«تكشف الدراسة أن الموسيقى الأفرو–يمنية لم تكن فناً وافداً استقر في بيئة ساكنة، بل ثمرة عبور متبادل بين اليمن وشرق أفريقيا. فقد أعادت الموانئ والجماعات الساحلية تشكيل الآلات والإيقاعات والطقوس محلياً، وحولتها إلى ذاكرة حية تختزن تاريخ الهجرة والعمل البحري والاسترقاق، وتقاوم اليوم مخاطر الحرب والنسيان المؤسسي وفقدان حملة التراث».
الملخص
تبحث هذه الدراسة في المسارات التاريخية والاجتماعية التي تشكلت من خلالها أنماط موسيقية وراقصة ذات صلات أفريقية داخل اليمن، ولا سيما في عدن ولحج وحضرموت وتهامة. وتنطلق من نقد التصور الخطي الذي يفترض انتقال فن مكتمل من «أصل أفريقي» إلى بيئة عربية متلقية، وتقترح بدلاً منه قراءة البحر الأحمر وغرب المحيط الهندي بوصفهما فضاءً بحرياً مترابطاً تحركت داخله جماعات بشرية وآلات وإيقاعات ونصوص وطقوس في اتجاهات متعددة. وقد شارك في هذه الحركة البحارة والتجار والحجاج والمهاجرون والعمال والجنود والمسترقون، ثم أعادت المجتمعات الساحلية صوغ العناصر الوافدة بما يلائم لغاتها ومناسباتها وبناها الاجتماعية وأذواقها المحلية.
تعتمد الدراسة منهجاً تاريخياً مقارناً وتحليلاً نوعياً للمصادر المكتوبة والتسجيلات والتوصيفات الإثنوغرافية المتاحة. وتعيد قراءة المادة التي جمعها الباحث في دراسته السابقة عن الطنبرة والليوا والبامبيلا والدربوكة والزار، في ضوء أدبيات أحدث عن حركة الموسيقى في المحيط الهندي، والشتات الحضرمي، وتاريخ الاسترقاق والهجرة، وسياسات صون التراث غير المادي. ولا تدعي الدراسة إثبات أصل وحيد لكل رقصة أو آلة، بل تميز بين القرائن العضوية المتعلقة ببناء الآلة، والقرائن الإيقاعية والمقامية، والشواهد اللغوية، والروايات الشفهية، والسياقات الاجتماعية للأداء.
تخلص الدراسة إلى أن الموسيقى الأفرو يمنية ليست هامشاً غريباً على الثقافة اليمنية، ولا أثراً ثابتاً بقي من جماعات وافدة، وإنما طبقة أصيلة من تاريخ المدن والموانئ اليمنية. فالطنبرة والسمسمية والليوا والزار والدربوكة تكشف عن تاريخ من العبور القسري والطوعي، وعن قدرة الجماعات المحلية، بمن فيها الجماعات ذات الأصول الأفريقية، على تحويل الذاكرة المؤلمة والعمل البحري والطقس العلاجي والاحتفال الجماعي إلى أشكال فنية مستقرة. كما ترى أن الحرب وتراجع المؤسسات الثقافية ووفاة حملة التراث تهدد هذه الذاكرة، وأن إنقاذها يتطلب أرشيفاً صوتياً وطنياً، وتوثيقاً تشاركياً يحفظ حقوق الممارسين، وبرامج صون تتجاوز تقديم الفنون في عروض فولكلورية منزوعة من سياقها.
الكلمات المفتاحية: اليمن، شرق أفريقيا، عدن، حضرموت، تهامة، الطنبرة، الليوا، الزار، السمسمية، المحيط الهندي، التراث غير المادي.
Abstract
This study examines the historical and social processes through which African-connected musical and dance forms took shape in Yemen, particularly in Aden, Lahj, Hadramawt and Tihama. It challenges linear diffusion models that imagine a complete artistic form moving from an African “origin” to a passive Arabian recipient. Instead, it approaches the Red Sea and the western Indian Ocean as an interconnected maritime field in which people, instruments, rhythms, lyrics and ritual practices circulated in multiple directions. Sailors, merchants, pilgrims, migrants, workers, soldiers and enslaved people participated in these movements, while coastal communities reworked incoming elements according to local languages, social settings and aesthetic preferences.
The study combines historical comparison with qualitative analysis of written sources, archival recordings and available ethnographic descriptions. It revisits earlier material on the tanbura, liwa, bambila, darbuka and zar in light of recent scholarship on Indian Ocean musical circulation, Hadrami diaspora, slavery, migration and intangible-heritage policy. Rather than claiming a single origin for every form, it distinguishes evidence derived from organology, rhythm and tonal structure, language, oral narratives and performance contexts.
The study argues that Afro-Yemeni music is neither a foreign margin nor a fossilized remnant of migrant groups. It is a constitutive layer of the history of Yemen’s coastal towns and ports. Tanbura, simsimiyya, liwa, zar and darbuka embody histories of forced and voluntary mobility and demonstrate the agency of local and African-descended communities in transforming work, healing, celebration and difficult memories into durable artistic forms. War, institutional collapse and the loss of tradition bearers now place this heritage at risk. Safeguarding it requires a national sound archive, participatory documentation, protection of performers’ rights and policies that preserve social context rather than reducing living practices to decontextualized folklore.
Keywords: Yemen, East Africa, Aden, Hadramawt, Tihama, tanbura, liwa, zar, simsimiyya, Indian Ocean, intangible heritage.
الخلاصة التنفيذية
تتعامل هذه الدراسة مع الموسيقى بوصفها وثيقة اجتماعية تكشف ما قد تخفيه السجلات السياسية. فالموانئ لا تنقل السلع وحدها؛ إنها تنقل طرائق النطق والحركة والإيقاع وأشكال الاجتماع. ومن هذه الزاوية يصبح التشابه بين فنون يمنية وأفريقية مدخلاً لفهم تاريخ البحر الأحمر والمحيط الهندي، لا مسابقة لإثبات أن رقصة بعينها «أفريقية خالصة» أو «يمنية خالصة».
تبيّن المادة التاريخية أن عدن والمخا وزبيد والشحر والمكلا وبلحاف ولحج لم تكن نقاطاً مغلقة على بيئاتها الداخلية. فقد ارتبطت بمصوع وسواكن وبربرة وزنجبار ولامو وممباسا ومقديشو، كما اتصلت بموانئ عُمان والهند. وفي هذه الشبكة تحرك الحضارم واليمنيون نحو شرق أفريقيا، وعاد مهاجرون ومولّدون وبحارة بلغات وخبرات جديدة، في حين وصل أفارقة إلى اليمن عبر التجارة والعمل والجندية والهجرة والاسترقاق. لذلك لا يمكن رد التفاعل الموسيقي إلى قناة واحدة أو حقبة واحدة.
وتكشف المقارنة بين الطنبرة والسمسمية والليوا والزار والدربوكة عن أربعة أنماط من الأدلة. الأول عضوي يتعلق بهيئة الآلات ومواد صنعها وتسميات أجزائها. والثاني موسيقي يتعلق بالإيقاع والتكرار وتوزيع الأدوار بين المغني والكورال والطبول. والثالث لغوي يظهر في المفردات السواحيلية أو الألفاظ التي تعرضت للتعريب. والرابع اجتماعي يتمثل في وظائف الفن داخل حفلات الزواج والعمل البحري والعلاج الشعبي وتماسك الجماعة. ولا تتساوى هذه الأدلة في قوتها؛ فالتشابه الشكلي لا يثبت وحده علاقة تاريخية، والرواية الشفهية تحتاج إلى مقارنتها بالمصادر والتسجيلات.
كما تظهر الدراسة أن الأدبيات القديمة، على أهميتها، حملت أحياناً لغة تصنيفية ربطت الموسيقى والرقص بصفات عرقية «فطرية». وتعيد الدراسة وضع تلك الأقوال في سياقها التاريخي، وتتعامل مع الجماعات ذات الأصول الأفريقية بوصفها فاعلاً ثقافياً شارك في إنتاج المجتمع، لا مجرد قناة نقل مجهولة. وهذا التحول ضروري لفهم كيف أصبحت الفنون الوافدة يمنية من دون أن تفقد آثار رحلتها البحرية.
وعلى مستوى السياسات العامة، تقترح الدراسة الانتقال من جمع أسماء الرقصات إلى إنشاء بنية صون متكاملة: تسجيلات عالية الجودة، وفهارس وصفية، ومقابلات مع الممارسين، وخرائط للمجتمعات الحاملة للتراث، وضوابط أخلاقية للنشر، وآلية لإعادة نسخ التسجيلات التاريخية إلى المجتمعات التي سجلت منها. ويجب أن يكون الممارسون شركاء في التفسير والاستفادة، لا مادة خاماً للباحث أو للمؤسسة الثقافية.
مقدمة
ظل البحر، في جانب كبير من الكتابة التاريخية عن اليمن، خلفية لحركة التجارة أو الصراع السياسي. غير أن النظر إليه من زاوية الموسيقى يكشف وجهاً آخر. فالسفن حملت أناساً ينشدون أثناء العمل، والموانئ استقبلت بحارة وجنوداً وتجاراً وعمالاً ومهاجرين، والأحياء القريبة من البحر تحولت إلى مناطق تماس بين لغات وطقوس وطرائق مختلفة في الغناء والرقص. وعندما استقرت هذه العناصر داخل المجتمع لم تبق كما جاءت؛ تغيرت تسمياتها ووظائفها وإيقاعاتها وأدواتها، واختلطت بالشعر المحلي وبالمناسبات الدينية والاجتماعية.
إن وصف بعض الرقصات اليمنية بأنها «أفريقية» يفتح سؤالاً لكنه لا يقدم جواباً. فما المقصود بأفريقيا في هذا السياق؟ هل المقصود النوبة والسودان، أم القرن الأفريقي، أم الساحل السواحيلي الممتد من الصومال إلى موزمبيق، أم مناطق الداخل التي خرج منها أشخاص عبر شبكات الاسترقاق؟ وهل يدل وجود آلة شبيهة بالطنبرة في أكثر من بلد على انتقال مباشر، أم على تاريخ أقدم من الانتشار الإقليمي؟ وهل تكفي كلمة سواحيلية داخل أغنية لإثبات أصل الرقصة؟ هذه الأسئلة هي ما يجعل الموضوع مجالاً للبحث المقارن، لا للأحكام السريعة.
كانت الدراسة السابقة للباحث من أوائل المحاولات العربية التي جمعت شواهد واسعة عن الرقصات الأفرو يمنية، مستفيدة من مراجع محلية وأجنبية وروايات الممارسين. وقد احتفظت بقيمة كبيرة لأنها سجلت أسماء فنانين وفرق ومصطلحات وطرائق أداء ربما تعرض بعضها للاندثار. لكن تطور دراسات المحيط الهندي خلال العقدين الأخيرين يتيح إعادة قراءة المادة ضمن إطار أوسع يركز على الحركة والشبكات والوكالة الثقافية، ويتجنب افتراض النقاء أو الأصل الواحد.
تأتي هذه الدراسة المطورة في وقت اكتسب فيه التراث الموسيقي اليمني اعترافاً دولياً أوسع. فقد أدرجت اليونسكو الغناء الصنعاني في قائمتها للتراث غير المادي، ثم أدرجت تجمع الدان الحضرمي عام 2025. ويعني ذلك أن الموسيقى لم تعد موضوعاً جمالياً فحسب، بل أصبحت ملفاً يتعلق بالذاكرة والهوية والتنمية الثقافية وحقوق المجتمعات الحاملة للتراث. وفي المقابل، أدت الحرب إلى تشتت الفنانين وضعف مؤسسات الثقافة وصعوبة العمل الميداني وتهديد الأرشيفات الخاصة والعامة.
لذلك تجمع الدراسة بين غرضين. الأول معرفي، ويتمثل في تفسير كيفية تشكل الفنون الأفرو يمنية داخل شبكة البحر الأحمر والمحيط الهندي. والثاني عملي، ويتمثل في اقتراح سياسات لحفظ هذا التراث وتوثيقه بطريقة تحترم أصوات الممارسين وتعترف بالتاريخ المعقد الذي أنتجه.
الإطار المنهجي
مشكلة الدراسة
تكمن المشكلة في أن جانباً كبيراً من الكتابة عن الصلات الموسيقية بين اليمن وأفريقيا وقع بين اتجاهين. الأول يكتفي بجمع أوجه التشابه وإعلان الأصل الأفريقي من دون بناء سلسلة تاريخية للأدلة. والثاني يذيب العناصر الأفريقية في هوية وطنية عامة من دون الاعتراف بالجماعات التي حملتها وبالسياقات القسرية، وفي مقدمتها الاسترقاق والتراتبية الاجتماعية. وفي الحالتين تضيع عملية التحول نفسها: كيف اكتسب العنصر الوافد معنى جديداً، ومن غيّره، وأين، ولماذا استمر بعضه واختفى بعضه الآخر؟
السؤال الرئيسي
كيف تشكلت الأنماط الموسيقية والراقصة ذات الصلات الأفريقية في اليمن، وما الذي تكشفه تحولات الطنبرة والليوا والزار والبامبيلا والدربوكة عن حركة البشر والثقافة بين ضفتي البحر الأحمر وغرب المحيط الهندي؟
الأسئلة الفرعية
1. ما المسارات التاريخية التي أتاحت انتقال الآلات والإيقاعات والطقوس بين شرق أفريقيا واليمن؟
2. ما وزن التجارة والهجرة والعمل البحري والجندية والاسترقاق في هذه الحركة؟
3. كيف أعادت مدن اليمن الساحلية صياغة العناصر الوافدة موسيقياً ولغوياً واجتماعياً؟
4. ما حدود استخدام التشابه في الآلة أو الإيقاع أو الاسم دليلاً على الأصل؟
5. كيف أثرت التراتبية الاجتماعية واللغة الاستعمارية في توثيق فنون الجماعات ذات الأصول الأفريقية؟
6. ما الذي تحتاج إليه سياسات صون هذا التراث في ظل الحرب والتحول الرقمي؟
فرضية الدراسة
تفترض الدراسة أن الفنون الأفرو يمنية نتاج «توطين ثقافي» طويل داخل فضاء بحري متعدد الاتجاهات. فقد انتقلت عناصر موسيقية عبر أشخاص وجماعات مختلفة، ثم أعيد تركيبها وفق شروط المكان اليمني. وبذلك لا تعود اليمنية والأفريقية هويتين متقابلتين، بل مستويين متداخلين في تاريخ فني واحد. كما تفترض أن بقاء هذه الفنون ارتبط بوظائفها الاجتماعية، مثل العلاج والعرس والعمل والتضامن، أكثر مما ارتبط بالحفاظ على شكل موسيقي ثابت.
المنهج والمصادر
تستخدم الدراسة المنهج التاريخي المقارن، وتحلل المادة في خمسة مستويات: حركة البشر، وبناء الآلات، والبنية الإيقاعية والمقامية، واللغة، وسياق الأداء. وتعتمد على الدراسة الأصلية للباحث وما جمعته من 73 مرجعاً وشهادة، وعلى دراسات حديثة عن موسيقى الجزيرة العربية والمحيط الهندي، وأرشيفات اليونسكو وسميثسونيان، والتسجيلات التاريخية التي أعاد باحثون فهرستها، وأدبيات الشتات الحضرمي وتاريخ الاسترقاق في غرب المحيط الهندي.
الدراسة مكتبية تحليلية وليست مسحاً ميدانياً جديداً. ولذلك تتجنب تحويل الروايات الشفهية إلى حقائق نهائية، وتستخدم عبارات مثل «تشير الرواية» و«يرجح» حين لا تتوافر وثيقة مستقلة. كما لا تدعي أن المقارنات الموسيقية الوصفية تغني عن التحليل الصوتي الرقمي أو العمل الميداني مع الفرق الحية.
الحدود
يركز النطاق المكاني على عدن ولحج وحضرموت وتهامة، مع مقارنات بشرق أفريقيا والسودان وعُمان والخليج. ويمتد النطاق التاريخي من الشواهد الوسيطة التي تسجل حركة البشر والفنون إلى القرن الحادي والعشرين، مع تركيز خاص على القرنين التاسع عشر والعشرين بسبب تحسن المادة المكتوبة والصوتية. أما موضوعياً، فتتناول الدراسة الفنون التي تحمل قرائن واضحة على اتصال بحري أفريقي، ولا تحاول كتابة تاريخ شامل للموسيقى اليمنية.
الإطار المفاهيمي
البحر بوصفه مجالاً ثقافياً
تجاوزت الدراسات الحديثة صورة المحيط بوصفه فراغاً يفصل اليابسة. فالمحيط الهندي، وفق هذا المنظور، شبكة من الموانئ والمسارات الموسمية واللغات والروابط العائلية والدينية. وكانت الرياح الموسمية تنظم حركة السفن، وتجعل الإقامة المؤقتة في الموانئ جزءاً من الرحلة. وخلال فترات الانتظار والعمل تنشأ علاقات وتتعلم كلمات وتنتقل ألحان وطقوس. لذلك يمكن النظر إلى عدن والشحر والمكلا والمخا وزبيد باعتبارها عقداً داخل فضاء أفرو آسيوي، لا أطرافاً بعيدة عن مركز بري (Sykes and Byl 2023؛ de Silva Jayasuriya 2008).
يوفر مفهوم «الدوران الموسيقي» بديلاً عن نموذج الانتشار البسيط. فاللحن أو الآلة لا ينتقلان بوصفهما شيئاً مغلقاً؛ ينتقلان مع ذاكرة الشخص ومهارته ووضعه الاجتماعي، ثم يدخلان في تفاوض مع أدوات جديدة وشعر مختلف وجمهور له توقعاته. وقد يعود العنصر إلى الجهة الأولى بعد أن تغير، أو ينتقل إلى ميناء ثالث. وهذا ما توضحه موسيقى المحيط الهندي التي جمعت بين العربية والسواحيلية والفارسية والهندية والأفريقية ضمن درجات متفاوتة من المزج.
التهجين والتوطين
لا يعني التهجين جمع عنصرين صافيين كانا منفصلين تماماً. فالثقافات الساحلية نفسها تكونت تاريخياً من تفاعلات سابقة. والأدق الحديث عن «توطين» العنصر، أي إدخاله في نظام محلي للمعنى. عندما تصبح الطنبرة جزءاً من عرس لحجي أو طقس زار تهامي، فإنها لا تبقى مجرد أثر قادم من مكان آخر؛ إنها تدخل اقتصاد المناسبة وتقسيم الأدوار بين الجنسين ومفردات اللهجة وموازين المكان الموسيقية.
يساعد هذا المفهوم على تفسير الفروق بين أداء الرقصة الواحدة في محافظات متجاورة. فالمرونة ليست تشويهاً للنموذج الأصلي، بل علامة على حياة الفن. وقد تكون التسمية ثابتة بينما تتغير الآلة، أو تبقى الحركة بينما تستبدل الكلمات، أو يتحول الطقس العلاجي إلى عرض احتفالي. ومن ثم يجب دراسة التحول ذاته بدلاً من البحث عن نسخة «نقية» لا تتغير.
الشتات والوكالة الثقافية
ارتبطت الحركة بين أفريقيا والجزيرة العربية بالهجرة الطوعية وبالعنف معاً. فقد ذهب تجار وعلماء وحجاج وعمال حضارم إلى القرن الأفريقي والساحل السواحيلي، ووصل بحارة وعمال وجنود أفارقة إلى الموانئ اليمنية. وفي الوقت نفسه نقلت شبكات الاسترقاق أشخاصاً قسراً عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي. لكن وصف الناس بأنهم «منقولون» لا ينبغي أن يلغي قدرتهم على الفعل. فقد حملوا معرفة ولغة وموسيقى، وأعادوا بناء جماعاتهم واستخدموا الأداء للحفاظ على التضامن والتفاوض على مكان داخل المجتمع (Ho 2006؛ Hopper 2015؛ Perry 2021).
تتضح الوكالة بصورة خاصة في الطقوس العلاجية وفنون الأعراس. فالفرق لم تكن خزائن سلبية لتراث قديم؛ كانت تتخذ قرارات بشأن النص والآلة والإيقاع، وتستجيب للطلب الاجتماعي، وتدخل في علاقات رعاية ومنافسة. ومن خلال هذه الممارسة أصبح الفن مورداً اقتصادياً ووسيلة اعتراف، حتى حين تعرض ممارسوه للوصم.
اللغة النقدية للمصادر
استخدمت المصادر العربية والأوروبية القديمة ألفاظاً مثل «الزنج» و«العبيد» و«الأخدام»، وربط بعضها الرقص والغناء باستعداد عرقي فطري. وتفيد هذه النصوص في الكشف عن نظرة عصرها، لكنها لا تصلح دليلاً علمياً على صفات جماعة بشرية. لذلك تورد الدراسة المصطلح التاريخي عند الضرورة بين علامتي تنصيص، وتستخدم في التحليل تعبيرات مثل «الجماعات ذات الأصول الأفريقية» أو الاسم الذي تختاره الجماعة لنفسها.
كما تفرق الدراسة بين الاستشهاد بالنص القديم وتبني منطقه. فالقول إن جماعة ما «أطبع على الرقص» يعكس تصنيفاً اجتماعياً وعرقياً، وقد يكون جزءاً من آلية تضع الموسيقيين في مرتبة أدنى ثم تعتمد عليهم في الترفيه والطقس. وتحليل هذا التناقض أكثر فائدة من إعادة إنتاج الحكم بوصفه حقيقة.
الجغرافيا التاريخية للتبادل
الموانئ اليمنية داخل شبكة البحر الأحمر والمحيط الهندي
تمنح الخريطة السياسية المعاصرة انطباعاً بأن اليمن وشرق أفريقيا مجالان منفصلان، لكن تاريخ الملاحة يقدم صورة مختلفة. فالمسافة بين بعض الموانئ اليمنية والأفريقية أقصر من المسافة التي تفصلها عن مراكز داخلية في البلد نفسه، والرياح الموسمية جعلت الحركة بين الشحر ولامو وزنجبار، أو بين المخا ومصوع وسواكن، جزءاً من حسابات البحارة المتكررة. وكانت السفن تحمل البن والحبوب والمنسوجات والعاج والماشية، وتحمل معها أيضاً عمالاً ومترجمين ومغنين وذكريات.
أدت عدن دوراً خاصاً بسبب موقعها وطبيعتها الحضرية. فقد توسعت في ظل الإدارة البريطانية، واستقبلت جنوداً وعمالاً وبحارة من اليمن والهند والصومال والسودان ومناطق أخرى. وفي الأحياء التي سكنتها هذه الجماعات، لم تكن الموسيقى مجرد ترفيه؛ كانت وسيلة لتنظيم المناسبات واستحضار الوطن وإقامة شبكات المعونة. وساعد وجود أسواق ومسارح ومقاهٍ وشركات تسجيل لاحقاً على انتقال بعض الفنون من المجال الأهلي إلى الجمهور الأوسع.
أما الشحر والمكلا فارتبطتا بالساحل السواحيلي وبالهجرة الحضرمية. وتحتفظ الروايات المحلية بأسماء مواسم السفن وبأهازيج تتجه إلى بربرة وحافون، كما تسجل المصادر وجود راقصات وفنانين قدموا من شرق أفريقيا والهند. ولا ينبغي قراءة هذه الحركة باعتبارها استقبالاً يمنياً فقط، إذ حمل الحضارم إلى أفريقيا الشعر الديني والإنشاد والآلات وروابط الطريقة العلوية، ثم عاد المهاجرون وذريتهم إلى حضرموت بعادات ولهجات وأذواق جديدة (الحداد 2006؛ Ho 2006؛ Walker 2019).
وفي تهامة، جعل القرب من القرن الأفريقي والسودان وامتداد السهل الساحلي أنماط الاتصال أكثر تنوعاً. ارتبطت زبيد والمخا والحديدة بحركة الحج والتجارة والعمل، وظهرت فيها الطنبرة والزار والسمسمية ضمن سياقات تختلف من مدينة إلى أخرى. ويكشف هذا الاختلاف أن «الساحل» ليس وحدة ثقافية متجانسة، بل سلسلة بيئات محلية تتصل بالبحر بدرجات مختلفة.
الهجرة الحضرمية والتأثير العكسي
تشدد الكتابة الشعبية أحياناً على ما وصل إلى اليمن من أفريقيا، لكنها تقلل من أثر الحركة اليمنية في الاتجاه المقابل. وتظهر دراسات الشتات الحضرمي أن الهجرة إلى القرن الأفريقي والساحل السواحيلي قديمة ومتعددة المراحل، وأن المهاجرين أقاموا روابط تجارية ودينية وعائلية ممتدة. وفي هذه البيئات تحركت القصائد والأذكار وأشكال الإنشاد والعود القنبوس، كما تأثرت الثقافة السواحيلية بشبكات العلماء والمتصوفة القادمين من حضرموت (Ho 2006؛ Walker 2019).
لا ينفي ذلك التأثير الأفريقي في اليمن، بل يغير صيغة السؤال. فبدلاً من خط مستقيم يبدأ من أفريقيا وينتهي في الجزيرة، تظهر دائرة من التبادل. وقد يتعلم موسيقي يمني لحناً في زنجبار، ثم يعيده إلى المكلا حيث يصاغ بكلمات حضرمية، قبل أن يسافر تسجيله إلى مدينة خليجية. وقد يحمل مولّد حضرمي نشأ في أفريقيا لغة سواحيلية وحساً إيقاعياً مختلفاً، لكنه ينتمي في الوقت نفسه إلى أسرة حضرمية وشبكة دينية عربية. هذه الهويات المركبة هي القاعدة في الموانئ، لا الاستثناء.
الاسترقاق والعمل والجندية
لا يمكن فهم الحضور الأفريقي في الجزيرة العربية من دون تاريخ الاسترقاق، لكن اختزال كل شخص أفريقي في صفة الرقيق خطأ تاريخي وأخلاقي. فقد تنوع القادمون بين أحرار ومسترقين وجنود وبحارة وعمال وحجاج وتجار. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن تجارة الرقيق في غرب المحيط الهندي عملت على مدى قرون في صورة شحنات صغيرة ضمن تجارة مختلطة، ثم توسعت في مراحل معينة، ولا سيما في القرن التاسع عشر. وكان اليمن وعدن والبحر الأحمر جزءاً من هذه الشبكة (Hopper 2015؛ Perry 2021).
ساهم الاسترقاق في نقل أشخاص انتزعت منهم حرية الحركة، لكنه لم يسلبهم كل قدرة على إنتاج الثقافة. فقد أصبحت الموسيقى أحياناً وسيلة لحفظ الذاكرة وبناء الثقة وتخفيف العزلة. كما أدت الجندية دوراً في انتقال الإيقاعات، إذ تحركت وحدات عسكرية وعمال موانئ بين السودان وعدن ومناطق الجزيرة. وترد في المصادر إشارات إلى دور الجنود السودانيين والنوبيين في انتشار بعض أشكال الطنبرة في عدن ولحج، وهي إشارات تحتاج إلى تدقيق أرشيفي لكنها تتفق مع حركة القوات في الحقبة الاستعمارية.
أما العمل البحري فقدم بيئة عملية للأداء. فالأغنية تنظم الجهد الجماعي وتحدد توقيت السحب والدفع، وتخفف رتابة الرحلة، وتساعد البحارة على خلق جماعة مؤقتة فوق السفينة. وحين ينزل البحار إلى الميناء يحمل معه نمط النداء والجواب وإيقاعات العمل. ولذلك يصعب الفصل بين «أغنية البحر» و«رقصة الميناء»؛ فكلاهما ينشأ من حركة الجسد والعمل والتجمع.
آليات انتقال الفن وإعادة تشكيله
الآلة بوصفها أثراً متحركاً
تعد الآلات الموسيقية من أكثر الأدلة إغراء للباحث، لأن شكلها قابل للمقارنة. لكن التشابه لا يعني بالضرورة انتقالاً حديثاً أو مباشراً. فالقيثارات والكنارات عرفت في مناطق واسعة منذ عصور قديمة، وقد تتطور آلات متشابهة بسبب تقارب الوظيفة والمواد المتاحة. لذلك ينبغي الجمع بين شكل الآلة وتسميتها وطريقة دوزنتها وسياق استخدامها وتاريخ وجودها في المكان.
تقدم الطنبرة مثالاً واضحاً. فهي قيثارة إطار كبيرة ترتبط في مناطق من السودان ومصر والقرن الأفريقي والخليج بطقوس علاجية أو احتفالية، بينما تستخدم السمسمية الأصغر في الغناء البحري والشعبي. وفي اليمن تختلف مواد الصندوق الصوتي وأسماء الأوتار وطريقة الضرب من منطقة إلى أخرى. هذا التنوع لا يلغي العائلة المشتركة للآلة، لكنه يحذر من افتراض نموذج واحد انتقل من نقطة محددة في تاريخ معلوم (الشعيبي 1995؛ Boulos, Danielson, and Rasmussen 2021).
كما أن الصناعة المحلية جزء من التوطين. فقد يصنع الصندوق من قدح خشبي أو صفيح أو جلد، وتستبدل المواد بحسب السوق والمناخ والمهارة. وحين يغير الصانع مادة الغشاء أو طول الذراعين تتغير الاستجابة الصوتية، وقد يعيد العازف ترتيب الأوتار بما يناسب المقام أو صوت المغني. وهكذا تصبح دراسة الصانع والمادة مهمة بقدر دراسة الاسم.
الإيقاع ونظام النداء والجواب
تتكرر في عدد من الفنون المدروسة بنية تقوم على مغن منفرد وكورال يجيبه، مع طبقة إيقاعية ثابتة وأخرى مزخرفة. وهذه البنية واسعة الانتشار ولا تكفي وحدها لإثبات أصل أفريقي، لكنها تكتسب دلالة حين تجتمع مع آلة مرتبطة بمسار بحري وكلمات غير عربية وحركة رقص مماثلة. ويجب التمييز بين الإيقاع بوصفه ميزاناً عددياً وبين الإحساس الإيقاعي الذي ينتج من مواضع النبر والتداخل بين الطبول والتصفيق وحركة الجسد.
في الليوا، مثلاً، يصنع المزمار ذو الريشة المزدوجة خطاً لحنياً دائرياً، بينما تبني الطبول طبقات متداخلة تدفع الراقصين إلى الحركة. وقد تتشابه البنية العامة في عُمان والخليج وحضرموت وشرق أفريقيا، لكن سرعة الأداء وترتيب الدخول وحجم الفرقة ووظيفة المناسبة تختلف. لذلك تكون المقارنة الدقيقة في تسجيلات متزامنة أكثر فائدة من الاكتفاء بوصف الرقصة بأنها «سواحيلية».
اللغة والذاكرة
تحفظ الكلمات أثراً للحركة، لكنها تتعرض للتحوير بسرعة. فقد يسمع المؤدي عبارة سواحيلية ولا يعرف معناها، فيعيد إنتاجها وفق أصوات لغته، ثم تمنحها الجماعة تفسيراً محلياً جديداً. وبعد أجيال يصبح من الصعب التمييز بين الكلمة الأصلية والصيغة الناتجة عن السماع. وتزداد المشكلة حين يدون الباحث النص اعتماداً على الأذن من دون متحدث بالسواحيلية أو الصومالية أو لغة أفريقية أخرى.
مع ذلك، يمكن للغة أن تقدم قرائن قوية إذا جمعت بمنهج مقارن. فوجود مجموعة متماسكة من المفردات، وتوافق معناها مع وظيفة الرقصة، وظهورها في مواقع متعددة على مسار بحري، كلها عوامل تزيد الاحتمال. أما التشابه الصوتي المنفرد فلا يكفي، خصوصاً في بيئة عرفت العربية والسواحيلية والفارسية والهندية والبرتغالية واللغات المحلية.
الوظيفة الاجتماعية شرط للاستمرار
لم تستمر الفنون لأنها جميلة فقط، بل لأنها أدت عملاً اجتماعياً. فالزار قدم إطاراً لتفسير المعاناة النفسية والجسدية في مجتمعات محدودة الخدمات الطبية، وخلق مساحة تقودها النساء في كثير من الحالات. والطنبرة والليوا صاحبتا الأعراس والأعياد، وأغاني البحر نظمت العمل وذاكرة البحارة، بينما وفرت الفرق دخلاً لممارسيها وحضوراً اجتماعياً لجماعات تعرضت للتهميش.
وحين تتغير الوظيفة يتغير الفن. فقد يتحول طقس علاجي سري إلى فقرة في مهرجان، أو تنتقل رقصة من حي محدد إلى فرقة رسمية، أو تختصر الأغنية الطويلة لتناسب البث التلفزيوني. هذا التحول قد يحفظ بعض العناصر لكنه يفقد أخرى، مثل علاقة الفرقة بالجمهور أو تسلسل الطقس أو المعنى الروحي للآلة. ومن هنا تأتي ضرورة توثيق السياق، لا الصوت والحركة وحدهما.
دراسات الحالة
الطنبرة والسمسمية بين الطقس والبحر
تحتل الطنبرة مركزاً في المادة الأفرو يمنية لأنها تجمع بين الآلة والرقص والعلاج والهوية. وتظهر في عدن ولحج وحضرموت وتهامة بأسماء واستخدامات متقاربة ومختلفة في آن. ويشير بعض الروايات إلى صلتها بالنوبة والسودان، ويطلق على أحد أشكالها اسم «النوبان»، بينما ترتبط في مناطق أخرى بجماعات البحارة أو بطقس الزار. وتدل هذه التعددية على أن دخولها لم يكن حدثاً واحداً بالضرورة، بل ربما جرى عبر موجات ومسارات مختلفة.
في عدن، ساعد تنوع السكان وحركة الجنود والبحارة على ترسيخ فرق الطنبرة. وتسجل الكتابات المحلية أسماء نساء قدن حفلات الزار وأسماء عازفين حملوا لقب «السنجك»، وهو لقب يتصل في الاستعمال المحلي بعازف الطنبرة. وتكتسب هذه الإشارات أهميتها من نقلها مركز النظر من الآلة المجردة إلى التنظيم الاجتماعي للفرقة: من يملك الآلة، ومن يحفظ النصوص، ومن يقرر بدء الإيقاع، وكيف تنتقل المعرفة إلى الجيل التالي.
وفي لحج، اندمجت الطنبرة في حفلات الأعراس وفي بلاط السلاطين وفق الروايات المحلية، وعزف عليها فنانون أصبح بعضهم جزءاً من تاريخ الغناء اللحجي. ويدل هذا الاندماج على انتقال الفن من جماعات محددة إلى دوائر أوسع، قبل أن يتراجع حضور الآلة مع ظهور التخت الموسيقي الحديث والعود والكمان. لكن التراجع لا يعني الاختفاء الكامل؛ فقد بقيت أسماء الإيقاعات والقصائد والذكريات في السرد المحلي.
أما في تهامة فتظهر ضرورة الفصل بين السمسمية الصغيرة والطنبرة الكبيرة. ارتبطت السمسمية بالغناء الساحلي والبحري، في حين خصصت الطنبرة في بعض المواقع للزار. ويقدم اختلاف الدوزان وأسماء الأوتار ومواد الصنع مادة مهمة للمقارنة. غير أن القياسات الواردة في المصادر القديمة تحتاج إلى إعادة توثيق ميداني بأدوات موحدة وصور تفصيلية، لأن اختلاف طريقة القياس قد ينتج فروقاً لا تعكس فرقاً حقيقياً في تصميم الآلة.
ومن الناحية الموسيقية، تعمل الطنبرة غالباً على عدد محدود من النغمات يسمح بالتكرار وبناء حالة صوتية ممتدة، في حين تؤدي الطبول والمنجور والتصفيق دوراً في تنظيم الحركة. ولا ينبغي وصف السلم بالخماسي اعتماداً على عدد الأوتار فقط؛ فقد تضبط خمسة أوتار على درجات متتابعة ضمن مقام سباعي، أو على سلسلة توافقية، أو على سلم خماسي فعلي. ولا يحسم الأمر إلا تسجيل الدرجات وتحليلها في أداء حي.
الزار بين العلاج والوصم
انتشر الزار في نطاق واسع من شرق أفريقيا والسودان ومصر واليمن والخليج، وتنوعت تسمياته وشخصياته الروحية وآلاته. وتربطه المصادر اليمنية بالطنبرة وبفرق نسائية أو مختلطة تقود جلسات ذات تسلسل محدد. تبدأ الجلسة بإيقاعات تمهيدية، ثم تتغير الأغاني حتى تصل إلى النمط المرتبط بالحالة أو «الروح» وفق الاعتقاد الشعبي، ويستجيب الشخص بالحركة أو الصراخ أو السقوط أو الهدوء (معمر 1988؛ Boulos, Danielson, and Rasmussen 2021).
لا تتعامل الدراسة مع تفسير الزار للمرض بوصفه تشخيصاً طبياً، لكنها تنظر إلى الطقس كمنظومة رعاية اجتماعية. فهو يمنح المعاناة اسماً، ويجمع حول الشخص شبكة من الحضور، ويوفر للمشاركين لغة مشتركة للتعبير عن الألم. كما يسمح للنساء، في بعض البيئات، بقيادة مساحة لا تتوافر لهن في المؤسسات الرسمية. وهذه الوظائف تفسر استمرار الطقس حتى حين يعارضه رجال دين أو أطباء أو سلطات محلية.
تعرض الزار للوصم من جهتين: بوصفه ممارسة «خرافية»، وبوصفه فناً مرتبطاً بجماعات اجتماعية منخفضة المكانة. لكن تحويله إلى عرض فولكلوري منزوعة منه عناصر العلاج والاعتقاد لا يحل المشكلة، بل يخفي تاريخ الممارسين. المطلوب توثيق الظاهرة باحترام، والتمييز بين حماية الأشخاص من الممارسات الضارة وبين إلغاء الذاكرة الموسيقية والاجتماعية التي يحملها الطقس.
الليوا بوصفها فناً عابراً للموانئ
تعد الليوا من أوضح الفنون البحرية العابرة للحدود. تنتشر بصيغ متعددة في عُمان والإمارات والبحرين والكويت وجنوب إيران والساحل العربي، ولها نظائر على الساحل السواحيلي. وتتكون عادة من مزمار وطبول كبيرة وصغيرة وأدوات معدنية، مع رقص دائري أو صفوف تتفاعل مع قائد الفرقة. وتحمل بعض نصوصها كلمات سواحيلية أو صيغاً تعرضت للتعريب (Murer 2020؛ Boulos, Danielson, and Rasmussen 2021).
في حضرموت وعدن ولحج ترد إشارات إلى الليوا بوصفها فناً ارتبط بجماعات البحارة والسكان ذوي الأصول الأفريقية، ثم اتسع إلى مناسبات عامة. غير أن الاسم الواحد يغطي ممارسات ليست متطابقة. ففي مكان تتصدر آلة النفخ المشهد، وفي مكان آخر يبرز الطبل أو الغناء. وقد تكون الرقصة رجالية في سياق ومختلطة أو نسائية في سياق آخر. وهذه الفروق ثمرة التوطين المحلي.
تقدم دراسات عُمان الحديثة درساً منهجياً مهماً؛ فهي تربط الليوا بتاريخ الإمبراطورية العُمانية وصلاتها بزنجبار، لكنها تحذر من مساواة كل ممارس بهوية أفريقية أو سليل للرقيق. فالفن ينتقل بين الجماعات، وقد يصبح رمزاً لمدينة أو دولة. وينطبق التحذير نفسه على اليمن: لا يجوز استنتاج أصل الفرد من الرقصة التي يؤديها، ولا حصر الفن في هوية بيولوجية.
البامبيلا والدربوكة ورقصات العمل والبحر
تظهر البامبيلا في حضرموت كرقصة يربطها الرواة بالساحل الأفريقي، وتقوم على الغناء المتناوب والتصفيق وحركة صفين أو مجموعتين من الراقصين. وتوحي بنية النداء والجواب والحركة الدائرية بصلات أوسع، لكن تحديد مسارها يتطلب مقارنة التسجيلات الحضرمية بنظائر سواحيلية موثقة. ومن المرجح أن الاسم نفسه تعرض لتحوير، وهو ما يجعل التحليل اللغوي المشترك ضرورة.
أما الدربوكة الحضرمية فتقدم دراما مرتبطة بالصيد والمرسى. يؤديها بحارة وصيادون، وتظهر فيها السمسمية والطبول والتصفيق والموال، ثم ينتقل الأداء إلى غناء مضبوط يدفع المشاركين إلى الرقص. وتكشف هذه البنية علاقة مباشرة بين إيقاع العمل وإيقاع الاحتفال. فالمجتمع يعيد تمثيل خبرة البحر على اليابسة، ويحول المخاطرة والعمل الجماعي إلى ذاكرة أدائية.
وترد في النصوص كلمات سواحيلية أو شبه سواحيلية، كما تظهر حركات للخصر وصفوف أو أنصاف دوائر. لكن القيمة التحليلية الكبرى ليست في إثبات أن الحركة «أفريقية»، بل في فهم سبب بقائها في مجتمع بحري. إنها تمنح الصيادين لغة مشتركة، وتعيد ترتيب علاقتهم بالمهنة والجمهور، وتحوّل تفاصيل العمل إلى مشهد يمكن مشاركته في العرس أو المناسبة.
الدان الحضرمي والتبادل في الاتجاهين
قد يبدو الدان الحضرمي بعيداً عن الفنون الأفرو يمنية، لكنه مهم لفهم أن التأثير لم يكن أحادياً. فالدان يقوم على الارتجال الشعري واللحن المتكرر والحوار بين الشعراء والمغني والجمهور، وانتقل مع الحضارم إلى بيئات المهجر. كما عادت إلى الساحل الحضرمي مؤثرات من شرق أفريقيا والهند وجنوب شرق آسيا، ولا سيما في الآلات والإيقاعات والأذواق الحضرية.
أدرجت اليونسكو تجمع الدان الحضرمي في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي عام 2025، وأكد ملفه دوره في التماسك الاجتماعي وانتقال المعرفة بين الأجيال. ويمنح هذا الاعتراف فرصة لربط صون الدان بصون الأنماط الأقل شهرة، بدلاً من بناء هرم يفصل «الفن الرفيع» عن رقصات البحارة والجماعات المهمشة (UNESCO 2025).
كما أن المقارنة بين الدان الساحلي ودان الوادي قد تكشف أثر الانفتاح البحري في الإيقاع والآلات. لكن هذه الفرضية تحتاج إلى تحليل تسجيلات متقابلة، ولا يكفي الانطباع العام. ويقترح البحث أن يكون الدان نقطة دخول إلى مشروع أوسع عن الموسيقى الحضرمية في المهجر، يشمل زنجبار وكينيا وإندونيسيا والهند ودول الخليج.
عدن والتسجيل المبكر وصناعة الجمهور
أحدثت تقنيات التسجيل تحولاً في حركة الموسيقى. فقبل الأسطوانة كان انتقال اللحن يعتمد على وجود المؤدي أو الذاكرة الشفهية، أما التسجيل فسمح للصوت بالسفر مستقلاً عن صاحبه. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن أسطوانات الشمع التي سجلها هانس هلفرتس في اليمن عامي 1930 و1931 تمثل من أقدم المجموعات الميدانية الكبيرة، وتضم أغاني عمل ونساء وجنود وأنماطاً من حضرموت ومناطق أخرى (Lambert 2023).
لكن التسجيل ليس مرآة محايدة. فقد اختار الجامع من يسجل له، وحدد مدة الأداء بسبب قيود الأسطوانة، وكتب وصفاً متأثراً بنظرته الاستشراقية. ولهذا تدعو الأدبيات الحديثة إلى قراءة الأرشيف بوصفه نتاج علاقة قوة، وإلى إعادة ربط الصوت بأسماء المؤدين ومجتمعاتهم. وفي عدن، حيث بدأت التسجيلات التجارية بعد ذلك، أسهم السوق في تفضيل أنماط قابلة للتوزيع وفي تشكيل ذائقة تتجاوز الحي والمدينة.
توفر التسجيلات القديمة إمكان المقارنة مع الأداء الراهن. يمكن قياس سرعة الإيقاع وتوزيع النبر والمدى اللحني وطريقة نطق الكلمات، ثم رصد ما تغير خلال قرن. لكن الاستفادة العلمية تتطلب رقمنة عالية الجودة وبيانات وصفية دقيقة، وإتاحة نسخ للمؤسسات اليمنية ولأسر المؤدين حين يمكن التعرف إليهم.
مصفوفة المقارنة
| الفن أو الممارسة | المجال اليمني الأبرز | القرائن على الاتصال الأفريقي | التحول المحلي | درجة اليقين |
| الطنبرة والنوبان | عدن ولحج وتهامة وحضرموت | عائلة الآلة، صلة بالنوبة والسودان، الزار، بعض التسميات | اختلاف الدوزان والمواد والوظيفة وأسماء الأوتار | مرتفعة في الاتصال العام ومتوسطة في تحديد المسار والتاريخ |
| السمسمية الساحلية | تهامة ولحج وعدن وحضرموت | انتشارها حول البحر الأحمر وصلتها بالبحارة | توظيفها في أغان محلية ومقامات ولهجات يمنية | مرتفعة في المجال البحري ومنخفضة في إثبات نقطة أصل واحدة |
| الزار | عدن وتهامة ومدن ساحلية | نطاق واسع من السودان والقرن الأفريقي إلى الخليج، والطنبرة والطقس العلاجي | أسماء محلية وتسلسل جلسات وشخصيات روحية مختلفة | مرتفعة في الشبكة الإقليمية ومتوسطة في التفاصيل المحلية |
| الليوا | حضرموت وعدن ولحج | مفردات وحركات وآلات لها نظائر سواحيلية وخليجية | اختلاف الفرقة والجنس والمناسبة وسرعة الأداء | مرتفعة في الاتصال البحري ومتوسطة في الاشتقاق اللغوي |
| البامبيلا | حضرموت | الاسم وبنية النداء والجواب والرقص الجماعي | نصوص وحركات مرتبطة بالمناسبة الحضرمية | متوسطة وتحتاج إلى مقارنة صوتية ولغوية |
| الدربوكة | حضرموت وبلحاف والمكلا | بحارة أفارقة وصوماليون، كلمات سواحيلية، دراما الصيد | دمج الموال والمقامات والطبول المحلية | مرتفعة في السياق البحري ومتوسطة في أصل كل عنصر |
| الزامل والرقصات المصاحبة للمواكب | حضرموت | ألفاظ منسوبة إلى السواحيلية وروايات عن جنود أفارقة | اندماجها في المواكب والأعراس المحلية | منخفضة إلى متوسطة بسبب اعتمادها على الروايات |
تكشف المصفوفة أن السؤال لا يقبل إجابة واحدة. فوجود شبكة اتصال أفريقية يمنية ثابت بدرجة عالية، لكن نسبة كل تفصيل إلى بلد أو جماعة أو تاريخ محدد تحتاج إلى دليل مستقل. ويجب ألا تتحول «درجة اليقين» إلى حكم نهائي؛ إنها أداة لترتيب برنامج البحث المستقبلي.
قراءة موسيقية مقارنة
البناء اللحني
تستخدم بعض الأدبيات السلم الخماسي علامة مباشرة على الأصل الأفريقي، وهو استدلال يحتاج إلى الحذر. فالسلالم الخماسية منتشرة في مناطق واسعة من العالم، وقد يظهر تسلسل من خمس نغمات داخل مقام سباعي من دون أن يكون النظام الموسيقي خماسياً بالمعنى البنيوي. كما أن عدد أوتار الآلة لا يساوي بالضرورة عدد درجات السلم المستخدم في الغناء.
تقدم الطنبرة حالة مناسبة للاختبار. فإذا ضبطت أوتارها على خمس درجات منفصلة تتكرر ضمنها الجملة ولا تظهر أنصاف الدرجات، يمكن الحديث عن مادة خماسية. أما إذا كانت الدرجات جزءاً من مقام الراست أو النهوند أو الكرد ويستكمل المغني درجات أخرى بصوته، فالوصف بالخماسي يصبح مضللاً. ولهذا ينبغي تسجيل كل وتر وقياس تردده، ثم مقارنة أداء الآلة بأداء الصوت.
كما تكشف المقامات في الدربوكة وأغاني الساحل عن تداخل لا ينسجم مع الفصل الحاد بين «عربي سباعي» و«أفريقي خماسي». فقد يجتمع مقام عربي في الموال مع لازمة محدودة النغمات في الكورال، أو تستخدم السمسمية مجالاً صغيراً بينما يتحرك المغني بحرية. وهذا التعايش نفسه دليل على التوطين الموسيقي.
البنية الإيقاعية
الإيقاع أكثر من كسر حسابي مثل 2/4 أو 6/8. فالفرق بين أداءين على الميزان نفسه قد يكمن في توزيع النبر وفي التقديم والتأخير وفي تفاعل التصفيق مع الطبل. وتظهر الفنون الأفرو يمنية ميلاً إلى الطبقات: طبل يحفظ الدورة، وآخر يزخرف، وأداة معدنية أو منجور تملأ المسافات، وكورال يضيف نبراً لغوياً، ثم يأتي الجسد ليجعل الإيقاع مرئياً.
هذا التنظيم متعدد الطبقات من السمات التي تستحق دراسة دقيقة، لأنه قد يقدم دليلاً أقوى من الاسم. ويمكن للتحليل الرقمي أن يقارن بين تسجيلات الليوا في حضرموت وعُمان وزنجبار، أو بين طنبرة زبيد ونظائرها السودانية. ولن يكون الهدف تحديد «المالك» الأول للإيقاع، بل قياس درجة القرابة وكيفية اختلافها.
الحركة والجسد
قد تحمل الحركة ذاكرة يصعب تدوينها. فهز الكتف، والانخفاض المفاجئ نحو الأرض، والدوران، وتقدم صفين متقابلين، وربط قطعة قماش حول الخصر، كلها عناصر وردت في وصف الرقصات اليمنية. لكن الحركة تتأثر أيضاً بفضاء الأداء والملابس ونوع الجمهور. فالرقصة في ساحة عرس ليست كالأداء فوق سفينة أو داخل غرفة طقس علاجي.
لهذا يحتاج التوثيق إلى تصوير متعدد الزوايا ووصف ترتيب المشاركين ومساحة الحركة، لا إلى لقطة أمامية قصيرة. كما يجب الحصول على موافقة الممارسين، خصوصاً في الطقوس الخاصة، وعدم نشر مشاهد قد تعرض شخصاً للوصم أو تكشف حالة صحية أو اعتقاداً خاصاً.
المجتمع والهوية والسلطة
الفن والتراتبية الاجتماعية
تكشف المصادر مفارقة متكررة: تعتمد المناسبات العامة على مهارة موسيقيين من جماعات مهمشة، بينما ينظر المجتمع إلى مهنتهم بوصفها أدنى مكانة. وقد ارتبط التطبيل في بعض مناطق تهامة بفئة اجتماعية محددة، في حين سمح للقبائل أو علية القوم بالعزف على آلات أخرى. هذا التقسيم لا يعكس اختلافاً جمالياً فقط؛ إنه يوزع الاحترام والعمل والدخل وفقاً للطبقة والنسب واللون.
ساهمت الفرق الموسيقية في مقاومة هذا التهميش بطريقتين. الأولى امتلاك معرفة لا تستغني عنها المناسبة، والثانية بناء شبكات مهنية وعائلية تحفظ الآلة والنص. لكن الاحتراف قد يثبت الوصمة أيضاً إذا ظل المجتمع يقبل خدمة الفنان ويرفض مساواته. ومن هنا يجب أن يسجل بحث التراث أسماء الممارسين وحقوقهم، لا أن ينسب الفن إلى «الشعب» بصورة تمحو منتجيه.
النساء ومساحات الأداء
تظهر النساء في المادة بوصفهن قائدات لطقوس الزار، وراقصات ومغنيات وحافظات للنصوص. وفي بعض البيئات وفرت الجلسة النسائية مساحة للتعبير عن الضيق والمرض والمشكلات الأسرية، حتى لو صيغت الخبرة بلغة الأرواح. كما أسهمت الأعراس في نقل الأغاني والحركات بين الأجيال.
غير أن المصادر القديمة كثيراً ما وصفت النساء من الخارج وركزت على الغرابة أو الإثارة، ولم تسجل تفسيرهن لأدوارهن. لذلك يجب أن يعطي البحث المستقبلي الأولوية لشهادات الممارسات أنفسهن: كيف تعلمن، وما معنى الطقس لهن، وكيف ينظرن إلى تحويله إلى عرض عام، وما المخاطر التي تواجههن عند النشر الرقمي؟
الهوية الوطنية وتعدد الأصول
تميل سياسات الدولة الحديثة إلى تقديم التراث في صورة وطنية موحدة. ولهذا فائدة في الاعتراف والحماية، لكنه قد يخفي المسارات الأفريقية أو الهندية أو السواحيلية التي صنعت الفن. وفي المقابل، قد يؤدي الإفراط في وصف الفن بأنه «وافد» إلى عزله عن الهوية اليمنية وإدامة النظرة إلى ممارسيه كغرباء.
الحل ليس الاختيار بين الوصفين، بل الاعتراف بالهوية المركبة. فالليوا يمنية في حضرموت لأنها تمارسها جماعة محلية وتؤدي وظيفة محلية، وهي في الوقت نفسه جزء من شبكة أفريقية خليجية. والطنبرة اللحجية تنتمي إلى تاريخ لحج حتى لو حملت آثار النوبة أو السودان. الانتماء لا يتطلب محو الرحلة.
نقد الأدبيات السابقة
من جمع الغرائب إلى تحليل العلاقات
قدم الرحالة والمستشرقون أوصافاً مبكرة لآلات ورقصات ومجتمعات يمنية، وبعضها لا غنى عنه بسبب غياب التسجيلات الأخرى. لكنهم كتبوا في سياق استعماري، وكان اهتمامهم أحياناً منصباً على «الغرابة» وتصنيف السكان. وقد يصف الرحالة الأداء بدقة ثم يبني عليه حكماً حضارياً متحيزاً. لذلك يجب فصل المعلومة القابلة للتحقق عن اللغة التي أحاطت بها.
كما حملت بعض الكتابات العربية نزعة قومية بحثت عن أصل عربي لكل عنصر، أو استخدمت الشاهد الأفريقي لتأكيد اتساع التأثير العربي. وفي المقابل، بالغت قراءات أخرى في رد كل إيقاع أو حركة إلى أفريقيا من دون بيان المنطقة أو المسار. ويشترك الاتجاهان في البحث عن ملكية ثقافية أكثر من بحثهما عن التفاعل.
تغيرت الإثنوموسيقولوجيا الحديثة من مقارنة الأنغام خارج سياقها إلى دراسة الأداء داخل المجتمع، ومن التركيز على القطعة إلى التركيز على الممارس والشبكة والسلطة. وأصبحت تسأل: من سجل؟ من صنف؟ من استفاد؟ من حُذف اسمه؟ وكيف تحول التسجيل إلى مادة أرشيفية بعيدة عن أصحابه؟ وهذه الأسئلة ضرورية عند إعادة استخدام تسجيلات اليمن في الثلاثينيات أو التسجيلات الاستعمارية في عدن.
حدود الرواية الشفهية
الرواية الشفهية مصدر أساسي في تاريخ الفنون، لأنها تحفظ أسماء وتفاصيل لا توجد في الوثائق. لكنها تتغير مع الزمن وتخضع لرغبة الجماعة في تفسير حاضرها. فقد تربط فرقة نشأتها بشخصية مشهورة لزيادة المكانة، أو تنسب الرقصة إلى بلد معروف لأن الاسم القديم فقد معناه. ولا يقلل ذلك من قيمة الرواية؛ إنه يحدد نوع السؤال الذي تجيب عنه.
ينبغي تسجيل الرواية باسم صاحبها وتاريخ المقابلة ومكانها، ثم مقارنتها بروايات أخرى ووثائق الصحف والتسجيلات. وعند وجود اختلاف لا يجب صهر الروايات في نسخة واحدة، بل عرض التعدد وتفسيره. فالخلاف نفسه قد يكشف تنافساً بين الفرق أو تغيراً في هوية الحي.
الحاجة إلى العلم التعاوني
تحتاج دراسة هذه الفنون إلى تعاون بين المؤرخ والموسيقي واللغوي والأنثروبولوجي وخبير الأرشيف الرقمي. فالمؤرخ يتتبع حركة الأشخاص والمؤسسات، والموسيقي يحلل النغم والإيقاع، واللغوي يختبر المفردات، والأنثروبولوجي يقرأ وظيفة الطقس، وخبير الأرشيف يحفظ المادة ويصفها.
كما يجب إشراك باحثين ومتحدثين من شرق أفريقيا، لأن تفسير الكلمات السواحيلية أو الصومالية من داخل العربية وحدها ينتج أخطاء. ومن الأفضل بناء فرق بحثية عابرة للبحر نفسه الذي تدرسه، فتكون المعرفة الناتجة مثالاً على التعاون لا إعادة لمركزية جهة واحدة.
الحرب والتحول الرقمي ومستقبل التراث
خسائر لا تظهر في قوائم المباني
تقاس أضرار الحرب غالباً بالمباني والمخطوطات، لكن التراث الموسيقي يتعرض لخسارة أقل ظهوراً. يموت العازف قبل أن يسجل دوزان آلته، وتتفرق الفرقة بسبب النزوح، ويباع الأرشيف الخاص، وتتوقف الأعراس والمهرجانات أو تتغير وظائفها. كما يؤدي الانقطاع الطويل للكهرباء وضعف المؤسسات إلى تلف الأشرطة والأسطوانات.
وفي المقابل، سمحت الهواتف والمنصات الرقمية بتسجيل عروض لم تكن ستوثق. لكن كثرة المقاطع لا تعني وجود أرشيف. فالفيديو قد ينشر بلا اسم المؤدي أو تاريخ أو مكان، ويضغط صوتياً، ثم يحذف الحساب. وقد تستخدمه جهات تجارية من دون إذن. لذلك يجب الانتقال من التسجيل العفوي إلى الحفظ المنظم.
من الرقمنة إلى العدالة الأرشيفية
الرقمنة ليست تصوير الشريط ورفعه على الإنترنت فقط. تبدأ بتقييم حالة الأصل وتنظيفه وتحويله بصيغة غير مضغوطة، ثم إنشاء نسخة للحفظ وأخرى للاستخدام، وكتابة بيانات تشمل المؤدي والفرقة والآلة والمناسبة والمكان والتاريخ واللغة وحقوق الاستخدام. ويجب حفظ أكثر من نسخة في مواقع مختلفة.
أما العدالة الأرشيفية فتعني أن المجتمعات التي أنتجت الصوت تستطيع الوصول إليه وتقرير بعض شروط استخدامه. فإذا كان التسجيل لطقس خاص أو لشخص قد يتعرض للوصم، قد يكون من الضروري تقييد النشر العام. وإذا حقق الأرشيف دخلاً من استخدام تجاري، ينبغي أن توجد آلية لمشاركة المنفعة مع الممارسين أو ورثتهم.
الصون من دون تجميد
قد تتحول برامج التراث إلى محاولة لتثبيت «نسخة صحيحة» من الرقصة، بينما تاريخ الفن قائم على التغير. والصون الأفضل يحافظ على قدرة الجماعة على الممارسة والتعليم، لا على شكل مسرحي واحد. وهذا يعني دعم أماكن التدريب وصانعي الآلات والفرق المحلية، وتسجيل النسخ المختلفة بدلاً من استبعادها.
كما ينبغي ربط الصون بالتعليم. يمكن للمدارس والجامعات تقديم وحدات عن تاريخ البحر الأحمر والموسيقى المحلية، وتنظيم لقاءات مع الممارسين، وإنشاء مختبرات صوتية. وبذلك ينتقل التراث من مناسبة سنوية إلى معرفة حية، ويكتسب الشباب أدوات لفهمه وتطويره.
النتائج
1. تشكلت الفنون الأفرو يمنية داخل شبكة بحرية متعددة الاتجاهات، ولا يمكن تفسيرها بنموذج انتقال خطي من أصل واحد إلى متلق واحد.
2. كانت الموانئ، ولا سيما عدن والشحر والمكلا والمخا وزبيد، مختبرات للتفاعل بسبب تداخل التجارة والهجرة والعمل والجندية والحج والاسترقاق.
3. حمل الاسترقاق جانباً مؤلماً من حركة البشر، لكن الجماعات المنقولة قسراً احتفظت بقدرة على إنتاج الثقافة وإعادة بناء التضامن عبر الموسيقى والطقس.
4. لا يكفي التشابه في الاسم أو الحركة لإثبات الأصل. ويصبح الاستدلال أقوى عندما تتقاطع القرائن العضوية والإيقاعية واللغوية والتاريخية والاجتماعية.
5. تكشف الطنبرة والسمسمية عائلة إقليمية من الآلات، لكن اختلاف الدوزان والمواد والوظائف يدل على إعادة تشكيل محلية مستمرة.
6. يمثل الزار منظومة رعاية اجتماعية وموسيقية إضافة إلى كونه اعتقاداً علاجياً، وقد وفر للنساء والجماعات المهمشة مساحة للقيادة والتعبير.
7. توضح الليوا والدربوكة والبامبيلا كيف ترتبط حركة الجسد بإيقاع العمل البحري وبذاكرة الميناء، وكيف تتحول الصلات السواحيلية إلى فن محلي.
8. أثر اليمنيون والحضارم في شرق أفريقيا كما تأثروا بها، ولا تكتمل الصورة من دون دراسة الحركة العكسية وشبكات المهجر.
9. أعادت الأدبيات القديمة إنتاج تصنيفات عرقية وطبقية ينبغي نقدها، مع الحفاظ على ما تقدمه من وصف تاريخي قابل للتحقق.
10. يهدد غياب الأرشيف والحرب ووفاة حملة التراث المادة أكثر مما يهددها «اختلاط» الفنون الحديثة؛ فالاختلاط جزء من تاريخها، أما فقدان الذاكرة والبيانات فهو الخطر الفعلي.
11. يوفر الاعتراف الدولي بالدان الحضرمي والغناء الصنعاني نافذة لبناء سياسة وطنية تشمل الفنون الساحلية الأقل حضوراً.
12. يجب أن ينتقل البحث المقبل من الوصف إلى التحليل الصوتي واللغوي التعاوني، مع مشاركة باحثين وممارسين من اليمن وشرق أفريقيا.
التوصيات
للحكومة والسلطات الثقافية
1. إنشاء برنامج وطني للأرشيف الصوتي اليمني يعمل بشراكة بين وزارة الثقافة والجامعات والمراكز البحثية، ويبدأ بالمجموعات المهددة في عدن ولحج وحضرموت وتهامة.
2. إعداد سجل وطني للفرق والممارسين وصانعي الآلات، على أن تكون المشاركة طوعية وأن تحمى البيانات الشخصية والطقوس الخاصة.
3. إدراج الطنبرة والليوا والدربوكة والزار وأغاني البحر ضمن خطط صون التراث غير المادي، مع تجنب اختزالها في عروض رسمية قصيرة.
4. دعم صناعة السمسمية والطنبرة والطبول التقليدية عبر منح صغيرة وبرامج تدريب للمتدربين الشباب.
5. التفاوض مع الأرشيفات الأجنبية للحصول على نسخ رقمية عالية الجودة من تسجيلات اليمن التاريخية وبياناتها الوصفية.
للجامعات ومراكز البحوث
6. تأسيس مشروع بحثي مقارن بين جامعة عدن وجامعة حضرموت وجامعة الحديدة ومؤسسات في السودان وكينيا وتنزانيا وعُمان.
7. تدريب باحثين على التسجيل الميداني والتحليل الصوتي والتوثيق البصري وأخلاقيات الموافقة وحقوق الملكية الفكرية.
8. إعادة قياس الآلات الواردة في الدراسات القديمة وفق بروتوكول موحد يشمل الصور والمواد والترددات وأسماء الأجزاء كما ينطقها الصانع والعازف.
9. إجراء مقابلات تاريخ حياة مع النساء والرجال من حملة التراث، وإيداع النسخ في أرشيف محلي يمكن للمجتمع الوصول إليه.
10. إعداد معجم عربي سواحيلي للمفردات الموسيقية المتداولة في الرقصات الساحلية، بمشاركة لغويين ومتحدثين أصليين.
للمؤسسات الإعلامية والثقافية
11. ذكر أسماء المؤدين والفرق والمناطق عند نشر المقاطع، وعدم استخدام وصف عام مثل «رقصة شعبية» يمحو أصحاب الفن.
12. إنتاج أفلام وإذاعات طويلة تشرح السياق الاجتماعي والتاريخي، بدلاً من المقاطع التي تركز على الحركة الغريبة أو المثيرة.
13. اعتماد موافقات واضحة عند تصوير الطقوس العلاجية أو النسائية، وإتاحة حق المراجعة للمشاركين قبل النشر في الحالات الحساسة.
14. إنشاء سلسلة رقمية بعنوان «أصوات الموانئ اليمنية» تجمع الأداء بالشرح والخرائط والشهادات، وتقدم المادة بالعربية والإنجليزية والسواحيلية حين يلزم.
للمانحين والمنظمات الدولية
15. توجيه التمويل إلى بناء قدرات المؤسسات اليمنية وحفظ الأصول داخل البلد، لا إلى استخراج المادة وإيداعها خارج المجتمع.
16. تمويل مشاريع يقودها الممارسون والباحثون المحليون، ووضع مؤشرات تقيس انتقال المعرفة إلى جيل جديد لا عدد العروض فقط.
17. ربط صون التراث بفرص دخل عادلة للفنانين وصانعي الآلات، مع حماية الفن من الاستغلال التجاري غير المرخص.
18. دعم مشروع إقليمي للتراث البحري يربط اليمن والقرن الأفريقي والسودان وعُمان ودول الخليج، ويعترف بالتاريخ المشترك للاسترقاق والهجرة والتجارة.
أجندة بحثية مقترحة
تحتاج المرحلة التالية إلى خمسة مسارات مترابطة. يبدأ المسار الأول بمسح أرشيفي للصحف والتسجيلات ووثائق الموانئ والجندية والهجرة، بهدف بناء خط زمني يمكن اختبار الروايات الشفهية عليه. ويركز الثاني على التحليل الموسيقي الرقمي لتسجيلات منتقاة من الطنبرة والليوا والدربوكة في أكثر من بلد. أما الثالث فيتتبع الكلمات والأسماء بمشاركة لغويين من السواحيلية والصومالية والعربية.
ويبحث المسار الرابع في التاريخ الاجتماعي للممارسين: الأسر والفرق والعمل والدخل والوصم وعلاقة الفن بالمناسبة. ويختص الخامس بسياسات الأرشيف والملكية الفكرية، ويطور نماذج موافقة ومشاركة منفعة تناسب المجتمعات المحلية. ولا ينبغي تنفيذ هذه المسارات منفصلة؛ فالتسجيل الذي يحلل موسيقياً يحتاج إلى قصة اجتماعية، والكلمة تحتاج إلى سياق أداء، والوثيقة تحتاج إلى شهادة من المجتمع.
يمكن أن تبدأ الدراسة الميدانية بثلاثة مواقع: عدن بوصفها ميناءً متعدد الجماعات، والمكلا أو الشحر بوصفهما نقطة اتصال بالساحل السواحيلي، وزبيد أو الحديدة بوصفهما مجالاً للطنبرة والزار والسمسمية. ويضاف موقع مقارن في شرق أفريقيا وآخر في عُمان أو السودان. ومن شأن هذا التصميم أن يحول الفرضيات العامة إلى مقارنات قابلة للاختبار.
الخاتمة
تروي الموسيقى الأفرو يمنية تاريخاً لا يظهر كاملاً في سجلات الدول والحروب. إنها تحفظ حركة بحار عبر الميناء، وذاكرة امرأة قادت طقساً علاجياً، ومهارة صانع حول الخشب والجلد والصفيح إلى آلة، وكلمات عبرت من لغة إلى أخرى حتى تغير معناها. وفي هذه التفاصيل يتضح أن البحر الأحمر والمحيط الهندي لم يكونا حدين يفصلان أفريقيا عن الجزيرة العربية، بل مجالاً صنع مجتمعات الساحل وهوياتها.
لا يعني الاعتراف بالأثر الأفريقي إنكار يمنية الفن، كما لا يعني وصفه باليمني محو تاريخه البحري. فالهوية الثقافية لا تقوم على النقاء، بل على قدرة المجتمع على منح العناصر معنى محلياً ونقلها إلى جيل جديد. والطنبرة في لحج أو زبيد ليست نسخة ناقصة من آلة سودانية، والليوا الحضرمية ليست مجرد أثر أجنبي؛ كلتاهما نتيجة تاريخ من الترجمة وإعادة الترتيب.
لكن هذه النتيجة تفرض مسؤولية. فالجماعات التي حفظت الفن يجب ألا تختفي خلف تسمية عامة، والمصادر القديمة يجب ألا تعاد من دون نقد لغتها، والتسجيلات الموجودة في الخارج ينبغي أن تعود رقمياً إلى أصحابها. كما يجب ألا تتحول الحماية إلى تجميد، لأن التغير الذي تخشاه المؤسسات هو نفسه الذي أبقى هذه الفنون حية.
إن بناء أرشيف تشاركي، وإجراء بحث عابر للبحر، وتدريب جيل جديد من الموثقين والعازفين، ليست مشروعات ترف ثقافي. إنها طريقة لحماية ذاكرة اجتماعية مهددة، ولإعادة قراءة موقع اليمن في محيطه الأفريقي والآسيوي. وعندها يصبح صوت الطنبرة وإيقاع الليوا وغناء البحارة مصادر لفهم التاريخ، لا فقرات عابرة في مهرجان.
المراجع والمصادر
المصادر العربية والمحلية
1. الأسد، ناصر الدين. (1988). القيان والغناء في العصر الجاهلي. بيروت.
2. أحمد، آدم يحي. (2005). تهاميات أوراق من الموروث الشعبي. صنعاء.
3. باصديق، حسين سالم. (1993). في التراث الشعبي اليمني. صنعاء.
4. بامطرف، محمد عبدالقادر. (1985). باحسن الرائد والفنان. عدن.
5. بن ثعلب، عمر أحمد. (1984). محمد جمعة خان حياته وفنه.
6. الحداد، عبدالله صالح. (2006). رجال الشحر في شرق أفريقيا من خلال أدبهم الشعبي. المكلا.
7. الشعيبي، فهد محمد. (1995). آلات الموسيقى الشعبية واستخداماتها في اليمن. رسالة ماجستير، المعهد العالي للموسيقى العربية، القاهرة.
8. الشعيبي، فهد محمد. (2001). الأغنية الشعبية بمنطقة تهامة بمحافظة الحديدة باليمن. رسالة دكتوراه، المعهد العالي للموسيقى العربية، القاهرة.
9. العودي، حمود. (1986). التراث الشعبي وعلاقته بالتنمية في البلاد النامية دراسة تطبيقية عن المجتمع اليمني. بيروت.
10. غانم، نزار محمد عبده. (1994). جسر الوجدان بين اليمن والسودان. صنعاء.
11. غانم، نزار محمد عبده. (2007). «الرقصات الأفرو يمنية بحث في أفريقانية اليمن الموسيقية». دراسة منشورة لاحقاً في مجلة الثقافة الشعبية.
12. فرحان، سعيد عمر. (1999). «الموروث الشعبي اليمني إحياؤه والحفاظ عليه». صحيفة الثقافية، تعز.
13. قائد، عبدالقادر أحمد. (1997). «القمندان والأغنية اللحجية إيقاعاتها ورقصاتها ومقاماتها الموسيقية». بحث مقدم إلى المهرجان الثالث للقمندان، لحج.
14. لقمان، حمزة علي. (1988). أساطير من تاريخ اليمن. بيروت.
15. معمر، عبدالله مقبل. (1988). «جلسات الزار في تهامة». مجلة اليمن الجديد، العدد 7.
الدراسات والمراجع الأجنبية والحديثة
16. Boulos, Issa, Virginia Danielson, and Anne K. Rasmussen, eds. (2021). Music in Arabia: Perspectives on Heritage, Mobility, and Nation. Bloomington: Indiana University Press. https://doi.org/10.2307/j.ctv21hrhz3
17. de Silva Jayasuriya, Shihan. (2008). “Indian Ocean Crossings: Music of the Afro-Asian Diaspora.” African Diaspora 1(1–2): 135–154. https://doi.org/10.1163/187254608X346079
18. Ho, Engseng. (2006). The Graves of Tarim: Genealogy and Mobility across the Indian Ocean. Berkeley: University of California Press.
19. Hopper, Matthew S. (2015). Slaves of One Master: Globalization and Slavery in Arabia in the Age of Empire. New Haven: Yale University Press.
20. Lambert, Jean. (2023). “A Historical Glimpse of Music in Yemen in the 1930s: A First Approach to the Cylinders Recorded by Hans Helfritz.” The World of Music New Series 12(2). https://doi.org/10.59998/2-2023-12-1426
21. Murer, George. (2020). “The Forging of Musical Festivity in Baloch Muscat: From Arabian Sea Empire to Gulf Transurbanism to the Pan-Tropical Imaginary.” Ethnomusicology Review 22.
22. Perry, Craig. (2021). “Slavery and the Slave Trade in the Western Indian Ocean World.” In The Cambridge World History of Slavery, 123–152. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/9781139024723.006
23. Sykes, Jim, and Julia Byl, eds. (2023). Sounding the Indian Ocean: Musical Circulations in the Afro-Asiatic Seascape. Oakland: University of California Press. https://doi.org/10.1525/luminos.160
24. Walker, Iain. (2019). “Hadramis in Africa.” Oxford Research Encyclopedia of Asian History. Oxford University Press.
25. UNESCO. (2008). “Song of Sana’a.” Representative List of the Intangible Cultural Heritage of Humanity. https://ich.unesco.org/en/RL/song-of-sana-a-00077
26. UNESCO. (2025). “Hadrami Dan Gathering.” Representative List of the Intangible Cultural Heritage of Humanity. https://ich.unesco.org/en/RL/hadrami-dan-gathering-02232
27. UNESCO. (2025). Periodic Report on the Convention for the Safeguarding of the Intangible Cultural Heritage Yemen Cycle 2020–2024.
28. Smithsonian Folkways. (1998). Yemen Songs from Hadramawt. Recordings and annotations by Scheherazade Qassim Hassan, UNESCO Collection D-8273.
29. Smithsonian Folkways. “Music from the Arabian Gulf UNESCO Collection Week 39.” https://folkways.si.edu/news-and-press/unesco-collection-week-39-music-from-the-arabian-gulf
تسجيلات ومواد سمعية مقترحة للتحليل
30. Yemen: Music from the Heart of Arabia. UNESCO Collection. يتضمن تسجيلات للسمسمية في لحج والطنبرة في زبيد.
31. Yemen: Songs from Hadramawt. UNESCO Records D-8273. تسجيلات ميدانية بين 1985 و1995.
32. The Yemen Tihama: Trance and Dance Music from the Red Sea Coast of Arabia. British Library National Sound Archive.
33. Berlin Phonogramm-Archiv. Hans Helfritz Yemen Wax Cylinder Collection, 1930–1931.