
يعيد كتاب «تاريخ الصومال: رؤية تحليلية جديدة» قراءة انهيار الدولة إلى مسار طويل صنعته الانقسامات الاستعمارية وضعف المؤسسات والعسكرة وخيارات النخب، ويجادل مؤلفه بأن سقوط نظام سياد بري عام 1991 كان خاتمة تراكمات سياسية واجتماعية، ولم يكن نتيجة عامل واحد.
في عام 1991، سقط نظام محمد سياد بري، لكن سقوط النظام لم يفتح الطريق أمام سلطة جديدة قادرة على إدارة الصومال. تفككت مؤسسات الدولة، واتسعت الحرب بين الفصائل، وأصبح السؤال عن أسباب الانهيار أكثر إلحاحاً من السؤال عن الطرف الذي حسم المعركة. هذا هو السؤال الذي يقود المجلد الأول من كتاب الدكتور عبد الرحمن معلم عبد الله، المعروف بـ«باديو»، «تاريخ الصومال: رؤية تحليلية جديدة». وللإجابة عنه، يعود المؤلف إلى تاريخ أقدم بكثير من الحرب الأهلية: إلى المجتمعات التي نشأت في شبه الجزيرة الصومالية، وانتشار الإسلام، ووصول الاستعمار، ثم إلى الخيارات التي اتخذتها النخب بعد الاستقلال.
صدر هذا المجلد بالعربية في إسطنبول عام 2019، بعدما نُشر أصله الإنجليزي، Making Sense of Somali History، عام 2017. وترجم الكتاب حمزة عامر، وفق ما يورده المؤلف في صفحات الشكر. تكشف عبارة Making Sense جانباً مهماً من غايته؛ فهو يريد أن يجعل مسار التاريخ الصومالي مفهوماً، وأن يفحص الطريقة التي رواه بها مؤرخون أجانب وصوماليون. وفي تمهيده، يحدد مجال بحثه في العلاقة بين الفعل البشري والأفكار والمؤسسات والظروف التي أحاطت بها. لذلك لا تظهر الدولة في الكتاب كياناً منفصلاً عن المجتمع، ولا يظهر المجتمع محكوماً بطبيعة ثابتة لا يستطيع تغييرها (ص 16–18).
تبدأ القراءة من هنا، لأن السؤال الذي يطرحه باديو يتجاوز الصومال في أحد وجوهه: كيف يمكن لمشروع سياسي أن يحظى بتأييد واسع عند تأسيسه، ثم يعجز عن حماية الدولة التي أقامها؟ حصل الصومال على استقلاله عام 1960، وتوحد الإقليم الذي كان خاضعاً للإدارة الإيطالية مع الإقليم الذي حكمته بريطانيا. حملت الجمهورية الجديدة أملاً قومياً واسعاً، لكنها ورثت مؤسسات محدودة، واقتصاداً ضعيفاً، وحدوداً كانت موضع نزاع مع الجوار. وبعد ثلاثة عقود، لم تبقَ من الدولة المركزية القدرة على احتواء الخلافات التي تراكمت داخلها. يعيد باديو تتبع تلك العقود، لكنه يرفض البدء بها وحدها؛ إذ يرى أن أسباب الضعف تشكلت قبل الاستقلال، وأن قرارات الحكام بعده فاقمتها.
يتألف المجلد من خمسة فصول. يناقش الأول معنى التاريخ وطرائق كتابته، ويعود الثاني إلى تاريخ شبه الجزيرة الصومالية القديم والإسلامي. ويتناول الثالث أثر الطرق الصوفية والاستعمار في إعادة تشكيل المجتمع، فيما يتتبع الرابع صعود القومية الصومالية وتحولاتها. أما الفصل الخامس فيقارن التفسيرات التي قُدمت لانهيار الدولة، قبل أن يصوغ المؤلف خلاصته. ويقر باديو بأن بعض الفصول نشأ من أبحاث منشورة سابقاً، وأن القارئ قد يجد تكراراً لبعض الخلفيات والأفكار. يظهر ذلك بالفعل في مواضع من الكتاب، لكنه يكشف أيضاً عن رغبة واضحة في جعل كل قضية قابلة للقراءة ضمن سياقها التاريخي (ص 17–19، 38).
في الفصل الأول، يواجه المؤلف مسألة تؤثر في كل ما يليها: من يكتب تاريخ الصومال، وبأي مفاهيم؟ يرى أن بعض الكتابات الاستعمارية والأعمال التي تأثرت بها جعلت العشيرة مفتاحاً شبه وحيد لفهم المجتمع. وتنتج عن هذه النظرة صورة بلد تقف فيه «القبيلة» في جهة و«الدولة» في الجهة المقابلة، كأن العلاقة بينهما صراع لا يتغير. يعترض باديو على ضيق هذه الثنائية؛ فالعشائر تأثرت، في رأيه، بالاستعمار والتعليم والأحزاب والحكم العسكري، مثلما أثرت هي في هذه التحولات. وإذا كانت مؤسسات الدولة قد أخفقت، فلا يكفي القول إن المجتمع عشائري بطبيعته. ينبغي أيضاً فحص نوع المؤسسات التي أُنشئت، وكيف وُزعت السلطة، وما الذي فعله السياسيون بالانتماءات المحلية.
ويقترح المؤلف توسيع مجال النظر من العلاقة بين «القبيلة والدولة» إلى العلاقة بين «المجتمع والدولة». يتيح هذا الانتقال إدخال قوى أخرى إلى السرد، خصوصاً الإسلام والمرأة والفاعلين الاجتماعيين الذين يغيبون عندما ينحصر الاهتمام في زعماء العشائر ورؤساء الحكومات. تبدو هذه الفكرة من أكثر أفكار الكتاب وعداً؛ فهي تدعو إلى كتابة تاريخ يلتفت إلى ما ظل قائماً في المجتمع حتى حين انهارت مؤسساته الرسمية. غير أن المجلد الأول يقدم هذا التصور بوصفه إطاراً للمشروع كله، فيما يُرجئ المعالجة المفصلة لدور المرأة والمجتمع المدني إلى المجلد الثاني. ومن ثم يستطيع قارئ هذا الجزء أن يرى اتجاه البحث، لكنه لا يحصل بعد على جميع الأدلة التي تسمح بالحكم على نجاحه في تنفيذ ذلك الاتجاه (ص 17، 31–33).
يكتسب الفصل الثاني أهميته من تصحيح نقطة البداية. فكثيراً ما يبدأ الحديث السياسي عن الصومال من الاستعمار أو الاستقلال، بينما يعود باديو إلى الأدلة الأثرية والروايات التاريخية عن شبه الجزيرة الصومالية، وإلى صلات سواحلها بالتجارة عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي. ثم ينتقل إلى انتشار الإسلام ونشوء السلطنات المسلمة. يريد المؤلف أن يثبت أن المنطقة عرفت تاريخاً سياسياً واجتماعياً قبل الحدود الاستعمارية، وأن حياة سكانها لم تقتصر على الرعي والترحال. ولهذا يستحضر الموانئ والمدن وطرق التجارة، إلى جانب المجتمعات الرعوية التي كان لها حضورها المؤثر هي الأخرى (ص 45–87).
وتبرز في هذا الفصل عناية المؤلف بالتمييز بين الرواية والدليل، وإن لم يحافظ على الدرجة نفسها من التحفظ في جميع صفحاته. فعند بحث تاريخ وصول الإسلام إلى الصومال، يعرض أقوالاً تربط بدايته بهجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة، ثم ينبه إلى غياب دليل قاطع يثبت بعض التفاصيل المتداولة عن هذه المرحلة. ويشير إلى اختلاف الباحثين بشأن زمن الانتشار الأوسع للإسلام. هذه الوقفة مفيدة للقارئ؛ فهي تذكره بأن أهمية رواية ما في الوعي الجمعي لا تجعل تاريخها محسومًا بالضرورة. ويكون الكتاب أقوى حين يطرح الاحتمالات بهذا الوضوح، وحين يبين الموضع الذي تنتهي عنده المصادر وتبدأ فيه الاستنتاجات (ص 68–69، 85–87).
بعد ذلك، يمنح باديو مكانة بارزة للسلطنات التي نشأت في المنطقة، ومنها سلطنتا إيفات وعدل في الشمال، وسلطنة أجوران في مناطق من الجنوب والوسط. ويتناول ما ارتبط بها من إدارة للمياه والتجارة والدفاع والصراع مع القوى المجاورة. لا يروي هذا التاريخ بحثاً عن عصر مثالي ضاع؛ ففي عرضه لسلطنة أجوران، يتحدث أيضاً عن تحول الحكم في مراحله المتأخرة إلى القمع وفرض الضرائب، وما أعقب ذلك من اضطرابات. يتيح هذا التناول ملاحظة ظاهرة ستتكرر في بقية الكتاب: قيام السلطة، ثم اتساع قوتها، ثم ضعف قدرتها على حفظ الرضا الاجتماعي. غير أن وصل التجارب السياسية التي تفصل بينها قرون يتطلب دائماً الحذر؛ فالتشابه بين نهايتين لا يعني تطابق أسباب نشوئهما أو سقوطهما.
في الفصل الثالث، ينتقل المؤلف إلى أثر الطرق الصوفية في المجتمع الصومالي. يتعامل معها بوصفها شبكات للتعليم والتنظيم والعلاقات الاجتماعية، إلى جانب كونها تعبيراً دينياً. ويقول إن نشاطها أسهم في إقامة روابط تجاوزت بعض حدود الانتماء العشائري، من دون أن تلغي هذا الانتماء. هنا يصبح فهم التغير الاجتماعي أكثر تعقيداً: فالإنسان يمكن أن يحتفظ بصلته بعشيرته، وأن يشارك في الوقت نفسه في جماعة دينية أو تعليمية تمتد خارجها. يساعد هذا المنظور على تجاوز السؤال البسيط عما إذا كان الإسلام قد حل محل العشيرة؛ إذ يدفع إلى النظر في الكيفية التي تعايشت بها الانتماءات وتنافست وتغيرت وظائفها (ص 88–110).
لكن حضور الإسلام في الكتاب يتجاوز وصف أثره التاريخي. فهو يدخل أيضاً في تصور المؤلف لما تحتاجه الدولة من عدالة وقيم تضبط استعمال السلطة. تتطلب قراءة هذا الجانب تمييزاً بين مستويين: ما يقدمه الكتاب عن أدوار المؤسسات الدينية في فترات محددة، وما يطرحه باديو من رأي بشأن موقع الإسلام في إصلاح الدولة. الجمع بين المستويين مشروع في كتاب ذي أطروحة واضحة، لكنه يجعل بعض أحكامه موضع نقاش. فوجود أثر اجتماعي إيجابي للطرق الصوفية، مثلاً، لا يحسم وحده صورة العلاقة التي ينبغي أن تقوم في الدولة الحديثة بين المؤسسات الدينية والقانون والتعدد السياسي. قيمة الكتاب هنا أنه يفتح السؤال من داخل التجربة الصومالية، حتى إن لم يكن جوابه مقنعاً لكل قارئ.
يلي ذلك الاستعمار بوصفه قوة غيّرت الأرض والمجتمع معاً. يشرح باديو كيف توزعت المناطق التي يعيش فيها الصوماليون بين سلطات استعمارية ودول مجاورة، وكيف اختلفت طرائق الحكم البريطاني والإيطالي والفرنسي. ولم يقتصر أثر هذا التقسيم، في قراءته، على رسم حدود جديدة؛ فقد أعاد تشكيل الإدارة والتعليم وفرص العمل، وأسهم في ظهور نخب تعلمت وعملت داخل مؤسسات متفاوتة. وعندما جاءت لحظة الاستقلال، لم يبدأ القادة ببناء دولة فوق أرض متجانسة إدارياً وسياسياً. ورثوا مؤسسات تكونت لأغراض استعمارية، وتفاوتاً بين الأقاليم، وسؤالاً قومياً يتعلق بمصير الصوماليين الذين ظلوا خارج الجمهورية الجديدة (ص 110–151).
يولي الكتاب التعليم أهمية خاصة في تفسير ما تلا ذلك. فالمدرسة والإدارة الحديثة فتحتا مجالات جديدة للحركة الاجتماعية، لكنهما ساهمتا أيضاً في إنتاج نخب تختلف مراجعها ومصالحها عن قطاعات واسعة من المجتمع. ومع نشوء الأحزاب، دخلت الانتماءات العشائرية في المنافسة الانتخابية والحصول على الوظائف والموارد. وبذلك يرفض باديو تصوير «العشائرية السياسية» امتداداً آلياً لتقاليد قديمة؛ فجزء من صورتها الحديثة نشأ، وفق قراءته، داخل الدولة والأحزاب وأجهزة الإدارة. هذه ملاحظة جديرة بالتوقف، لأنها تنقل المسؤولية من وصف المجتمع إلى فحص قواعد اللعبة التي وضعها السياسيون، وكيف جعلت الانتماء المحلي طريقاً إلى النفوذ أو الحماية.
تصل هذه المسارات إلى ذروتها في الفصل الرابع، المخصص لنهوض القومية الصومالية وسقوطها. يشرح المؤلف لماذا حملت فكرة «الصومال الكبير» جاذبية قوية. فقد جرى توحيد إقليمين فقط عام 1960، بينما بقيت مناطق يقطنها الصوماليون ضمن إثيوبيا وكينيا وجيبوتي. كانت النجمة البيضاء في العلم ترمز إلى الأقاليم الخمسة، وكان مطلب الجمع بينها جزءاً من هوية الدولة الوليدة، لا تفصيلاً خارجياً في سياستها. لذلك لا يعامل باديو هذا المطلب باعتباره وهماً صنعته النخب من فراغ؛ إنه يرده إلى تقسيم استعماري ترك مسألة الحدود والانتماء مفتوحة، ثم يتتبع الطريقة التي تحولت بها تلك المسألة إلى أولوية طغت على بناء المؤسسات (ص 154–208، 242).
هنا تظهر إحدى عقد الكتاب الأساسية. احتاجت الجمهورية الجديدة إلى إدارة فعالة، وقضاء، وتعليم، واقتصاد يستطيعان منح المواطنين سبباً عملياً للثقة بالدولة. لكنها احتاجت أيضاً، في نظر قادتها، إلى إنجاز مشروع الوحدة القومية. لم يكن الجمع بين الهدفين مستحيلاً من حيث المبدأ، إلا أن الموارد المحدودة والنزاع مع الجوار والتنافس الدولي جعلت الاختيارات أشد كلفة. يرى باديو أن الحكومات المدنية لجأت في الغالب إلى أساليب أكثر اعتدالاً، بينما دفع الحكم العسكري الأهداف القومية نحو العسكرة والمواجهة. ولم تكن النتيجة إضعاف الجوار وحده؛ فقد استنزفت الحروب والصراعات قدرة الدولة على معالجة أزماتها الداخلية.
لا يمنح المؤلف الحكومات المدنية براءة من تلك الأزمات. فهو يتناول الفساد والتنافس الحزبي واستعمال الروابط العشائرية في الانتخابات، ويرى أن الديمقراطية المبكرة افتقرت إلى مؤسسات تحميها من التلاعب. ثم جاء اغتيال الرئيس عبد الرشيد شرماركي في أكتوبر 1969 وسط أزمة سياسية انتهت باستيلاء الجيش على السلطة. ومن المفيد هنا أن الكتاب لا يضع خطاً فاصلاً مريحاً بين عهد مدني ناجح وعهد عسكري أفسد كل شيء. لقد سبقت الانقلابَ مشكلات حقيقية، لكن الحكم العسكري عمّقها حين جمع السلطة في يده، وضيّق مجال المعارضة، وسعى إلى معالجة تناقضات المجتمع بأدوات القسر والدعاية (ص 182–200).
من المفارقات التي يتوقف عندها باديو أن النظام العسكري أعلن عزمه على محاربة العشائرية، لكنه انتهى إلى توظيفها في الحكم والصراع. كذلك سعى إلى فرض تصور رسمي للهوية الوطنية، فيما كانت ولاءات الناس ومصالحهم أكثر تنوعاً من الصيغة التي أرادها. لا يعني ذلك أن كل محاولة لتعزيز المواطنة كانت خاطئة؛ فالسؤال الذي يثيره الكتاب يتعلق بالوسائل. هل يمكن بناء انتماء وطني بإضعاف الروابط الاجتماعية بالقوة، من دون إيجاد مؤسسات عادلة تتيح للناس الثقة بالقانون؟ يجيب مسار الأحداث، كما يعرضه المؤلف، بأن القمع لم يُنهِ تلك الروابط، بل جعلها أداة دفاع وتعبئة حين دخلت الدولة في أزمتها الأشد.
كانت حرب 1977–1978 مع إثيوبيا نقطة التحول الكبرى في هذا المسار. يعرضها الكتاب بوصفها ضربة عسكرية وسياسية لفكرة القومية التي استند إليها النظام. أعقبت الهزيمة محاولات انقلاب، واتسعت المعارضة المسلحة، واشتد اعتماد السلطة على الأجهزة الأمنية والمقربين منها. ومع انحسار فرص الإصلاح، صار الصراع على الدولة صراعاً بين جماعات مسلحة، بعضها وجد دعماً خارج الحدود. غير أن باديو يحمّل النظام مسؤولية كبيرة عن الوصول إلى هذه اللحظة، ولا يعفي المعارضة من قراراتها بعد ذلك. فهو يتوقف عند لجوء أطراف متنازعة إلى الاستقواء بإثيوبيا، وعند عجزها عن إنتاج اتفاق يمنع سقوط مؤسسات الدولة مع سقوط السلطة (ص 201–208).
وتكتسب تجربة المناطق الشمالية حضوراً مهماً في هذا السياق. يورد الكتاب استهداف النظام جماعات ومناطق كاملة، ويتناول سياسة الأرض المحروقة التي استُخدمت في مواجهة المعارضة، والهجمات على هرجيسا وبرعو عام 1988. تذكّر هذه الصفحات بأن انهيار الدولة لم يكن خسارة متساوية في جميع أجزائها؛ فبعض المجتمعات اختبر سلطة الدولة أولاً من خلال القصف والتهجير والقمع، قبل أن يشهد تفكك تلك السلطة. وهذه زاوية تستحق من قارئ بريم اهتماماً خاصاً، لأن الحديث العام عن «فشل الدولة» قد يحجب اختلاف التجارب المحلية مع الدولة نفسها، واختلاف ما يعنيه سقوطها لكل منطقة (ص 201–205).
في الفصل الأخير، يتحول السرد التاريخي إلى نقاش مباشر مع التفسيرات المتنافسة. يعرض باديو أثر الحرب الباردة وتراجع المساعدات الخارجية، وطموح «الصومال الكبير»، والحرب مع إثيوبيا، وضعف الموارد، والعشائرية السياسية، والظلم والفساد. كما يناقش نظريات تتصل بقدرة الدولة على أداء وظائفها، وبأسباب الصراع الاجتماعي، ويستعين بنظرية العصبية عند ابن خلدون. لا يقبل المؤلف بسهولة تفسيراً يضع السبب كله في عامل واحد. فلو كان الانقسام العشائري وحده كافياً لإسقاط الدولة، لتعذر تفسير استمرارها سنوات طويلة؛ ولو كان توقف الدعم الخارجي وحده السبب، لما أمكن فهم القمع والفساد والتمرد اللذين سبقاه (ص 209–253).
يلخص باديو موقفه في تقسيم ثلاثي. هناك، أولاً، أسباب جذرية تعود إلى التقسيم الاستعماري وضعف التنمية ونقص الكوادر المؤهلة. ثم أسباب تراكمت بعد الاستقلال، بينها النزاع بشأن الأقاليم الصومالية، والعسكرة، والتنافس الدولي، والفساد والحكم العسكري. وأخيراً، جاءت عوامل عجلت بالسقوط، أبرزها آثار الهزيمة أمام إثيوبيا، وتصاعد الحرب الأهلية، وتراجع الدعم الخارجي، وتحول المعارضة إلى فصائل مسلحة. يتيح هذا التقسيم للقارئ رؤية الانهيار كمسار، كما يضع أمامه سؤال المسؤولية في كل مرحلة: ما الذي ورثه القادة، وما الذي كان بوسعهم تغييره، وما الذي جعلوه أسوأ بقراراتهم؟ (ص 253–257).
تبدو خلاصة المؤلف حاسمة في هذه النقطة. فهو يعترف بأثر الاستعمار والتدخلات الخارجية، لكنه يضع المسؤولية الرئيسية على النخب الصومالية، في الحكم والمعارضة. قادة الدولة استعملوا القمع والمحسوبية واستنزفوا المؤسسات في الصراع، وقادة المعارضة لم يستطيعوا، بعد إضعاف النظام وإسقاطه، منع انهيار الدولة معه. تكتسب هذه الخلاصة قوتها من رفض تحويل الصوماليين إلى ضحايا لا دور لهم في تاريخهم. وفي الوقت نفسه، تحتاج إلى قراءتها على ضوء تفاوت السلطة بين الأطراف: فالنظام الذي امتلك الجيش وأجهزة الأمن وموارد الدولة لم تكن مسؤوليته مماثلة لمسؤولية جميع خصومه، وإن خضعت خيارات هؤلاء أيضاً للنقد (ص 257).
ثمة مسافة أخرى ينبغي الحفاظ عليها بين ما يثبته الكتاب وما يستنتجه. ففي بعض المواضع، تبدو العلاقة بين ضعف المؤسسات والقرار السياسي واضحة ومدعومة بتسلسل الأحداث. وفي مواضع أخرى، تتسع الأحكام المتعلقة بـ«القيم» أو «طبيعة المجتمع» بحيث تحتاج إلى أمثلة محلية ومقارنات أكثر تفصيلاً. كذلك فإن استعمال نظرية ابن خلدون يضيء جانباً من العلاقة بين الجماعات والسلطة، لكنه لا يكفي وحده لشرح دولة حديثة تشكلت في ظل الاستعمار والحرب الباردة والاقتصاد الدولي. ولا تنتقص هذه الملاحظة من قيمة المشروع؛ فكتاب بهذا الاتساع يفتح مسارات للبحث بقدر ما يقدم من إجابات.
ويستحق اختيار المؤلف لنهاية هذا المجلد عند انهيار الدولة الانتباه. فالكتاب لا يقدم عام 1991 خاتمة لتاريخ الصوماليين، بل نهاية مرحلة وبداية أخرى خصص لها مجلداً تالياً، بحسب خطته المعلنة. ولهذا فإن الحكم على مشروعه الكامل من هذا الجزء وحده يظل ناقصاً، خصوصاً في القضايا التي يعد بمعالجتها لاحقاً: أدوار النساء، والزعماء التقليديين، والمجتمع المدني، وإعادة تشكيل الهوية الوطنية بعد الحرب. أما هذا المجلد، ففضله الأساسي أنه يشرح لماذا لا يبدأ تاريخ المجتمع يوم قيام الدولة، ولا ينتهي يوم انهيارها.
بعد قراءة الكتاب، يصعب الاكتفاء بجملة تقول إن الصومال سقط بسبب القبيلة، أو بسبب الاستعمار، أو بسبب الحرب مع إثيوبيا. كل واحدة من هذه العبارات تلتقط جزءاً من الصورة وتترك أجزاء أخرى خارجها. يعيد باديو وصل تلك الأجزاء، ثم يطلب من القارئ أن ينظر إلى القرارات التي حوّلت مواطن الضعف إلى أزمة عامة. وهذا ما يجعل «تاريخ الصومال: رؤية تحليلية جديدة» قراءة نافعة تتجاوز التعريف بماضي بلد في القرن الأفريقي: إنه يضع أمامنا تجربة دولة امتلكت مشروعاً وطنياً قوياً، لكنها عجزت عن بناء مؤسسات تقدر على حمله، ثم دفعت هي ومجتمعها كلفة ذلك العجز.
بيانات الكتاب: تاريخ الصومال: رؤية تحليلية جديدة، المجلد الأول، د. عبد الرحمن معلم عبد الله (باديو)، ترجمة حمزة عامر، الطبعة العربية الأولى، إسطنبول، 2019.



