تكشف الحرب في اليمن عن مفارقة اجتماعية قاسية: كلما تراجعت قدرة المؤسسات على توفير الحماية والخدمات وفرص العمل، اتسعت مسؤوليات النساء داخل الأسرة والمجتمع، من دون أن يتسع حضورهن بالقدر نفسه في دوائر القرار أو إدارة الموارد. أصبحت المرأة معيلة في أسر كثيرة، وعاملة في الاقتصاد غير المنظم، ووسيطاً محلياً، ومقدمة للرعاية، لكنها بقيت خاضعة لمنظومة اجتماعية تتعامل مع هذه الأدوار باعتبارها استجابة مؤقتة للضرورة، لا تحولاً يستوجب إعادة توزيع الحقوق والسلطة.
الحرب، بهذا المعنى، لم تحرر المرأة من الأدوار التقليدية، بل أضافت إليها أدواراً جديدة. فالمرأة التي خرجت إلى سوق العمل لم تغادر مسؤولياتها المنزلية، والتي تولت إعالة أسرتها لم تحصل بالضرورة على استقلال اقتصادي، والتي قادت مبادرات مجتمعية ظلت بعيدة عن المفاوضات الرسمية ومؤسسات صنع القرار. وبدلاً من أن يقود توسع المسؤوليات إلى تمكين مستدام، أنتج واقعاً مركباً يجمع بين العمل والرعاية والإعالة والوصاية الاجتماعية.
في المقابل، أصابت الحرب صورة الرجل التقليدية باهتزاز عميق. فقدان الوظائف، وانقطاع المرتبات، والانخراط في جبهات القتال، والنزوح والاعتقال، كلها عوامل أضعفت قدرة كثير من الرجال على أداء دور المعيل والحامي. ولم تُقابل هذه التحولات ببرامج جادة للدعم النفسي والاجتماعي، ما ترك الضغوط تتراكم داخل الأسر، وفتح المجال أمام العنف أو الانكفاء أو الاستقطاب العسكري بوصفها استجابات محتملة لأزمة الدور والهوية.
الورقة التي أعدتها الدكتورة أشجان الفضلي تضع هذه التحولات في سياقها السوسيولوجي، وتعيد قراءة الحرب من داخل الأسرة والمجتمع، حيث تجري إعادة صياغة العلاقات بين النساء والرجال بعيداً عن جبهات القتال. وهي تنبه إلى أن اتساع حضور المرأة في المجال العام لا يعني تلقائياً تحقق المساواة، وأن التكيف مع الضرورة لا يمكن اعتباره تمكيناً ما لم يتحول إلى حقوق قانونية واقتصادية وسياسية مستقرة.
التحدي الحقيقي سيظهر في مرحلة ما بعد الحرب. فقد تسعى البنى التقليدية إلى استعادة توزيع الأدوار السابق، وإخراج النساء من المواقع التي دخلنها تحت ضغط الحاجة. ولهذا، فإن حماية التحولات الإيجابية تقتضي ضمان مشاركة النساء في صناعة السلام وإعادة الإعمار، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، ومراجعة الخطاب الثقافي والتعليمي، إلى جانب تقديم الدعم النفسي للنساء والرجال معاً.
لقد أعادت الحرب توزيع الأعباء، لكنها لم تُعد توزيع السلطة. وبين هذين المسارين تتحدد معركة المرأة اليمنية المقبلة: ألا تبقى معيلة عند الضرورة ومقصاة عند اتخاذ القرار، وأن تتحول خبرتها في الصمود وإدارة الأزمات من واجب اجتماعي ثقيل إلى حق ثابت في الشراكة وصناعة المستقبل
