الافتتاحية

الافتتاحية| الإصدار التاسع والعشرين – يوليو/ تموز 2026

تكشف الحرب التي شنتها السعودية على القوات الجنوبية أن المشكلة لم تكن مرتبطةً بسلامة حدود المملكة أو مواجهة تهديد عسكري قادم من الجنوب. فالقوات المستهدفة كانت تتحرك داخل أرض جنوبية، ولم تتجه نحو الأراضي السعودية أو تعلن نيتها المساس بأمن المملكة. ما أثار قلق الرياض فعلياً هو احتمال انتقال الجنوب من مرحلة المطالبة السياسية إلى بناء واقع يفضي إلى استعادة دولته وإدارة موارده وموانئه بعيداً عن الوصاية الخارجية.

تعاملت السعودية مع الجنوب طوال سنوات الحرب باعتباره منطقة نفوذ تابعة للسلطة اليمنية التي ترعاها وتمولها، لا شريكاً يملك حق اختيار مستقبله. وحين أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي مساراً سياسياً نحو الاستقلال، تحولت الرياض من إدارة الخلافات إلى استخدام الطيران والقوات اليمنية المحلية الموالية لها لتغيير موازين القوة. ولم تتوقف الحملة عند إجبار القوات الجنوبية على الانسحاب، بل امتدت إلى تفكيك مؤسسات المجلس، والضغط على قياداته، وإعادة تشكيل الحكومة والقوات ومصادر التمويل.

قدمت السعودية تدخلها بوصفه دفاعاً عن الاستقرار ومنعاً لتحرك أحادي في حضرموت والمهرة، لكن هذه الرواية تتجاهل وجود قيادات حضرمية ومهرية وازنة داخل المجلس الانتقالي وهيئاته. كما تتجاهل أن الحكومة ومجلس القيادة والقوات التي نشرتها الرياض لم تأتِ عبر انتخابات. ولذلك يبدو الاحتجاج بغياب التفويض الانتخابي محاولةً انتقائية لنزع الشرعية عن طرف جنوبي، فيما تُمنح الشرعية لكيانات صنعتها التعيينات والتفاهمات الخارجية.

فتحت الحملة أيضاً المجال أمام عودة نفوذ حزب الإصلاح وشبكاته السياسية والعسكرية إلى مؤسسات الجنوب. وهنا تبرز مفارقة يصعب تجاهلها: تصنف السعودية جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً، لكنها تتعامل في اليمن مع حزب ذي جذور وروابط إخوانية بوصفه أداةً قابلة للتوظيف في مواجهة المشروع الجنوبي. لا يعني ذلك أن جميع الوزراء أو القوات الجديدة ينتمون إلى الإصلاح، لكنه يعني أن تفكيك القوة الجنوبية أعاد البيئة التي تتحرك داخلها شبكات الحزب ومراكز النفوذ اليمنية المرتبطة به.

وكان لهذا المسار ثمن أمني مباشر. فقد تعرضت وحدات جنوبية راكمت خبرةً طويلة في مكافحة تنظيم القاعدة للتفكيك وقطع الرواتب وتغيير القيادات، قبل إعداد بديل يمتلك المعرفة الميدانية نفسها. كما وثقت مؤسسة اليوم الثامن انتقال جزء من أسلحة الحملة إلى عناصر مرتبطة بالتنظيم، في وقت استفاد فيه الحوثيون من إضعاف الجبهة الجنوبية وتشتيت القوى التي واجهت مشروعهم طوال سنوات.

لم تنتج السيطرة السعودية استقراراً أو نموذج حكم قادراً على الحياة. بقيت الكهرباء متعثرة، والرواتب مرتبطةً بقرار الممول، والحكومة عاجزةً عن إدارة الموارد بصورة مستقلة. وفي المقابل، استمرت التظاهرات الرافضة للوصاية، مؤكدةً أن خسارة المعسكرات لا تعني انتهاء القضية الجنوبية، وأن السيطرة على المؤسسات لا تمنح شرعيةً شعبية.

تتحمل السعودية اليوم مسؤولية النتائج؛ لأنها اختارت القوة بدلاً من الحوار، وعرقلت مسار الاستقلال، وأعادت ترتيب الجنوب بما يخدم نفوذها. وما تحتاجه الرياض لحماية حدودها ليس جنوباً مفككاً تحكمه المنح والقوات التابعة، بل دولة جنوبية مستقرة وقادرة على مواجهة الحوثيين والقاعدة وحماية بحر العرب وخليج عدن. أما استمرار الوصاية، فلن يحمي الأمن السعودي، بل سيجعل الجنوب ساحة أزمة مفتوحة يدفع سكانه والمنطقة ثمنها.

الافتتاحية

نافذة فكرية تلقي الضوء على أبرز القضايا التي يتناولها العدد، مما يمنح القراء رؤية شاملة لما تقدمه المجلة. يُكتب العمود بأسلوب تحليلي يعكس رؤية رئيس التحرير وفريق التحرير تجاه الموضوعات التي يتم تناولها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى