
د. أشجان الفضلي
المدير التنفيذي لمؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات
سعيدة الشيبة
باحثة مقيمة لدى مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات
الملخص التنفيذي
تسعى هذه الدراسة السوسيولوجية الميدانية إلى تقييم واقع قطاع السمسم (الجلجلان) في محافظة أبين بوصفه إرثاً زراعياً وثقافياً واقتصادياً حيوياً، وتفكيك الأدوار الجندرية المركبة التي تلعبها المرأة الريفية ضمن سلاسل القيمة لهذا المحصول النقدي. تنطلق الدراسة من مقاربة “سوسيولوجيا اقتصاد المرأة” لتحليل الفجوة الحادة بين حجم الجهد البدني الشاق الذي تبذله النساء في مراحل الزراعة، القلع اليدوي، والتصفية التقليدية، وبين العائد المادي والمكانة الاجتماعية الاستقلالية التي تحظى بها داخل الأسرة والمجتمع المحتوي.
تعتمد الدراسة المنهج الكيفي الميداني عبر تحليل المقابلات المتعمقة مع المزارعات والعاملات في معالجة السمسم، المسوقين، وقيادة القطاع الزراعي المحلي الممثلة بمدير عام مكتب الزراعة والري في المحافظة. ويكشف التحليل الميداني أن المعوقات الحالية—وفي مقدمتها: غياب الميكنة الحديثة، الاعتماد على الطرق البدائية الشاقة، شح مياه الري والتغيرات المناخية، وغلاء تكاليف الإنتاج—تساهم بشكل مباشر في “تأنيث الفقر الريفي” وحصر المرأة في أدوار العمالة الهامشية غير المأجورة أو منخفضة الأجر.
في المقابل، تُبرز نتائج الدراسة مقومات واعدة لإحداث تحول تنموي مجتمعي يرتكز على استغلال المساحات الشاسعة لأراضي السيول في دلتا أبين (والتي تستهدف زراعة 120 ألف فدان سنوياً)، والتوسع في اعتماد الأصناف المستنبطة ذات الإنتاجية العالية كـ (كود 94.) وتخلص الدراسة إلى أن انتقال المرأة من أدوار الحصاد البدني المجهد إلى أدوار الريادة والتصنيع الغذائي (إنتاج الزيوت، الطحينية، والحلويات) والتسويق الحديث يمثل الحجر الأساس لبناء “اقتصاد نسائي ريفي مستدام”؛ يرفع القوة التفاوضية للمرأة، يعزز استقلاليتها في اتخاذ القرار الأسري، ويوجه العوائد المالية مباشرة نحو تحسين مستويات المعيشة والصحة والتعليم للأسرة الريفية.
تُختتم الدراسة بتقديم مصفوفة توصيات استراتيجية موجهة لصناع القرار والمنظمات التنموية الدولية تتكامل فيها برامج الدعم الحكومي البنيوي (مثل نموذج “القرض الأبيض” وتخفيض تكاليف المدخلات) مع إنشاء حاضنات أعمال نسائية خضراء وتوفير التقنيات الحساسة للنوع الاجتماعي التي تخفف عبء العمل البدني عن المرأة وتدمجها كشريكة رئيسية في التنمية المستدامة.
الكلمات المفتاحية: تمكين المرأة الريفية؛ سلاسل القيمة؛ اقتصاد المرأة؛ محصول السمسم (الجلجلان)؛ محافظة أبين؛ تأنيث الفقر؛ الميكنة الحساسة للنوع الاجتماعي؛ التنمية المستدامة.
المقدمة والخلفية البحثية
يشكل المحصول الزراعي في المجتمعات الريفية اليمنية نسيجاً اجتماعياً واقتصادياً متكاملاً، يتجاوز مفهوم النشاط الإنتاجي المادي ليعبّر عن هوية ثنائية ترتبط بالتراث المحلي وبناء أدوار المعيشة اليومية. وفي هذا السياق، يُعد محصول السمسم (الجلجلان) في محافظة أبين—وبخاصة في منطقتي دلتا أبين ودلتا حسان—إرثاً زراعياً وثقافياً ضارباً في عمق التاريخ المحلي، وركيزة استراتيجية لاقتصاد الأسرة الريفية.
وتتكامل زراعة السمسم في أبين مع منظومة من المعارف التراثية والصناعات التقليدية، وفي مقدمتها معاصر زيت “السليط البلدي” واستغلال المخرجات التحويلية (كـ “الكُسب” أو العُصارة) في النمط الغذائي الشعبية وتسمين الثروة الحيوانية. وبالرغم من الخصائص النوعية والبيولوجية المتميزة للأصناف المحلية، فضلاً عن الأصناف المستنبطة بحثياً مثل صنف “كود 94” الذي يتميز بمقاومته العالية للرقاد والآفات وغزارة إنتاجه، فإن هذا القطاع الحيوي يمر بظروف سوسيولوجية واقتصادية حادة تتشابك فيها تداعيات التغير المناخي وشح المياه مع غلاء التكاليف وتدهور البنية التحتية للري.
من المنظور السوسيولوجي، تقف المرأة الريفية في أبين في قلب سلاسل القيمة لإنتاج السمسم؛ حيث تشكل قوة العمل الأساسية والمحركة لمختلف مراحل الزراعة والرعاية والحصاد البدني المجهد. غير أن هذا الحضور الميداني الكثيف يترافق مع حالة صريحة من الهامشية الاقتصادية والاجتماعية؛ إذ غالباً ما تُختزل جهود النساء في أطر “العمل العائلي غير المأجور” أو الوظائف الهامشية منخفضة العائد. بناءً على ذلك، تأتي هذه الدراسةلتسليط الضوء على “اقتصاد المرأة الريفية” في قطاع السمسم بأبين، واستكشاف كيف يمكن للتحول من أنشطة الحصاد البدني التقليدي الشاق إلى أدوار التصنيع الغذائي، الريادة، والتحكم المباشر بالدخل، أن يشكل مدخلاً هيكلياً لتمكين المرأة الاجتماعي والاقتصادي، والحد من تفاقم فقر الإناث في المجتمع الريفي.
مشكلة البحث
تجسد مشكلة البحث في الفجوة الحادة بمحافظة أبين بين الجهد البدني الشاق الذي تبذله المرأة الريفية في كافة مراحل زراعة ومعالجة محصول السمسم (كالقلع اليدوي والضرب بالعصا)، وبين ضعف عائدها المادي ومكانتها التفاوضية؛ إذ تُحصر جهودها في نطاق “العمل العائلي غير المأجور” نتيجة سيادة الأساليب البدائية، وغياب الميكنة، واحتكار الفاعلين الذكور لمراحل التسويق والتحكم بالدخل المالي. ويترتب على هذا الاستبعاد—المدعوم بتداعيات شح المياه وتدهور البنية التحتية وغلاء التكاليف—تفاقم ظاهرة “تأنيث الفقر الريفي”، وتعطيل قدرة النساء على الانتقال نحو ريادة الأعمال وتصنيع القيمة المضافة (كإنتاج الطحينة والزيوت المعبأة)، مما يستدعي تشخيص هذه الديناميات الاجتماعية لبناء بيئة عمل مُمكِّنة تُعيد صياغة “اقتصاد المرأة” كرافعة للتنمية المستدامة.
أسئلة البحث
السؤال الرئيسي:
كيف يمكن تهيئة بيئة عمل مُمكِّنة ومستدامة لتمكين المرأة الريفية اجتماعياً واقتصادياً عبر قطاع السمسم في محافظة أبين، وبما يضمن تحول دورها من العمالة البدنية المجهدة إلى ريادة الأعمال والحد من الفقر؟
الأسئلة الفرعية:
ما واقع التقسيم الجندري للعمل وأدوار المرأة في سلاسل قيمة السمسم بأبين؟
كيف تؤثر المعوقات الإنتاجية والبيئية (غياب الميكنة وشح المياه) على العبء البدني والوضع المعيشي للمزارعات؟
ما مستوى استقلالية المرأة في التحكم بالدخل المالي وأثره على مكانتها الأسرية ورفاه أسرتها؟
ما الفجوات التمكينية التي تحول دون انتقال النساء من الحصاد البدني إلى ريادة المشاريع وتصنيع القيمة المضافة؟
ما التدخلات الاستراتيجية المقترحة لبناء “اقتصاد نسائي ريفي” مُمكِّن ومستدام يحد من الفقر؟
أهداف البحث
تسعى الدراسة إلى تحقيق الأهداف التالية:
تشخيص واقع مشاركة المرأة: تحليل التقسيم الجندري للعمل وأدوار المرأة في سلاسل قيمة السمسم بأبين.
تقييم العبء البدني والأثر الاجتماعي: رصد تداعيات الأساليب البدائية والتغيرات البيئية والمناخية على صحة المزارعات ووضعهن المعيشي.
قياس الاستقلالية المالية: معرفة مدى تحكم المرأة بالدخل الناتج عن المحصول وأثره في تعزيز مكانتها الأسرية والمجتمعية.
تحديد الفجوات والفرص التحويلية: الوقوف على متطلبات تحول النساء من الحصاد البدني المجهد إلى ريادة المشاريع وتصنيع القيمة المضافة (زيوت، طحينة، وتغليف).
تقديم رؤية استراتيجية: وضع توصيات عملية لصناع القرار والمنظمات لبناء اقتصاد نسائي ريفي مستدام يحد من فقر الإناث.
5. منهجية الدراسة وأدوات جمع البيانات الميدانية
تعتمد هذه الدراسة على المنهج الكيفي ذي الطابع السوسيولوجي التحليلي؛ نظرًا لملاءمته العالية لاستكشاف الديناميات الاجتماعية المركبة، وفهم الأدوار الجندرية، وتقسيم العمل الريفي، وعلاقات القوة والسلطة المالية داخل الأسرة والمجتمع المحيط.
أولاً: أداة جمع البيانات الميدانية
تعتمد الدراسة بشكل رئيسي على المقابلات المتعمقة مع فئات متعددة في مجتمعات دلتا أبين ودلتا حسان، لتتبع سلسلة القيمة الجندرية لمحصول السمسم من المزرعة وحتى السوق ومراكز اتخاذ القرار الرسمية.
ثانياً: مصفوفة عينة وأدوات البحث الميداني
لتحقيق أهداف الدراسة وتتبع «سلسلة القيمة الجندرية» لمحصول السمسم في محافظة أبين، تم تقسيم أداة المقابلة المتعمقة الميدانية وتوجيهها نحو أربع فئات رئيسية ممثلة للفاعلين في هذا القطاع. يهدف هذا التوزيع المنهجي إلى الاستجابة لأسئلة البحث عبر ربط أدوار كل فئة بالمؤشرات السوسيولوجية والاقتصادية المستهدفة (بدءاً من الإنتاج الأولي والعصر والتصنيع، مروراً بالتسويق، ووصولاً إلى رسم السياسات الرسمية)، كما هو موضح في الجدول التالي:”
الفئة المستهدفة
محاور المقابلة الرئيسية (المنظور السوسيولوجي)
القضايا المطروحة ومؤشرات القياس الاجتماعي
المزارعات والعاملات في الزراعة الأولية
التقسيم الجندري للعمل البدني
أساليب الحصاد والتصفيات التقليدية (القلع اليدوي والضرب بالعصا).
العبء الصحي والجسدي للأساليب البدائية
تقييم الأصناف المزروعة (الصنف البلدي مقابل كود 94), تأثير الجهد البدني على صحة المرأة ووقتها الرعائي.
الاستقلالية المالية ومستوى التحكم بالدخل
التكيف مع الآفات وشح المياه، وقياس مدى التحكم العائلي بالدخل وأثره على الإنفاق على (الصحة، التعليم، والتغذية).
النساء العاملات في سلاسل القيمة والتصنيع
التحول نحو القيمة المضافة
الفرص التحويلية (إنتاج الطحينة، الزيوت، والحلويات).
عوائق الوصول للأسواق والتمويل
القيود الثقافية أمام حركة المرأة في الأسواق والتمويل.
ديناميكيات السوق والطلب المحلي والإقليمي
تقييم جودة السمسم الأبيني وسعر زيت “السليط”
التجار والمسوّقون
النظر الاجتماعية للفرص الاستثمارية النسائية
مدى تقبل السوق للعلامات التجارية والمشاريع الصغيرة التي تقودها النساء
السياسات الاستراتيجية والتسهيلات التمكينية
استراتيجيات استغلال أراضي السيول (120 ألف فدان)
صنّاع القرار والمسؤولون الميدانيون (مدير عام الزراعة بأبين)
أثر التوجهات الرسمية في حماية اقتصاد المرأة
تقييم نموذج “القرض الأبيض” لإصلاح البنية التحتية
الشراكة بين التنمية والرؤية المحلية
سياسات توفير الميكنة والتدريب المتخصص لتمكين المرأة الريفية
الإطار النظري والدراسات السابقة (منظور سوسيولوجيا اقتصاد المرأة(
أولاً: الإطار النظري للدراسة
تستند هذه الدراسة إلى أربع مقاربات سوسيولوجية وتنموية متكاملة لتفكيك ديناميات عمل المرأة الريفية في قطاع السمسم بمحافظة أبين:
منظور النسوية والتنمية (WAD – Women and Development):
تفترض هذه النظرية أن المرأة الريفية كانت وما زالت فاعلاً اقتصادياً أساسياً في المنظومة الإنتاجية، إلا أن المشكلة تكمن في البنية المجتمعية والسياسات التنموية التقليدية التي تُغيّب الاعتراف بالقيمة الاقتصادية لعملها؛ فتتعامل مع جهدها كـ “مساعدة عائلية غير مأجورة” بدلاً من اعتبارها شريكة رئيسية في الإنتاج والتنمية.
مقاربة سلاسل القيمة الحساسة للنوع الاجتماعي (Gender-Sensitive Value Chains):
توفر هذه المقاربة أداة تحليليّة لتفكيك محطات إنتاج السمسم في أبين (الزراعة، الحصاد، المعالجة، العصر، والتسويق)؛ لتحديد المواقع التي تتمركز فيها النساء (غالباً في المحطات البدنية الشاقة ذات العائد المنخفض كالقلع والضرب)، والمواقع التي يُحتكر فيها النفوذ المالي وقرار البيع من قبل الذكور والوسطاء (مراحل التسويق والتفاوض المالي(
أطروحة “تأنيث الفقر الريفي” (Feminization of Rural Poverty):
تفسر كيف تؤدي العوامل الهيكلية—مثل الأساليب البدائية المجهدة، غياب الميكنة، والتغيرات المناخية وشح المياه—إلى إبقاء النساء في أدوار انتاجية ذات عائد معدوم أو منخفض، مما يحمّلهن العبء الأكبر من الفقر والحرمان المادي والجسدي داخل المجتمع الريفي.
نموذج التفاوض الأسري والتمكين (Intra-Household Bargaining Power):
يحلل العلاقة بين امتلاك المرأة الريفية لدخل مالي مستقل (عبر تصنيع وتعبئة الزيوت والطحينة) وبين ارتفاع قدرتها التفاوضية وصوتها التقريري داخل الأسرة والمحيط المجتمعي، وهو ما ينعكس مستجيباً على تحسين مؤشرات الرفاه الاجتماعي (التعليم، الصحة، والتغذية للأطفال(
التعقيب والربط الميداني بالإطار النظري:
تُشكّل هذه المقاربات النظرية الأربع مرتكزاً تحليلياً متكاملاً للدراسة الميدانية في محافظة أبين؛ فبينما يُفسّر منظور (النسوية والتنمية WAD) أسباب اختزال جهد مزارعات السمسم في خانة “العمل العائلي غير المأجور”، تأتي مقاربة (سلاسل القيمة الجندرية) لتكشف ميدانياً كيف تتمركز النساء في المحطات البدنية الشاقة (كالقلع والضرب بالعصا) مقابل احتكار الذكور والوسطاء للمحطات التسويقية والمالية. وفي الوقت الذي تُشخّص فيه أطروحة (تأنيث الفقر) تداعيات غياب الميكنة وشح المياه على تفاقم حرمان المرأة الريفية، يُقدّم نموذج (التفاوض الأسري) المسار التنموي البديل؛ حيث يُثبت أن انتقال المرأة إلى مرحلة التصنيع الغذائي (كالزيوت والطحينة) والتحكم المباشر بالعائد المالي يُعزّز قوتها التفاوضية ومكانتها داخل الأسرة، ويُحوّل عملها من عبء بدني إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة.
ثانياً: الدراسات السابقة (مقاربة سوسيولوجية مقارنة)
تستعرض الدراسة تجارب دولية وإقليمية نجحت في إعادة صياغة موقع المرأة ضمن سلاسل القيمة الزراعية لتحقيق العدالة الاقتصادية، وتوظيفها تحليلياً لتفكيك واقع قطاع السمسم في محافظة أبين:
1. الدراسة الأولى: تمكين المرأة في قطاع القطن – الهند (Better Cotton, 2023)
السياق الاجتماعي لاقتصاد المرأة: أظهرت الدراسة أن النساء في الريف الهندي يمثلن قوة العمل الرئيسية في المهام الأكثر إرهاقاً وتكراراً (البذر والقطف)، إلا أن هيمنة الأطُر التقليدية كانت تعزلُهن عن الجمعيات الزراعية ومراكز اتخاذ القرار، حيث لم تتجاوز نسبة النساء اللاتي حصلن على تدريب مهني 33%.
مسارات التحول الاجتماعي والأثر: ركزت التدخلات التنموية على تنظيم مهارات النساء وإدماجهن في أدوار قيادية وميدانية (تأهيل أكثر من 125,000 امرأة)، مما أدى إلى الاعتراف المجتمعي بـ “اقتصاد المرأة” كعنصر حاسم لرفع إنتاجية المحصول وتغيير نظرة المجتمع لمهاراتها القيادية.
الربط بالواقع الأبيني: تعكس هذه الدراسة حالة المزارعات في أبين؛ حيث تمارس النساء أعمال القلع والضرب اليدوي المجهدة دون تأهيل تسويقي أو تنظيمي، مما يؤكد أهمية التحول من الإجهاد البدني المجهد إلى التنظيم المؤسسي والتأهيل القيادي.
2. الدراسة الثانية: العدالة الاقتصادية في قطاع البن – إثيوبيا (World Bank / TechnoServe / Nespresso)
السياق الاجتماعي لاقتصاد المرأة: كشفت الدراسة الميدانية أن النساء ينفذن نحو 75% من أنشطة سلاسل قيمة البن (الحصاد، الفرز، والغسيل)، ولكن الأعراف الاجتماعية الجندرية كانت تحرمهن من الحصول على أكثر من 10% إلى 43% من المردود المالي المباشر، بسبب القيود المؤسسية على حيازة الأرض ورأس المال.
مسارات التحول الاجتماعي والأثر: نجحت التدخلات في إصلاح منظومة ملكية الأراضي لتكون مشتركة، إلى جانب تدريب المزارعات على إدارة المزارع والتقنيات الحديثة (ارتفعت نسبة مشاركتهن القيادية من 4% إلى 43%). وتُرجم هذا التحكم بالدخل المالي إلى تحسن مباشر في رفاه الأسرة الريفية من خلال زيادة الإنفاق على الصحة والتغذية وتعليم الأبناء.
الربط بالواقع الأبيني: تبرز أهمية هذه التجربة في تأكيد القيمة الاجتماعية للاستقلال المالي للمرأة في أبين؛ حيث يساهم تمكين المرأة في قطاع السمسم مباشرة في تحسين مستويات المعيشة والحد من الفقر المتعدد الأبعاد للأسر الريفية.
3. الدراسة الثالثة: تمكين المرأة في سلاسل القيمة للزراعات التراثية والتحويلية – مصر والأردن (FAO / ESCWA)
السياق الاجتماعي لاقتصاد المرأة: أظهرت الأبحاث الميدانية في المجتمعات الريفية العربية أن النساء يُشكّلن العمود الفقري للعمالة الزراعية والجمع والتصنيع المنزلي للمحاصيل النقدية والتراثية (كعصر الزيوت والتجفيف وتصنيع المشتقات)، إلا أن عملهن يُصنّف غالباً في النطاق غير الرسمي، مع تدني قدرتهن على اختراق الأسواق والتفاوض المالي بفعل القيود المجتمعية والاعتماد على الوسطاء الذكور.
مسارات التحول الاجتماعي والأثر: أثبتت التدخلات المبنية على دمج النساء في “حاضنات أعمال زراعية خضراء” وتأسيس تعاونيات نسائية للتصنيع الغذائي وتوفير تقنيات ميكنة بسيطة ومناسبة للنوع الاجتماعي، أن انتقال المرأة من دور المزارعة البدائية إلى دور “المُصنِّعة ورائدة الأعمال” أدى إلى رفع دخل الأسرة الريفية بنسب ملموسة، وعزّز من استقلالية المرأة وقدرتها التقريرية داخل الأسرة والمجتمع المحيط.
الربط بالواقع الأبيني: تتماشى هذه التجربة الإقليمية كلياً مع متطلبات قطاع السمسم في أبين؛ إذ تُؤكّد أن تنظيم المزارعات في حاضنات نسائية لتصنيع الزيوت المعبأة والطحينة والحلويات يُعد الخيار الاستراتيجي الأكثر نجاعة لكسر احتكار الوسطاء الذكور، وتحويل الجهد البدني الشاق إلى قيمة اقتصادية مستدامة تحمي المرأة من “تأنيث الفقر”.
التحليل التركيبي والربط السوسيولوجي بقطاع السمسم في أبين:
تُظهر قراءة المقاربات الثلاث أن المشكلة البنيوية للعمالة النسائية الريفية ليست مشكلة “غياب المشاركة الإنتاجية”—فالمرأة حاضرة بقوة ومجهدة بدنياً—بل هي مشكلة “غياب التمكين الهيكلي والعدالة الاقتصادية” ضمن سلاسل القيمة.
إن الربط بين تجارب (الهند، إثيوبيا، ومصر/الأردن) والواقع الأبيني يُبين أن التحول التنموي المستدام للمرأة الريفية في أبين يتطلب التغلب على ثلاث ثنائيات حادة:
من الإجهاد البدني إلى الميكنة الحساسة للنوع الاجتماعي: (كما في التجربة الهندية)، عبر استبدال القلع اليدوي والضرب بالعصا بآلات حصاد وعصر حديثة تخفف العبء الجسدي وتوفر الوقت الرعائي للمرأة.
من العمل غير المأجور إلى التحكم بالدخل المستقل: )كما في التجربة الإثيوبية)، بما ينعكس فوراً على رفاهية الأسرة الريفية وتحسين مؤشرات الصحة والتعليم للأبناء.
من الزراعة البدائية إلى التصنيع الغذائي والحاضنات الخضراء: (كما في التجربة العربية الإقليمية)، بنقل المرأة من خانة العمالة الهامشية إلى ريادة الأعمال وتصنيع القيمة المضافة (زيوت معبأة، طحينة، وحلويات(
الفجوة البحثية (Research Gap):
على الرغم من أهمية الدراسات السابقة في تقديم نماذج دولية وإقليمية لتمكين المرأة في سلاسل القيمة الزراعية، إلا أن أدبيات علم الاجتماع التنموي والنسوي في اليمن تعاني من نقص واضح في الدراسات التي تتناول “اقتصاد المرأة الريفية” ضمن سلاسل قيمة المحاصيل النقدية والتراثية كـ “السمسم” في محافظة أبين. وتأتي هذه الدراسة الميدانية لتغطية هذه الفجوة المنهجية والمعرفية عبر ربط البعد التراثي والثقافي للسمسم بالفرص التمكينية التحويلية للنساء (كالتصنيع والحاضنات الخضراء)، وتحليل آليات الحد من “تأنيث الفقر الريفي” في ظل التحديات الهيكلية والمناخية الراهنة.
القراءة التحليلية للمحاور الميدانية للدراسة
أولاً: الأهمية التاريخية وسلسلة القيمة لمحصول السمسم من منظور سوسيولوجي
ينفرد محصول السمسم (الجلجلان) في مجتمعات دلتا أبين ودلتا حسان بهوية ثنائية مركبة تُزاوج بين الإرث الزراعي التراثي والركيزة الاقتصادية المعيشية للأسرة الريفية؛ إذ لا يُنظر للسمسم في البناء المجتمعي الأبيني بوصفه مجرد محصلة نباتية حقلية، بل كعنصرٍ محوري في تشكيل الهوية الثقافية وأنماط المعيشة الممتدة عبر الأجيال. وتتجلى هذه القيمة في منتجه التحويلي الأول المتمثل في زيت “السليط البلدي”، الذي يحظى برمزية اجتماعية واقتصادية رفيعة نظراً لجودته الاستثنائية واستخداماته المتعددة طبياً وغذائياً، فضلاً عن كونه محركاً تجارياً يتجاوز الاستهلاك المحلي ليشكل سلعة نقدية مطلوبة للتصدير إقليمياً ونحو أسواق دول الخليج العربي.
وتكتمل المنظومة الاقتصادية للمحصول من خلال مخرجاته التحويلية كالـ “الكُسب” (أو العُصارة)، التي تُجسد مفهوم “صفر هدر” في الثقافة الإنتاجية الريفية؛ حيث تُستغل هذه المخرجات في إعداد المأكولات الشعبية اليومية كالمعجنات والفوح والسمسمية والطحينية، إلى جانب توظيفها كمادة بروتينية عالية القيمة لتسمين الثروة الحيوانية التي تقع عادةً ضمن مسؤوليات الرعاية اليومية للمرأة الريفية.
على الصعيد الزراعي والنوعي، تتوزع المساحات المزروعة بين الأصناف المحلية التراثية—كالسمسم الأسود الصغير المميز بكثافة زيته ونكهته—والأصناف المستنبطة بحثياً وأبرزها صنف (كود 94). وتؤكد المعطيات الميدانية والرسمية الصادرة عن قيادة مكتب الزراعة والري بالمحافظة أن صنف (كود 94) يمثل خياراً استراتيجياً واعداً؛ نظراً لخصائصه البيولوجية المتمثلة في مقاومة الرقاد والقدرة على التعافي بعد الرياح الشديدة، وطول الساق الذي يتراوح بين مترين وثلاثة أمتار، مع غزارة الشماريخ الحاملة للقرون المكتنزة بالبذور، فضلاً عن ارتفاع نسبة استخلاص الزيت منه ومقاومته العالية للآفات الحشرية الحقلية كـ “القاسيد”.
ثانياً: التحديات البيئية والإنتاجية وأثرها الجندري على المرأة الريفية
وعلى الرغم من هذه الأهمية التاريخية والقيمة الاقتصادية المتكاملة، تتعرض العملية الإنتاجية لزراعة السمسم في أبين لسلسلة من المعوقات الهيكلية التي تنعكس أعباؤها سلبياً وبصورة غير متكافئة على واقع المرأة الريفية. ويأتي في مقدمة هذه المعوقات العبء الجسدي الناجم عن غياب الميكنة؛ حيث لا تزال المزارعات والعاملات يعتمدن على أساليب بدائية شاقة متمثلة في “القلع اليدوي” و”الضرب بالعصا” لحصاد البذور وتصفيتها. ويؤدي هذا العمل البدني المجهد الممتد لساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة إلى استنزاف صحة المرأة ووقتها الرعائي والتنموي، دون الحصول على عائد مالي مكافئ لجهدها المبذول.
وتتفاقم هذه المعاناة بفعل شح المياه والتغيرات المناخية، حيث تسبب تدهور البنية التحتية لشبكات الري وانجراف الجسور في الاعتماد المفرط على الآبار الجوفية المكلفة أوقات الجفاف، مما يقلص المساحات المزروعة ويحرم النساء من فرص العمل الزراعي المعتادة. يُضاف إلى ذلك تفشي الآفات الموسمية وتلف المحصول نتيجة انتشار الأمراض (كالسمق، والبياض الزغبي، والاحتراق الجذري)، ومع غياب مراكز التخزين العلمي الحديث، يتعرض المحصول بعد الحصاد للتلف المباشر، مما يفقد الأسر الريفية مدخراتها الموسمية ويضاعف من هشاشة المرأة كعائل رئيسي أو مشارك في إعالة الأسرة.
ثالثاً: السمسم كفرصة استثمارية للحد من الفقر واقتصاد الأسرة
وفي المقابل، تثبت المعطيات الميدانية أن قطاع السمسم يحمل مقومات واعدة لإحداث نقلة نوعية في مستويات الدخل والحد من فقر الإناث في أبين إذا ما أُحسن استغلال الموارد المتاحة. وتتجلى أولى هذه المقومات في الاستغلال الاستراتيجي لأراضي السيول؛ إذ تمتلك المحافظة ميزة نسبية استثنائية بتوفر مساحات واسعة خصبة معتمدة على ري السيول دون تكلفة تسميد أو ري اصطناعي مكلف، حيث تستهدف خطة مكتب الزراعة بالمديرية زراعة نحو 120 ألف فدان سنوياً.
كما يُصنف السمسم بصفته محصولاً نقدياً ذا مردود مالي عالٍ وسريع مقارنة بغيره من المحاصيل التقليدية، مما يجعله نافذة استثمارية مشجعة لدمج الشباب والنساء في دورته الإنتاجية، وبما يسهم مباشرة في تقليل معدلات البطالة الريفية، ورفع القوة الشرائية للأسر، وتحويل الزراعة من مجرد نشاط كفافي إلى مجالات إنتاجية مربحة.
رابعاً: تمكين المرأة والعدالة الاقتصادية في سلاسل القيمة
يتطلب جني هذه الثمار التنموية تحليلاً سوسيولوجياً عميقاً لموقع المرأة ضمن سلسلة القيمة، ورصداً حثيثاً للفجوة الفاصلة بين عملها المجهد واستقلاليتها المالية. حيث يكشف تقسيم العمل الجندري الحالي عن تركز النساء في المراحل التنفيذية المجهدة (كـ الفرز، التنظيف، القلع، والعصر التقليدي)، بينما يسيطر الفاعلون الذكور والوسطاء على مراحل التسويق المفتوح والبيع والتفاوض المالي، مما يحرم المرأة من التحكم المباشر بالدخل المالي الناتج عن عرقها وتعبها الميداني.
وتؤكد نتائج المقابلات الميدانية أن تحقيق الاستقلالية المالية والرفاه الأسري للمرأة—عبر تمكينها من السيطرة على دخلها المالي—ينعكس فوراً على وجهات الإنفاق الاجتماعي الضروري داخل الأسرة (كالاهتمام بصحة الأطفال، والتعليم، وتحسين التغذية اليومية)، وهو ما يعزز مكانة المرأة وقدرتها التفاوضية في اتخاذ القرار الأسري والمجتمعي. ومن هذا المنطلق، تكمن الفرصة الحقيقية للتنمية المستدامة في التحول نحو القيمة المضافة، بنقل المرأة من خانة “العمالة البدنية الزراعية الهامشية” إلى خانة “ريادة الأعمال التحويلية” عبر تأسيس مشاريع معالجة صغيرة ومبتكرة لإنتاج الطحينة، والزيوت المعبأة، والتغليف، والتسويق الحديث.
خامساً: قراءة سوسيولوجية واستراتيجية لمطالب الإدارة الزراعية بأبين
يشكّل التحليل السوسيولوجي للقطاع الزراعي في محافظة أبين مدخلاً رئيسياً لفهم ديناميكيات الإنتاج المحلي وعلاقتها بالبناء الاجتماعي والتمكين الاقتصادي للمرأة الريفية؛ إذ لا تقف مطالب الإدارة الزراعية الرسمية عند حدود التطوير التقني والهيكلي للمحاصيل، بل تتقاطع بشكل مباشر مع تحسين الواقع المعيشي والاجتماعي للنساء اللاتي يمثلن الرافد الأساسي لسلسلة قيمة محصول السمسم (الجلجلان). وتأسيساً على نتائج المقابلة الميدانية والمتعمقة مع قيادة مكتب الزراعة والري بمحافظة أبين—ممثلة بالدكتور حسين فضل الهيثمي—تتكامل الرؤية الاستراتيجية الرسمية مع التحليل السوسيولوجي في أربعة محاور رئيسية:
تطبيق استراتيجية “القرض الأبيض” وإصلاح البنية التحتية: تؤكد رؤية الإدارة الزراعية أن القروض النقدية المباشرة غالباً ما تتحول إلى أعباء وإرهاق مالي يثقل كاهل الأسر الريفية. ومن هذا المنطلق، تتجلى أهمية تبني نموذج “القرض الأبيض” الموجه نفعياً ونوعياً نحو التدخلات الهيكلية التنموية، كترميم المنشآت المائية وإصلاح قنوات الري والجسور وتوفير شبكات السيول. وينعكس هذا المطلب استراتيجياً وسوسيولوجياً على حياة المرأة الريفية من خلال توفير الوقت والجهد البدني الشاق الذي تبذله النساء في البحث عن المياه أو جلبها، وتخفيف الضغوط المالية الناجمة عن السداد والديون.
تخفيض تكاليف المحروقات والمدخلات الزراعية: يمثل ارتفاع أسعار المحروقات والمدخلات العبء الأكبر الذي يرفع كلفة الإنتاج ويقلص هامش الربح للمزارعين. وتستهدف المطالب الرسمية خفض هذه التكاليف التأسيسية لضمان استدامة النشاط الزراعي؛ وهو ما ينعكس مباشرة على المستوى المعيشي والنفسي للمرأة الريفية عبر رفع الدخل المباشر الخالص للأسرة، وتخفيف حدة القلق الناجم عن عدم القدرة على تغطية مصاريف الموسم الزراعي.
توفير الميكنة الزراعية الحديثة والحساسة للنوع الاجتماعي: يتصدر إدخال آلات الحصاد والعصر والتنظيف قائمة المطالب التقنية للإدارة الزراعية لإحلال الميكنة محل الطرق البدائية المجهدة. وتكتسب هذه الخطوة بُعداً سوسيولوجياً وصحياً بالغ الأهمية، يتمثل في حماية صحة النساء من الأضرار الجسدية والإجهاد المزمن الناجم عن عمليات “القلع والضرب اليدوي بالحصى والعصي”، إلى جانب فتح مجالات تشغيل حديثة للمرأة تتناسب مع الأدوار التقنية والتنظيمية بدلاً من الشقاء البدني.
التدريب والتأهيل المتخصص في سلاسل القيمة: تطالب قيادة القطاع الزراعي بضرورة بناء القدرات ونقل الخبرات والمعارف الحديثة في مجالات التصنيع الغذائي، والتسويق، والتخزين العلمي. ويترجم هذا المطلب تنموياً وسوسيولوجياً عبر تمكين النساء من تجاوز أدوار العمالة الزراعية الهامشية نحو إدارة مشاريع تصنيعية صغيرة ومبتكرة (كإنتاج الزيوت المعبأة والطحينية)، وضمان وصولهن المستقل والفاعل للأسواق المحلية والإقليمية.
النتائج العامة للدراسة
بناءً على القراءة التحليلية الكيفية لمعطيات الميدان، وتفريغ المقابلات المتعمقة مع المزارعات، والعاملات، والمسوّقين، وقيادة مكتب الزراعة والري بمحافظة أبين، توصلت الدراسة إلى النتائج السوسيولوجية والتنموية التالية:
الرمزية الاجتماعية والقيمة الاقتصادية الشاملة
يُشكل محصول السمسم (الجلجلان) في أبين إرثاً ثقافياً زراعياً ونشاطاً استثمارياً يجسد التطبيق العملي لمفهوم “صفر هدر”؛ حيث تتوزع سلسلة قيمته بين زيت “السليط البلدي” العالي القيمة والمطلوب تصديرياً، والمخرجات التحويلية (“الكُسب”/العصار) التي تعزز الأمن الغذائي الأسري من خلال إعداد الأطعمة الشعبية وتسمين الثروة الحيوانية التي تقع عادة ضمن نطاق رعاية النساء.
التفاوت الجندري في التقسيم العملي لسلسلة القيمة
تتحمل المرأة الريفية في أبين العبء الأكبر في المحطات الإنتاجية البدنية الأكثر إرهاقاً (كالقلع اليدوي، والضرب بالعصا، والتنظيف، والفرز)، بينما يسيطر الوسطاء والفاعلون الذكور على المحطات المالية والتسويقية والتفاوضية. هذا التقسيم اللامكافئ يساهم في تكريس “تأنيث الفقر الريفي” واختزال جهد المرأة وتضييقه في خانة “العمل العائلي غير المأجور”.
الارتباط الوثيق بين استقلالية المرأة المالية والرفاه الأسري
أثبتت معطيات الميدان أن تمكين المرأة من التحكم المباشر بالعوائد المالية لنشاطها الزراعي والتصنيعي ينعكس فوراً ومباشرةً على تحسين مؤشرات الرفاه الاجتماعي والأسري؛ حيث تُوجه المرأة مدخولها نحو التعليم، والصحة، والتغذية السليمة للأطفال، مما يرفع من قوتها التفاوضية ومكانتها في اتخاذ القرار داخل الأسرة والمجتمع المحتوي.
المقومات الاستراتيجية والأصناف الواعدة
تمتلك المحافظة فرصاً تنموية استثنائية تتمثل في توفر أراضي السيول الخصبة الممتدة (استهداف زراعة نحو 120 ألف فدان سنوياً)، والتوسع في نشر الأصناف المستنبطة عالية الإنتاجية مثل صنف (كود 94)، الذي يتميز بالطول، والمقاومة للرقاد والآفات الحشرية، وغزارة الشماريخ الحاملة للقرون، وارتفاع نسبة استخلاص الزيت، مما يوفر قاعدة إنتاجية صلبة لاقتصاد محلي واعد.
الفجوات الهيكلية والضرورة التنموية لـ “القرض الأبيض”
تعاني المزارعات والعاملات من ثقل تكاليف المحروقات والمدخلات، وشح مياه الري، وغياب التخزين العلمي الحديث. وتؤكد النتائج الرسمية والميدانية أن الحل لا يكمن في تقديم القروض النقدية الإرهاقية، بل في تبني نموذج “القرض الأبيض” الموجه لإصلاح البنية التحتية (قنوات الري والجسور)، وتوفير الميكنة الحساسة للنوع الاجتماعي التي تخفف العبء الجسدي عن النساء وتضمن استدامة
الخاتمة والتوصيات الاستراتيجية
أولاً: الخاتمة العامة للدراسة
أثبتت هذه الدراسة السوسيولوجية الميدانية أن محصول السمسم في دلتا أبين وحسان ليس مجرد نتاج زراعي تقليدي، بل هو مورد تراثي واقتصادي مركب يمتلك كافة المقومات لإحداث نهضة تنموية شاملة في الريف الأبيني. وقد كشفت الدراسة أن الرهان الحقيقي لتطوير هذا القطاع لا يتوقف عند توفير المدخلات التقنية أو استصلاح الأراضي، بل يكمن في تحقيق العدالة الجندرية داخل سلسلة القيمة؛ عبر نقل المرأة الريفية من دائرة “العمل الجسدي المجهد وغير المأجور” إلى موقع “المشاركة التنموية المستقلة وريادة الأعمال التحويلية”.
إن الاستثمار في تمكين المرأة الريفية، وتبني نماذج تمويلية مبتكرة كـ “القرض الأبيض”، وتوفير الميكنة الحساسة للنوع الاجتماعي، يُشكل المدخل العملي لكسر حلقة “تأنيث الفقر”، وتحويل قطاع السمسم من زراعة كفافية محاصرة بالتحديات إلى رافعة حقيقية للأمن الغذائي والرفاه الأسري والتنمية المستدامة في محافظة أبين.
ثانياً: التوصيات الموجهة لصناع القرار والمنظمات التنموية
على مستوى السياسات والجهات الحكومية (مكتب الزراعة والري والجهات ذات الصلة):
تفعيل نموذج “القرض الأبيض”: توجيه التمويلات والمنح نحو إصلاح البنية التحتية لمنظومة الري، وترميم قنوات السيول والجسور في دلتا أبين، بدلاً من تقديم القروض النقدية التي تُثقل كاهل المزارعين الأشد فقراً.
التوسع في الأصناف البحثية عالية الإنتاجية: دعم وتعميم زراعة صنف (كود 94) لمزاياه البيولوجية والإنتاجية العالية ومقاومته للظروف المناخية والآفات الحشرية.
تأسيس بنية تخزينية علمية: إنشاء مراكز تبريد وتخزين حديثة وحكومية لحماية المحصول بعد الحصاد من التلف والآفات، وضمان استقرار الأسعار الموسمية.
على مستوى المنظمات التنموية والدولية (FAO, UNDP, والمنظمات النسوية):
إدخال الميكنة الحساسة للنوع الاجتماعي: توفير آلات حصاد وتصفية حديثة ومناسبة للنساء لتخفيف الأعباء البدنية الشاقة (القلع والضرب اليدوي)، وحماية صحة المزارعات وتوفير وقتهن الرعائي.
دعم حاضنات الأعمال الخضراء والتصنيع الغذائي: تمويل وتأسيس مشاريع نسائية صغيرة ومبتكرة لتصنيع القيمة المضافة (معاصر زيوت حديثة، إنتاج الطحينية، والسمسمية والتغليف المطور).
التأهيل المالي والتسويقي: تنفيذ برامج تدريبية تخصصية للمزارعات والعاملات في مهارات التفاوض، والتسويق، وإدارة سلاسل الإمداد، لتمكينهن من الوصول المباشر للأسواق دون احتكار الوسطاء.
أولاً: المراجع باللغة العربية
الهيثمي، حسين فضل. (2024). واقع إنتاج وتطوير سلاسل قيمة المحاصيل النقدية (السمسم وصنف كود 94) في دلتا أبين [تقرير ميداني ومقابلة وثائقية متعمقة]. مكتب الزراعة والري، محافظة أبين، اليمن.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP). (2022). التمكين الاقتصادي للمرأة الريفية وتقييم سلاسل القيمة الزراعية في المحافظات المحررة (اليمن). منشورات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، صنعاء/عدن.
الجهاز المركزي للإحصاء. (2021). كتاب الإحصاء الزراعي السنوي: المساحات والمحاصيل النقدية في دلتا أبين وحسان. وزارة التخطيط والتعاون الدولي، عدن.
الشبكة العربية للبيئة والتنمية (RAED). (2023). التغيرات المناخية وأثرها على الزراعة المطرية والمروية بالسيول في اليمن: دراسة حالة دلتا أبين. القاهرة.
منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو FAO). (2023). إدماج النوع الاجتماعي في سلاسل القيمة الزراعية في المنطقة العربية: أدلة إرشادية وتجارب ميدانية. المكتب الإقليمي للشرق الأدنى وشمال إفريقيا، القاهرة.
مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات. (2025). أثر النزاعات والتغيرات البيئية على اقتصاد المرأة الريفية في جنوب اليمن. عدن.
ثانياً: المراجع باللغة الإنجليزية
Better Cotton Initiative (BCI). (2023). Gender Equality and Women’s Empowerment in Agricultural Value Chains: Lessons from Smallholder Cotton Farmers in India. BCI Impact Report, Geneva.
FAO & ESCWA. (2022). Rural Women’s Economic Empowerment in the MENA Region: Gender-Sensitive Value Chain Analysis in Agriculture. Food and Agriculture Organization & United Nations Economic and Social Commission for Western Asia, Beirut.
Kabeer, N. (2019). Randomized Control Trials and the Policy Requirement for Evidence: What do they tell us about Microfinance and Women’s Empowerment?. Development and Change, 50(1), 142-161.
Razavi, S. (2018). The Gendered Political Economy of Agricultural Transformation. UN Women Discussion Paper Series, No. 21, New York.
TechnoServe & World Bank. (2022). Gender Mainstreaming in Coffee and Cash Crop Value Chains: Empowering Female Farmers in Ethiopia. World Bank Group, Washington, D.C.
World Bank. (2021). Yemen Economic Monitor: Restoring Agriculture and Value Chains for Rural Resilience. World Bank, Washington, D.C.
يمكنكِ وض
