لا تبدأ أزمة البحر من البحر. السفن التي تتعرض للهجوم، والممرات التي تتقلص فيها حرية الملاحة، والسواحل التي تستعيد فيها القرصنة حضورها، ليست سوى النتائج المرئية لأزمات تراكمت على اليابسة، ثم وجدت طريقها إلى الماء. وفي المنطقة الممتدة من مضيق هرمز إلى باب المندب وخليج عدن، لم يعد الفصل ممكناً بين الحرب والسياسة والتجارة والبيئة. كل اضطراب على الساحل يترك أثراً في البحر، وكل فراغ على اليابسة يتحول، عاجلاً أو آجلاً، إلى تهديد للملاحة.

ينطلق عدد أغسطس من «بريم» من هذه الحقيقة البسيطة التي تجاهلتها استراتيجيات كثيرة: لا يمكن حماية الممرات البحرية بالأساطيل وحدها، ولا يمكن بناء أمن مستدام حول بحار تحيط بها دول منهكة، وسلطات متنازعة، ومجتمعات حُرمت من التنمية، وجماعات مسلحة تعلّمت كيف تحول موقعها الجغرافي إلى ورقة ضغط إقليمية ودولية.

في باب المندب، لم تعد المخاطر مرتبطة بحادث عابر أو سفينة مستهدفة. نحن أمام تحوّل أوسع في طبيعة الصراع. جماعة مسلحة تسيطر على جزء من الساحل اليمني باتت قادرة على التأثير في حسابات شركات الشحن والتأمين والطاقة، وعلى دفع قوى دولية إلى تعديل مساراتها وانتشارها العسكري. وفي المقابل، لم تنجح الضربات البحرية والجوية في إنتاج معادلة ردع مستقرة، لأنها تعاملت مع النتيجة وتركت أصل المشكلة قائماً على اليابسة.

هنا تظهر حدود القوة العسكرية حين تعمل بلا مشروع سياسي. تستطيع السفن الحربية اعتراض طائرة مسيّرة أو صاروخ، لكنها لا تستطيع إدارة مدينة ساحلية، ولا إعادة بناء مؤسسة أمنية، ولا معالجة اقتصاد الحرب الذي تعيش عليه الجماعات المسلحة. وعندما تنسحب القطع البحرية من مساحة ما أو تعيد ترتيب أولوياتها، تملأ الفراغ شبكات التهريب والقرصنة والتنظيمات المتطرفة. ليست المسألة نقصاً في السلاح، بل غياباً لاستراتيجية ترى الساحل والمجتمع والدولة والممر البحري أجزاءً من أزمة واحدة.

ولا يختلف مضيق هرمز كثيراً، وإن اختلفت أدوات الضغط. فالتوتر فيه لا يحتاج دائماً إلى إغلاق كامل كي يحدث أثره. يكفي ارتفاع منسوب المخاطر، أو تأخر السفن، أو زيادة تكاليف التأمين، حتى ينتقل القلق إلى أسواق الطاقة وسلاسل التوريد. هكذا تصبح الممرات البحرية رهينة «اقتصاد الانتظار»؛ لا حرب شاملة ولا سلام مستقر، وإنما حالة طويلة من عدم اليقين يدفع ثمنها المستهلكون والدول الأقل قدرة على تحمل الاضطراب.

لكن البحر في هذا العدد ليس ساحة للحرب وحدها. إنه أيضاً طريق للهجرة والذاكرة والموسيقى. الدراسة التي تتناول تشكّل الموسيقى الأفرو–يمنية بين ضفتي البحر تذكرنا بأن الممرات نفسها التي تعبرها اليوم السفن الحربية وناقلات النفط، عبرتها من قبل جماعات بشرية حملت إيقاعاتها وطقوسها ولغاتها وتجاربها. لم يكن البحر الأحمر وخليج عدن حاجزاً بين أفريقيا واليمن، بل مساحة تواصل طويلة ومعقدة، اختلطت فيها التجارة بالهجرة القسرية، والعمل بالمنفى، والألم بالقدرة على إعادة إنتاج الحياة.

تلك الذاكرة ضرورية لفهم المنطقة بعيداً عن خرائط العمليات العسكرية. فالمجتمعات الساحلية ليست مجرد خلفية للموانئ والقواعد والجزر. إنها صاحبة تاريخ ومصلحة وحق في تقرير كيفية استخدام مواردها. وعندما تُستبعد من القرار، تتحول مشروعات التنمية إلى مصدر صراع، حتى عندما تُقدَّم تحت عناوين الاستثمار والتحديث.

ويظهر هذا التحدي بوضوح في سقطرى. الأرخبيل لا يحتاج إلى عزله عن العالم، كما لا يحتمل تنمية عشوائية تستهلك مياهه وتضغط على تنوعه الطبيعي. السؤال الحقيقي ليس: التنمية أم الحماية؟ بل أي تنمية، ولصالح من، وبأي قدر من المعرفة والرقابة؟ إن حماية سقطرى لا تعني تحويلها إلى متحف طبيعي يعيش سكانه على هامشه، وإنما بناء اقتصاد محلي يجعل المجتمع شريكاً في إدارة الموارد ومستفيداً من بقائها.

وفي عدن، تبدو محمية الحسوة مثالاً أكثر قسوة على ما يحدث حين تفقد البيئة من يدافع عنها. النفايات، ومخلفات البناء، والصرف غير المنضبط، والتوسع العمراني، والحرائق المتكررة، ليست حوادث منفصلة. إنها حلقات في مسار طويل من الإهمال المؤسسي. وعندما تتحول المحمية إلى أرض متدهورة، يصبح تغيير استخدامها أسهل، وتصبح المصالح العقارية أقدر على تقديم الاستحواذ بوصفه «تطويراً» لمكان قيل للناس إنه فقد قيمته.

المسؤولية هنا لا تقع على فرد واحد أو مكتب حكومي منفرد. إنها مسؤولية سلسلة كاملة من المؤسسات التي رأت التعديات ولم توقفها، وسمعت التحذيرات ولم تحوّلها إلى إجراءات. حماية الحسوة لا تحتاج إلى بيانات جديدة بقدر ما تحتاج إلى قرار واضح: وقف رمي النفايات، والتحقيق في الحرائق، وتثبيت حدود المحمية، ومراجعة أي مخططات استثمارية تمس وضعها القانوني والبيئي. أما حملات النظافة المؤقتة والصور الرسمية فلن تعالج مشكلة نشأت من غياب الإدارة والمساءلة.

يضع عدد أغسطس هذه الملفات إلى جوار بعضها لأنها، رغم اختلافها، تطرح السؤال نفسه: من يدير المجال العام، ولصالح من؟ من يقرر مصير الممرات والسواحل والمحميات والجزر؟ وهل تظل المجتمعات مجرد متلقية لنتائج قرارات تُتخذ بعيداً عنها؟

لا يقدم هذا العدد إجابات سهلة. لكنه يحاول تجاوز الوصف إلى مساءلة السياسات التي صنعت المأزق. فالأمن البحري لا ينفصل عن استقرار اليابسة، والاستثمار لا يمنح حق استنزاف الموارد، والحماية البيئية لا تنجح من دون السكان، والتاريخ الثقافي لا يقل أهمية عن الجغرافيا العسكرية.

البحر لا يحمي نفسه. وكذلك المحميات والجزر والذاكرة. وما لم توجد مؤسسات قادرة على حماية الحق العام، ومجتمعات مشاركة في القرار، وصحافة تتابع ما يجري قبل أن يصبح واقعاً لا يمكن تغييره، ستظل المنطقة تنتقل من أزمة إلى أخرى، بينما تتبدل أسماء السفن والمشروعات والفاعلين، وتبقى الأسباب القديمة في مكانها.

شارك المادة
الافتتاحية

الافتتاحية

نافذة فكرية تلقي الضوء على أبرز القضايا التي يتناولها العدد، مما يمنح القراء رؤية شاملة لما تقدمه المجلة. يُكتب العمود بأسلوب تحليلي يعكس رؤية رئيس التحرير وفريق التحرير تجاه الموضوعات التي يتم تناولها

كل مواد الافتتاحية

للاستشهاد بهذه المادة

الافتتاحية. (2026). الافتتاحية| الإصدار الثلاثيين – أغسطس/ آب 2026. مجلة بريم، العدد 30. https://perimjournal.com/2188/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *