نتيجة الأجواء المشحونة داخل المنزل.
5. أظهرت النتائج تراجع الدور الاقتصادي التقليدي للأب في بعض الحالات بسبب البطالة أو فقدان مصدر الدخل، وفي المقابل، برزت زيادة في مشاركة المرأة في إعالة الأسرة، سواء عبر العمل الرسمي أو غير الرسمي.
6. كشفت الدراسة عن إعادة توزيع غير معلنة للمسؤوليات داخل الأسرة، شملت الجوانب الاقتصادية والتربوية، كما تبين أن هذه التحولات أحدثت توترات مرحلية في بعض الأسر، بينما تكيفت أسر أخرى مع النمط الجديد من الأدوار.
7. أظهرت البيانات أن نسبة كبيرة من الأسر تعتمد جزئيًا أو كليًا على التحويلات المالية من الخارج حيث تبين أن التحويلات تمثل عنصرًا أساسيًا في تغطية الاحتياجات الغذائية والتعليمية والصحية.
8. لوحظ أن الأسر التي تعتمد على التحويلات تتمتع باستقرار نسبي مقارنة بغيرها، إلا أن هذا الاستقرار مرتبط باستمرارية التحويل حيث أن غياب أحد الوالدين بسبب الهجرة أفرز تحديات اجتماعية وتربوية داخل الأسرة.
التوصيات
1. ضرورة تعزيز برامج الحماية الاجتماعية الموجهة للأسر ذات الدخل المحدود، بما يضمن توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية (الغذاء، الصحة، التعليم).
2. دعم مبادرات التمكين الاقتصادي للأسر، من خلال مشاريع صغيرة مدرّة للدخل تقلل من الاعتماد الكلي على المساعدات.
3. تشجيع الشراكات بين الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني لتوفير شبكات أمان اجتماعي مستدامة، والعمل على تثبيت أسعار السلع الأساسية قدر الإمكان عبر سياسات رقابية ودعم السلع الحيوية.
4. تفعيل برامج الإرشاد الأسري والدعم النفسي داخل المجتمع، خاصة في المناطق الأكثر تأثرًا بالأزمة وكذلك نشر الوعي بأساليب إدارة الضغوط وحل النزاعات داخل الأسرة من خلال حملات توعوية وورش عمل مجتمعية.
5. إدماج مفاهيم الصحة النفسية والتماسك الأسري في البرامج الإعلامية والتعليمية، وإنشاء مراكز استشارات أسرية منخفضة التكلفة أو مجانية لمساندة الأسر في إدارة الخلافات.
6. دعم سياسات التمكين الاقتصادي للمرأة بما يضمن مشاركتها الفاعلة دون أن تتحمل عبئًا مضاعفًا، وتعزيز ثقافة تقاسم المسؤوليات داخل الأسرة بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية.
7. توفير برامج تدريبية للآباء والأمهات حول التكيف مع التحولات في الأدوار الأسرية وكذلك
دعم المبادرات المجتمعية التي تعزز مفهوم الشراكة الأسرية بدل الصراع على الأدوار.
8. تشجيع استثمار التحويلات المالية في مشاريع إنتاجية صغيرة بدلاً من الاقتصار على الاستهلاك، وتقديم برامج توعية مالية للأسر حول التخطيط وإدارة الدخل لضمان الاستدامة.
9. العمل على تطوير بيئة اقتصادية محلية قادرة على خلق فرص عمل تقلل من الاعتماد المفرط على الهجرة.
10. دراسة الأثر الاجتماعي طويل المدى لغياب أحد الوالدين بسبب الهجرة، ووضع برامج دعم للأسر المتأثرة.
الخاتمة
تكشف المعطيات الميدانية والتحليل النظري لمحاور الدراسة أن الأسرة الجنوبية لم تعد تواجه أزمة عابرة، بل تعيش حالة مركّبة من الضغوط المتداخلة التي أعادت تشكيل بنيتها ووظائفها بصورة عميقة. فالحرب بما أفرزته من فقدان للاستقرار الأمني وتراجع اقتصادي، ترافقت مع موجات متصاعدة من الغلاء وتآكل القدرة الشرائية، لتضع الأسرة أمام معادلة صعبة تتمثل في الحفاظ على تماسكها في ظل موارد محدودة وبيئة غير مستقرة.
وقد أظهر تحليل المحاور أن الضغوط الاقتصادية لم تبقَ في حدودها المادية، بل تحولت إلى توتر نفسي واجتماعي انعكس في صورة زيادة النزاعات الأسرية، واضطراب أنماط التواصل داخل الأسرة. فالعجز عن تلبية الاحتياجات الأساسية، والقلق المستمر بشأن المستقبل، ولّد حالة من الإجهاد المزمن الذي أثر في استقرار العلاقات الزوجية والتربوية.
كما كشفت الدراسة عن تحولات واضحة في أدوار الأب والأم، حيث أعادت الأزمة توزيع المسؤوليات داخل الأسرة، فتراجع الدور الاقتصادي التقليدي للأب في بعض الحالات، مقابل تعاظم دور الأم في الإعالة واتخاذ القرار. ورغم أن هذه التحولات قد تمثل نمطًا من التكيف الاجتماعي، إلا أنها في سياق الضغوط الممتدة قد تنتج توترات مرحلية تعكس صعوبة الانتقال من نمط تقليدي إلى آخر أكثر مرونة.
وفي موازاة ذلك، برز الاعتماد المتزايد على التحويلات المالية كآلية تعويضية لضمان الاستقرار المعيشي، غير أن هذا الاعتماد، رغم أهميته في تخفيف حدة الفقر، يعكس هشاشة الاقتصاد المحلي ويؤسس لنمط من الارتباط الخارجي الذي قد يعيد تشكيل العلاقات الأسرية وأنماط السلطة داخلها، خاصة في حالات غياب أحد الوالدين بسبب الهجرة.
وبناءً على ما سبق، يمكن توصيف واقع الأسرة الجنوبية بأنه حالة من “الإرهاق الاجتماعي”، وهو مفهوم يشير إلى تراكم الضغوط الاقتصادية والنفسية والاجتماعية إلى حدٍّ تتآكل فيه قدرة النسق الأسري على التكيف المستدام، دون أن يصل بالضرورة إلى التفكك الكامل. إنها مرحلة وسطى بين الصمود والانهيار، تتسم بارتفاع مستوى التوتر، وضعف الموارد، واستنزاف الطاقات العاطفية والاقتصادية.
وعليه، فإن معالجة هذه الحالة لا تقتصر على التدخل الاقتصادي فحسب، بل تتطلب مقاربة شاملة تشمل دعم الاستقرار المعيشي، وتفعيل برامج الإرشاد الأسري والنفسي، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، بما يعيد للأسرة قدرتها على أداء وظائفها التربوية والاجتماعية بصورة متوازنة.
إن الأسرة الجنوبية، رغم الضغوط، ما زالت تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة تداعيات الأزمة، غير أن استمرار حالة الإرهاق دون تدخلات داعمة قد يحوّل التوتر المؤقت إلى اختلال بنيوي طويل الأمد، وهو ما يجعل من دراسة هذه الظاهرة ضرورة علمية ومجتمعية في آنٍ واحد.
المراجع:
1-البنك الدولي. (2020). تقرير عن الهشاشة والصراع والعنف.
2-البنك الدولي. (2023). موجز الهجرة والتنمية.
3-البنك الدولي. (2023). اليمن: تحديث اقتصادي. واشنطن.
4-برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. (2019). تقييم أثر النزاع على التنمية في الدول العربية.
5-برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. (2022). أثر النزوح على التماسك الاجتماعي. نيويورك.
6-الجهاز المركزي للإحصاء اليمني. (2022). تقرير مسح الأحوال المعيشية للأسر. صنعاء.
7-صندوق النقد الدولي. (2022). آفاق الاقتصاد الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
8-على ليلة. (2019). علم اجتماع الأسرة العربية. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية.
9-عدن تايم3يونيو 2023.
10-اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا). (2021). تداعيات الأزمات الاقتصادية على الأسر العربية.
11-المنظمة الدولية للهجرة. (2022). تقرير الهجرة العالمي.
12-منظمة الصحة العالمية. (2021). الصحة النفسية في سياقات النزاع.
13-مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA). (2022). التقرير الإنساني السنوي.
14-منظمة الصحة العالمية. (2023). الصحة النفسية في حالات الطوارئ والنزاعات. جنيف.
15-منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف). (2022). أثر النزاع على رفاه الأطفال والأسر في اليمن. صنعاء.
16-المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. (2021). التحولات الاجتماعية في المجتمعات العربية. الدوحة.
17-المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. (2024). تقرير النزوح الداخلي في اليمن. جنيف.
18-منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف). (2023). حماية الطفل والأسرة في حالات الطوارئ. صنعاء.
19-منظمة الصحة العالمية. (2023). العنف الأسري في البيئات الهشة. جنيف.
20-منظمة المرأة العربية. (2020). المرأة العربية في ظل الأزمات والصراعات.
21-منظمة الصحة العالمية. (2021). الصحة النفسية في سياقات النزاع.
22-مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA). (2022). التقرير الإنساني السنوي.
23-المنظمة الدولية للهجرة. (2022). تقرير الهجرة العالمي.
24-مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA). (2022). التقرير الإنساني السنوي.



