الملخص التنفيذي
تكشف التطورات أن الاضطراب الممتد من باب المندب إلى مضيق هرمز لم يعد مجموعة أزمات بحرية منفصلة. فعودة المواجهة بين الحوثيين والسعودية دفعت البحر الأحمر إلى قلب الحرب اليمنية، بينما استثمرت شبكات القرصنة الصومالية انتقال جزء من الاهتمام العسكري نحو الصواريخ والمضائق. وفي الخليج، أبقى التعطل الجزئي في هرمز مئات السفن وآلاف البحارة داخل اقتصاد خطر طويل الأمد، ودفع عُمان إلى مركز الوساطة من دون أن يمنحها القدرة على فرض تسوية. وفي الوقت نفسه اتجهت السعودية إلى بناء ترتيبات دفاعية مع تركيا وباكستان ودول البحر الأحمر، في اعتراف عملي بأن المظلات السابقة لم تعد توفر وحدها ما تحتاج إليه من ردع. تجادل هذه الورقة بأن الرابط بين هذه المسارات ليس الجغرافيا فقط، بل ندرة الموارد الأمنية وتفتت القرار وتحوّل شركات التأمين والموانئ والبحارة إلى أطراف فعلية في الصراع. لذلك لا يمكن استعادة حرية الملاحة عبر زيادة القطع الحربية وحدها؛ المطلوب وصل أمن البحر بتسويات اليابسة، وإعادة بناء المؤسسات الساحلية، وتحديد قواعد اشتباك ومسؤوليات قابلة للاختبار.
الكلمات المفتاحية
باب المندب، البحر الأحمر، خليج عدن، القرصنة الصومالية، مضيق هرمز، عُمان، السعودية، تركيا، باكستان، الأمن البحري
مقدمة أزمة واحدة بأربعة وجوه
بدت خريطة الملاحة من جنوب البحر الأحمر إلى الخليج كأنها سلسلة من دوائر الخطر غير المترابطة. صاروخ أو زورق غير مأهول قرب المخا، ناقلة تستغيث في خليج عدن، قراصنة يقودون سفينة نحو ساحل بونتلاند، وسفن تنتظر ترتيبات عبور غير مستقرة عند هرمز. لكن الفصل بين هذه الوقائع يضلل أكثر مما يفسر. فالقطع البحرية والطائرات ومراكز الإنذار وشركات التأمين تعمل في حيز واحد محدود الموارد، وكل أزمة تسحب الانتباه والقدرة من أزمة أخرى. حين يتجه أسطول إلى حماية ناقلات الخليج، تتسع مساحة الحركة أمام قارب صغير في بحر العرب. وحين يرتفع الخطر في باب المندب، تصبح موانئ البحر الأحمر ومسارات السعودية البديلة أكثر أهمية، ثم أكثر تعرضا للضغط.
الحوثيون استخدموا الملاحة أداة ضغط منذ سنوات، والقرصنة الصومالية لم تختف تماما بعد ذروتها السابقة، ومضيق هرمز ظل ورقة في التنافس الإيراني الأميركي، كما أن الرياض بدأت منذ وقت طويل تنويع علاقاتها الدفاعية. الجديد هو اجتماع المسارات في لحظة واحدة، وظهور أثر كل منها في حسابات الآخر. بذلك انتقل الأمن البحري من ملف تخصصي تديره القوات البحرية إلى سؤال سياسي يطال بنية التحالفات والحرب اليمنية واقتصاد الطاقة وقدرة الدول الساحلية على ممارسة وظائفها الأساسية.
تتعامل هذه الورقة مع الممرات بوصفها نظاما إقليميا لا خطوطا زرقاء على الخريطة. النظام يتكون من المضائق والموانئ والجزر ومحطات الطاقة، لكنه يتكون أيضا من قرارات الربابنة وعقود التأمين وشبكات التمويل المحلية والسلطات التي تملك السواحل ولا تملك دائما السيطرة عليها. في هذا النظام يستطيع فاعل محدود الموارد أن يفرض كلفة كبيرة من دون السيطرة على البحر. يكفي أن يجعل المخاطرة غير قابلة للحساب، وأن يدفع شركة الشحن إلى اختيار طريق أطول، أو يجبر قوة دولية على نقل سفينة من قطاع إلى آخر.
الحجة المركزية هنا أن الردع تراجع لأن الاستجابات بقيت مجزأة. عولجت الصواريخ كمسألة دفاع جوي، والقرصنة كجريمة، وهرمز كأزمة بين إيران والولايات المتحدة، والتحالفات السعودية كحركة دبلوماسية. غير أن الفاعلين الذين يهددون الملاحة يستفيدون من الفواصل المؤسسية بين هذه الملفات. وهم لا يحتاجون إلى تنسيق مباشر كي يحققوا مكاسب متبادلة؛ يكفي أن يضغط كل طرف في الوقت الذي تنشغل فيه القوى الكبرى بمسرح آخر.
لا يعني ذلك أن كل حادث يحمل الخطر نفسه أو أن ثمة قيادة خفية تجمع الحوثيين والقراصنة وإيران. المقصود أن أثرهم يتراكم داخل سوق وفضاء أمني مشتركين. وهذه نقطة ضرورية لتجنب التفسيرات المبالغ فيها. فالقرصنة لها منطقها المالي والاجتماعي، والحوثيون يتحركون ضمن حرب يمنية وإقليمية، وإيران تستخدم هرمز في مساومة استراتيجية، بينما تبحث السعودية عن بدائل دفاعية. الترابط يقع في النتائج والموارد والفرص، لا بالضرورة في غرفة عمليات واحدة.
أغسطس شهر انتقال البحر إلى قلب الحرب
بدأت الصورة بالتشكل حول المخا وخليج عدن. ففي 4 أغسطس أصيبت سفينة قرب الساحل الغربي بهجوم بزورق غير مأهول، واضطر طاقمها إلى الإخلاء بعد اندلاع حريق. وفي اليوم التالي وقع انفجار قرب ناقلة على مسافة بعيدة جنوب شرقي عدن، بالتزامن مع ادعاءات حوثية عن استهداف سفن مرتبطة بالمصالح السعودية. بعض الادعاءات لم يكن قابلا للتحقق بصورة مستقلة، لكن تتابع الحوادث أوضح أن الإعلان الحوثي عن حصار بحري على السعودية لم يكن مجرد خطاب؛ كان محاولة لإنشاء معيار استهداف واسع يمكن أن يشمل الملكية والإدارة والحمولة والميناء السابق وعلاقات الشركة.
على اليابسة كانت الجبهات تتحرك أيضا. توسعت العمليات في مأرب وحضرموت، وعادت الضربات العابرة للحدود باتجاه السعودية بعد فترة من الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة 2022. هذا التزامن غيّر معنى الهجمات البحرية. لم تعد الملاحة ساحة تضامن خارجي أو وسيلة ضغط مرتبطة بصراع بعيد، بل أصبحت امتدادًا مباشرًا للمواجهة بين الحوثيين والرياض. السفينة هنا لا تُستهدف لذاتها فقط؛ تُستخدم لإرسال رسالة إلى الدولة التي ترتبط بها أو إلى السوق الذي يعتمد عليها.
جاء الهجوم على السفينة تِهامة في 11 أغسطس ليجسد هذا التحول بأقسى صورة. قُتل أفراد من الطاقم، ثم قتل منقذون يمنيون بعد توجههم إلى السفينة. قالت الجماعة الحوثية إن السفينة كانت تحمل معدات عسكرية سعودية، بينما تعاملت المنظمة البحرية الدولية معها بوصفها سفينة تجارية يجب حماية بحارتها. الفارق بين الروايتين ليس لغويا. من يملك تعريف السفينة يملك محاولة تبرير ضربها: هدف عسكري في رواية، وعمل مدني محمي في رواية أخرى. لذلك أصبحت شفافية الحمولة والملكية وسجلات الموانئ جزءا من الصراع، لا مجرد تفاصيل تجارية.
تكشف حادثة مقتل المنقذين خللا أعمق من قصور الاعتراض العسكري. عندما تصبح الاستجابة الثانية عرضة للهجوم، يتباطأ الإنقاذ حتى في الحوادث التي لا تتصل بالحرب. تحتاج فرق خفر السواحل إلى معرفة أن منطقة الحادث آمنة، وأن الاتصال مع السفن العسكرية قائم، وأنها لن تدخل مجالا تستخدم فيه طائرات مسيرة أو مقذوفات من دون إنذار. غياب هذه الضمانات يرفع عدد الضحايا ويضاعف أثر الضربة الأولى. وقد يكون تعطيل الإنقاذ في بعض الحالات أكثر ضررا من إصابة السفينة نفسها، لأنه يزرع التردد في كل استجابة لاحقة.
لم تكن المخا مجرد نقطة جغرافية في هذه السلسلة. الميناء والساحل المقابل لجزيرة ميون يقعان عند عقدة تربط البحر الأحمر بخليج عدن، لكن المؤسسات المسؤولة عن هذا القطاع موزعة بين قوات وهياكل سياسية متعددة. توجد قدرات محلية وخبرة تراكمت خلال الحرب، غير أن تبادل المعلومات والقرار لا يتحرك دائما بالسرعة نفسها. الفرق بين اكتشاف منصة إطلاق والتعامل معها قد يكون دقائق، بينما انتقال البلاغ بين غرف عمليات منفصلة يحتاج وقتا أطول. بهذه الطريقة تتحول مشكلة القيادة إلى فرصة تكتيكية للمهاجم.
ردود الفعل الدولية ركزت على حرية الملاحة وسلامة البحارة، وهو تركيز ضروري، لكنه لا يعالج مصدر الخطر. القطعة البحرية تستطيع اعتراض مقذوف أو إنقاذ طاقم، ولا تستطيع وحدها تفكيك منصة متنقلة على اليابسة أو توحيد الأجهزة الساحلية أو تسوية الحرب اليمنية. لذلك ظل التوسع في الانتشار البحري يعالج النتائج أكثر مما يعالج القدرة على إنتاج الهجوم. ومع كل جولة جديدة تتزايد كلفة الحماية، بينما تبقى كلفة الإطلاق لدى الحوثيين أقل كثيرا.
باب المندب والردع الذي لا يكتمل من البحر
يعطي باب المندب انطباعا مضللا بأن السيطرة على مساحته الضيقة تكفي لحمايته. في الواقع يبدأ أمن المضيق من مسافة أبعد: من طرق تهريب المكونات، ومواقع التخزين والإطلاق، وشبكات الرصد على الساحل، والقدرة على تأمين الموانئ والجزر. أما السفن التي تظهر في المضيق فهي الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة. ولهذا لا تمنع كثافة الرادارات كل هجوم؛ فالمهاجم يستطيع تغيير الوسيلة والتوقيت والهدف، وإجبار المدافع على البقاء في حالة استنفار مكلفة.
خلال حملات سابقة كان الحوثيون يوسعون قائمة الأهداف لتشمل سفنا مرتبطة بإسرائيل أو الولايات المتحدة أو بريطانيا. في أغسطس 2026 ظهر تركيز أوضح على الصلة السعودية. هذا التضييق يقلل عدد السفن المحتمل استهدافها مقارنة بحملة عامة، لكنه يخلق مشكلة تعريف معقدة. فقد تكون السفينة مملوكة لشركة في دولة، ومدارة من شركة في دولة ثانية، وترفع علم دولة ثالثة، وتحمل شحنة لحساب جهة رابعة. يمكن للجماعة أن توسع مفهوم الارتباط كلما احتاجت إلى أهداف، بينما لا تستطيع شركات الشحن الحصول على ضمان واضح بأن سجلاتها التجارية لن تُفسر سياسيا.
في هذا النوع من الحملات لا يقاس النجاح بعدد السفن الغارقة. قد يفشل المقذوف في إصابة هدفه، لكنه يدفع شركات التأمين إلى رفع الأقساط، ويجبر السفينة على تغيير المسار، ويستنزف صواريخ دفاعية أعلى كلفة. الأثر الاقتصادي يبدأ قبل وقوع الخسارة المادية. وإذا اختارت الشركات طريق رأس الرجاء الصالح، لا تقتصر الزيادة على الوقود؛ تحتاج السوق إلى عدد أكبر من السفن لتقديم السعة نفسها، وتتأخر الحاويات، وتضطرب مواعيد التسليم، وتنتقل الكلفة إلى المستهلكين والموانئ التي فقدت الحركة.
تتحمل مصر جزءا مباشرا من هذه النتيجة عبر قناة السويس، كما تتحمل الدول اليمنية والساحلية كلفة أقل ظهورا. فالبلد الذي يستورد معظم غذائه ووقوده لا يملك رفاهية ارتفاع أجور الشحن. الموانئ التي تعمل بطاقة متراجعة تفقد الإيرادات والوظائف، وتزداد الضغوط على السكان. لذلك لا يصح اختزال النقاش في تجارة عالمية تمر بجوار اليمن؛ اليمنيون أنفسهم داخل سلسلة الضرر، حتى عندما لا تكون السفينة المستهدفة يمنية.
المعضلة السعودية أكثر تعقيدا. الرد الواسع على منصات الحوثيين قد يفتح دورة حرب جديدة ويهدد مسار التهدئة، بينما الاكتفاء بالدفاع يترك للجماعة حق اختيار اللحظة والهدف. وقد أظهرت السنوات الماضية أن الضربات الجوية، مهما بلغت كثافتها، لا تزيل شبكة موزعة من المنصات والمخازن والكوادر. الردع المستدام يحتاج إلى سلطة ساحلية متماسكة وقدرة برية قريبة من مصادر التهديد، وإلى سياسة يمنية لا تفصل الأمن البحري عن توازن القوى على الأرض.
هنا تظهر نتائج تفكيك الجبهات المناهضة للحوثيين وتعدد مراكز القرار. فقد أدت الخلافات داخل المعسكر المقابل للجماعة، والتنافس على القوات والموارد، إلى إضعاف القدرة على بناء جبهة ساحلية موحدة. لا يعوض التمويل الخارجي غياب الهدف السياسي المشترك. وكلما انشغلت القوى المحلية بصراعات النفوذ، حصل الحوثيون على مساحة لتركيز قدراتهم وتحديد توقيت التصعيد. من هذه الزاوية، ليس تهديد باب المندب فشلا بحريا فقط؛ إنه نتيجة سياسية للحرب اليمنية وطريقة إدارتها.
عودة القراصنة من المساحة التي تركتها الأساطيل
بينما جذبت الصواريخ والمسيّرات الاهتمام إلى باب المندب وهرمز، عادت القرصنة الصومالية من الأطراف الأقل مراقبة. في 24 أغسطس قالت المنظمة البحرية الدولية إن ست سفن أصبحت محتجزة وإن أكثر من تسعين بحارا كانوا في الأسر. وقبل ذلك سجلت التحذيرات الأميركية ارتفاعا في عمليات الصعود المسلح والاختطاف منذ مارس. لم يكن الأمر انفجارا مفاجئا؛ كانت المؤشرات تتراكم بينما توزعت الأصول البحرية الدولية على مهام أخرى.
القول إن القراصنة استفادوا من انشغال القوى بهرمز والبحر الأحمر لا يعني أن الأساطيل اختفت. بقيت مهمات دولية وقدرات استطلاع، لكن نوع العمل تغير. اعتراض صاروخ أو حماية ناقلة في مضيق يحتاج إلى جاهزية وانتشار مختلفين عن مطاردة قارب صغير في مساحة واسعة. وعندما تصبح الأولوية للتهديد الأعلى تدميرا، تتراجع الساعات المتاحة للمراقبة البطيئة التي تمنع القرصنة. يدرك القراصنة هذا الفرق؛ وهم لا يحتاجون إلى السيطرة على البحر، بل إلى فجوة زمنية تسمح لهم بالوصول إلى السفينة ثم إلى الساحل.
ساعد استخدام السفن الأم على توسيع المدى. يمكن لقارب صيد مستولى عليه أن يحمل الوقود والمؤن والمسلحين، ثم يطلق زوارق صغيرة في نقطة بعيدة عن الشاطئ. في 20 أغسطس استولى مسلحون على ناقلة شرق المكلا وقادوها نحو ساحل بونتلاند، في عملية أظهرت أن الخطر لم يعد محصورا بمحاذاة الصومال. اتساع المنطقة يضاعف صعوبة البحث، ويجعل الإبلاغ المبكر وحركة السفن التجارية جزءا أساسيا من الاستجابة.
للعودة جذور على اليابسة أيضا. المجتمعات الساحلية تعاني من ضعف الدولة والبطالة والنزاعات على الصيد، لكن تحويل هذه المظالم إلى تفسير كامل للقرصنة يبرئ اقتصادا إجراميا منظما. العملية تحتاج إلى ممولين ومحركات ووقود وسلاح ومخابئ ومفاوضين قادرين على الاتصال بالشركات. الفدية لا تتوقف عند المنفذين الذين يصعدون إلى السفينة؛ تتوزع عبر شبكة تستفيد منها سلطات محلية ووسطاء وأصحاب حماية. لذلك تفشل الاستجابة عندما تركز على القارب وتترك التدفق المالي.
يمثل البحارة الأصل التفاوضي الأهم في هذه السوق. السفينة قابلة للتتبع، والحمولة قد تفقد قيمتها، لكن حياة الطاقم تضع الشركة والدولة تحت ضغط يومي. كثير من البحارة ينتمون إلى دول لا تمتلك نفوذا بحريا كبيرا، فيبقون خارج الاهتمام الإعلامي. ومع طول الاحتجاز تتراجع الإمدادات والرعاية الطبية، ويصعب على العائلات الحصول على معلومات موثوقة. لهذا شددت المنظمة البحرية الدولية على البعد الإنساني، لا على خسائر الشركات وحدها.
أظهرت عمليات التحرير التي شاركت فيها قوات صومالية أو تركية أن التحرك الحاسم ممكن عندما تتوافر المعلومة والإرادة السياسية. لكنها كشفت كذلك عدم المساواة في الحماية: السفينة التي ترتبط بدولة قادرة تحصل على استجابة أسرع من سفينة طاقمها موزع بين دول ضعيفة. الحل لا يمكن أن يعتمد على اهتمام الدولة بالحمولة. المطلوب نظام إنذار وتحرك يطبق على السفن جميعا، ويمنع انتقالها إلى المراسي التي يصعب استعادتها منها.
الصومال بين عمليات التحرير واقتصاد الساحل
لا يمكن تقييم القرصنة من البحر وحده. بونتلاند تمتلك خبرة وقوات شرطة بحرية، لكنها تعمل على ساحل طويل داخل نظام سياسي لا يحتكر القوة بصورة كاملة. للحكومة الفيدرالية مصالحها وعلاقاتها الخارجية، وللسلطات المحلية شبكاتها وترتيباتها، وبينهما مجتمعات قبلية تستطيع تسهيل المطاردة أو إخفاء المهاجمين. نجاح عملية أمنية لا يعني أن البنية التي أنتجت الاختطاف قد تفككت.
تبدأ الوقاية من معلومات تبدو صغيرة: سرقة قارب، شراء وقود بكميات غير معتادة، اختفاء محركات، تحرك مفاوض معروف، أو انقطاع سفينة صيد عن أجهزة التعقب. هذه الإشارات موزعة بين الصيادين والشرطة والموانئ وشركات الاتصالات والقوات الدولية. المشكلة ليست غيابها، بل غياب الآلية التي تجمعها وتحوّلها إلى إنذار قبل أن تصل المجموعة المسلحة إلى الممر التجاري. التكنولوجيا المتقدمة لا تفيد كثيرا إذا بقيت المعلومة المحلية خارج النظام.
هناك أيضا خطر الخلط بين القرصنة والجماعات المتطرفة. ظهرت تقديرات عن تعاون أو تقاسم إيرادات مع تنظيمات مسلحة، لكن هذا النوع من الادعاءات يحتاج إلى أدلة دقيقة. قد تشتري مجموعة قرصنة سلاحا من شبكة يستخدمها متطرفون، وقد تدفع مقابل حماية، من دون أن تتحول إلى جناح بحري لتنظيم عقائدي. المبالغة في الصلة قد تنتج استجابة عسكرية لا تلائم المشكلة، بينما إنكار أي تداخل يسمح بتدفق السلاح والمال بين الأسواق غير القانونية.
الحراسة المسلحة على السفن تقلص فرصة الصعود، لكنها ليست متاحة للجميع ولا تحل ما يحدث بعد الاحتجاز. كما أن مطاردة القراصنة داخل المياه الإقليمية تطرح أسئلة قانونية وسياسية. من يملك الإذن؟ ومن يعتقل المشتبه بهم؟ وأين تجري المحاكمة؟ عانت الحملات السابقة من مشكلة الإفراج عن أشخاص جرى توقيفهم بسبب غياب ملف أدلة أو دولة مستعدة للمحاكمة. إذا عاد هذا الفراغ، فلن تنتج الدوريات ردعا مستقرا مهما زاد عددها.
البديل الأكثر قابلية للاستمرار يجمع بين حماية الممر وملاحقة التمويل وتنمية الاقتصاد الساحلي. لا تعني التنمية دفع أموال عامة بلا رقابة؛ تعني توسيع الصيد القانوني، وحماية الموارد من السفن الأجنبية المخالفة، وبناء موانئ صغيرة خاضعة للسلطة، وربط فرص العمل بالامتناع عن خدمة شبكات الفدية. تحتاج هذه السياسة سنوات، لكنها أقل كلفة من العودة الدورية إلى حشد أساطيل بعد كل موجة اختطاف.
إذا دفعت فدية كبيرة في 2026 فستعمل كإشارة سوق. سيجد ممولون جدد أن العائد يبرر المخاطرة، وستنتقل الخبرة إلى مجموعات أخرى. لذلك توجد نافذة قصيرة لمنع ترسخ الدورة. جوهر المسألة ليس القضاء النهائي على كل جريمة بحرية، بل منعها من التحول إلى صناعة تستطيع تمويل نفسها وحماية سواحلها وشراء الوقت من ضعف الدولة.
هرمز اقتصاد انتظار طويل
في الطرف الشرقي من هذه الخريطة، لم يكن هرمز مغلقا تماما ولا مفتوحا بالمعنى التجاري المعتاد. عبرت سفن تحت ترتيبات خاصة، وبقيت أخرى عالقة أو غير قادرة على الحصول على تغطية مقبولة. لهذا كان وصف شبه الشلل أدق من الإغلاق. المضيق موجود قانونيا، لكن استخدامه صار قرارا سياسيا وأمنيا لكل رحلة. وحين تفقد التجارة انتظامها، يكفي استمرار عدم اليقين لتحقيق أثر يشبه الإغلاق من دون إعلان رسمي.
في 28 أغسطس قالت المنظمة البحرية الدولية إن الأزمة دخلت شهرها السادس، وإن ما لا يقل عن سبعين هجوما موثقا أودى بحياة تسعة عشر بحارا. وأشارت إلى مئات السفن وآلاف العاملين الذين لم يتمكنوا من المغادرة بأمان. خلف هذه الأرقام شبكة من العقود والديون والحمولات المتأخرة. السفينة العالقة لا تستهلك الوقود والمؤن فقط؛ تمنع استخدامها في رحلة أخرى، وتربك جداول الموانئ، وتفتح نزاعات قانونية بين المالك والمستأجر وشركة التأمين وصاحب الشحنة.
الهجمات على سفن مرتبطة بأدنوك في منتصف أغسطس أدخلت المصالح الإماراتية مباشرة في قلب الأزمة. بالنسبة إلى أبوظبي لا يتعلق الأمر بالنفط وحده. مكانة الموانئ والخدمات اللوجستية تعتمد على ثقة المشغلين بأن الوصول منتظم. لذلك يصبح الحفاظ على حرية الملاحة دفاعا عن نموذج اقتصادي واسع، في الوقت نفسه الذي يتطلب فيه الرد تجنب تحويل الموانئ والمنشآت إلى ساحة حرب مفتوحة.
تأثرت السعودية بدورها، لكنها امتلكت بعض الخيارات عبر موانئ البحر الأحمر وخطوط الأنابيب وترتيبات النقل من سفينة إلى أخرى. تخفف هذه البدائل الاختناق ولا تعوض قدرة هرمز. وهي ترفع أهمية الساحل الغربي في اللحظة نفسها التي يتعرض فيها باب المندب للضغط. هنا يظهر الترابط بوضوح: الهروب من أزمة المضيق الشرقي يزيد الاعتماد على الممر الغربي، فيرتفع العائد السياسي لأي هجوم حوثي على سفينة مرتبطة بالسعودية.
قطر والكويت أقل مرونة جغرافيا. صادرات الغاز القطري خصوصا تحتاج إلى مسار بحري مستقر، ولذلك تدفع الدوحة نحو ترتيب يعيد الحركة من دون منح إيران حقا دائما في التمييز بين السفن. أما الكويت فتواجه حساسية مماثلة في الوصول إلى الأسواق. ليست مواقف دول الخليج متطابقة، لكنها تتقاطع عند رفض أن يتحول المرور إلى امتياز تمنحه قوة ساحلية وفق علاقاتها السياسية.
في هذه البيئة أصبحت شركة التأمين حكما غير منتخب. يمكنها أن تغلق المضيق اقتصاديا عبر رفض التغطية أو تسعيرها فوق قدرة المشغل، حتى إذا أعلنت قوة بحرية أن الطريق مفتوح. شركات التأمين لا تنتظر تسوية الروايات العسكرية؛ تقيس تواتر الإصابة وقدرة الإنقاذ واستقرار القواعد. لذلك لا يكفي نشر بيان عن ممر آمن. يجب أن ترى السوق حركة منتظمة وحوادث أقل وآلية تعويض وإنقاذ قابلة للاختبار.
عمان في مركز الوساطة وحدود القدرة
ظهرت مسقط بوصفها القناة التي لا يمكن تجاوزها. تمنحها الجغرافيا اتصالا مباشرا بالمضيق، وتمنحها علاقتها بطهران قدرة على نقل الرسائل، كما تحتفظ بثقة نسبية لدى واشنطن وعواصم الخليج. هذه المزايا صنعت دورها، لكنها لم تحولها إلى ضامن. فالوسيط يستطيع اقتراح صيغة وتوضيح خطوط الأطراف، ولا يستطيع وحده حماية كل سفينة أو فرض ثمن على من يخرق الاتفاق.
تحدثت تقارير أغسطس عن تقدم في تفاهمات إيرانية عُمانية تتصل بإدارة المرور وربما الإيرادات. بقيت التفاصيل موضع تفاوض، وهو فرق يجب الحفاظ عليه. مجرد بحث صيغة لا يعني أنها أصبحت قاعدة نافذة، كما أن توافق طهران ومسقط لا يكفي إذا رفضتها الولايات المتحدة أو الدول التي تعتمد على المضيق. الخطر في المبالغة هو أن تتعامل الأسواق مع توقع سياسي بوصفه ضمانة، ثم تنهار الثقة عند أول حادث.
تربط إيران حرية المرور بسلوك الولايات المتحدة وبترتيبات الأمن الأوسع. يمنحها المضيق أداة ضغط فورية؛ أي تهديد ينتقل إلى أسعار الطاقة. لكنه يفرض عليها كلفة أيضا. الاقتصاد الإيراني يحتاج إلى التجارة، والشركاء الآسيويون لا يرغبون في مسار غير قابل للتنبؤ، والدول الخليجية التي تحافظ على قنوات مع طهران تتضرر من استمرار التعطيل. لذلك لا تملك إيران مصلحة بسيطة في الإغلاق الكامل، بل في التحكم بدرجة الخطر واستخدامها داخل المساومة.
أما واشنطن فتواجه حدود القوة البحرية. تستطيع مرافقة السفن وضرب مصادر تهديد ورفع كلفة الهجوم، لكنها لا تستطيع ضمان المرور الدائم من دون قبول احتمال حرب أوسع. المضيق ضيق، والمنشآت الساحلية قريبة، والرد المتبادل قد يوسع قائمة الأهداف. لهذا تعمل القوة والوساطة معا: الانتشار يعطي التفاوض وزنا، والقناة العمانية تمنح الأطراف طريقا للتراجع من دون إعلان تنازل كامل.
المخرج الواقعي ليس صفقة كبرى تحل كل ملفات إيران والولايات المتحدة. الأرجح ترتيب تدريجي يبدأ بإبعاد البحارة والسفن العالقة عن المساومة، ثم تحديد مسارات وإشعارات عبور، ووقف استهداف قابل للتحقق، وآلية اتصال عند الحوادث. بعد استقرار الحد الأدنى يمكن توسيع الحركة ومناقشة القضايا السياسية. انتظار اتفاق شامل يبقي الممر رهينة لملفات لا تملك شركات الشحن تأثيرا فيها.
اختبار عُمان سيكون في تحويل الثقة إلى إجراء. هل تستطيع الحصول على التزام مكتوب أو مفهوم مشترك للمرور؟ هل توجد جهة تراقب الانتهاك؟ ومن يتدخل إذا وقع هجوم؟ الإجابة عن هذه الأسئلة أهم من عدد الجولات الدبلوماسية. الوساطة التي لا تنتج آلية تحقق قد تخفض التوتر الإعلامي، لكنها لا تعيد الثقة إلى ربان سفينة يحمل طاقما وحمولة بمئات الملايين.
تحالفات السعودية اعتراف بفجوة الردع
بينما كانت الممرات تحت الضغط، تحركت السعودية لبناء ترتيبات دفاعية جديدة. وقع في مكة اتفاق مع تركيا وباكستان، ثم طُرحت مبادرة بحرية أوسع تضم دولا من البحر الأحمر والعالم الإسلامي. في الخطاب الرسمي، تعكس هذه التحركات تضامنا وتعاونا. في القراءة الاستراتيجية، هي أيضا اعتراف بأن المظلات السابقة لم تعد كافية أو مضمونة، وأن الرياض تريد شبكة تقلل اعتمادها على قرار قوة واحدة.
تجلب تركيا صناعة دفاعية متقدمة نسبيا، وخبرة في الطائرات المسيّرة، ووجودا في الصومال، وعلاقات تمتد إلى البحر الأحمر. لكنها ليست متعاقدا ينفذ ما تقرره السعودية. لأنقرة مصالحها في القرن الأفريقي وشرق المتوسط وعلاقاتها مع قوى متنافسة. التعاون ممكن في التدريب والتصنيع والإنذار، أما افتراض مشاركتها التلقائية في كل مواجهة سعودية فيتجاهل استقلال حساباتها.
أما باكستان فترتبط بالسعودية بتاريخ طويل من التعاون العسكري، وتملك خبرة بشرية ومؤسسية كبيرة. لكنها توازن بين احتياجاتها الاقتصادية وعلاقتها بإيران وضغط الرأي العام والمؤسسة السياسية. يمكنها توفير تدريب وقوات ومهارات دفاع جوي، لكن تحويل ذلك إلى التزام بحرب مفتوحة قرار مختلف. صيغة أن الهجوم على دولة يعد هجوما على الجميع قوية سياسيا، غير أن معناها العملياتي يتوقف على الخطط المسبقة والقيادة وقواعد الاشتباك.
المبادرة البحرية ذات الأربع عشرة دولة تمنح الرياض اتساعا جغرافيا وشرعية سياسية. لكنها تجمع دولا لا تتفق بالضرورة على التهديد الأول. بالنسبة إلى بعضها تمثل إيران الخطر المركزي، وبالنسبة إلى أخرى القرصنة أو التهريب أو الإرهاب، وقد ترفض دول الانخراط في مواجهة الحوثيين أو الدخول في صراع بين واشنطن وطهران. التحالف الذي لا يحدد أولويته قد ينتج اجتماعات كثيرة وقدرة محدودة على التحرك.
تظهر هنا أهمية مصر والإمارات والدول الساحلية. مصر تملك قناة السويس وأسطولا ومصلحة مباشرة في استقرار جنوب البحر الأحمر. والإمارات راكمت خبرة في الموانئ وحماية التجارة والشراكات الساحلية. الصومال وجيبوتي واليمن والسودان تملك الجغرافيا التي لا يمكن تعويضها. لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع منظومة؛ تحتاج الدول إلى تبادل بيانات وقواعد قانونية وتوزيع مسؤوليات. أي تنافس سياسي داخل الشبكة سيظهر كفجوة في الرصد والاستجابة.
المقياس الجاد لنجاح التحالف ليس عدد الأعلام في الصورة. ينبغي قياس الزمن بين التحذير والتحرك، وعدد التدريبات، وقدرة الإنقاذ، وتوافق أنظمة الاتصال، وحجم المعلومات التي تصل إلى السفن. كما يجب معرفة من يقود عند الأزمة، ومن يتحمل الخسائر، وهل تستطيع القوة التحرك داخل مياه دولة عضو. هذه تفاصيل تبدو فنية، لكنها تفصل بين تحالف ردع ومنتدى دبلوماسي.
اليمن الحلقة التي لا يمكن تجاوزها
تستطيع السعودية بناء اتفاقات خارج اليمن، لكن باب المندب يبقى مرتبطا بتوازن القوة داخله. منذ سنوات جرى التعامل مع القوات المحلية باعتبارها وحدات يمكن تمويلها أو إعادة توزيعها وفق أولويات الرعاة. أدى ذلك إلى جبهات متعددة الولاءات وغرف عمليات لا تتشارك دائما المعلومات والهدف السياسي. وقد استفاد الحوثيون من هذا التشتت أكثر مما استفادوا من تفوق بحري تقليدي.
القوات الجنوبية وقوات الساحل راكمت خبرة في مكافحة الإرهاب وحماية مناطق وموانئ، لكنها تعرضت لتدخلات سياسية وعسكرية حدت من استقلال قرارها وقدرتها على بناء منظومة مستمرة. حين تصادر المعدات أو يعاد توزيع القوة أو تُنشأ تشكيلات موازية، لا تختفي الخبرة فقط؛ تنقطع سلاسل الاتصال والثقة التي تحتاج إليها العمليات المشتركة. وهذا النوع من التفكيك لا يظهر فورًا في البيانات، لكنه يظهر عند أول هجوم يتطلب استجابة عبر أكثر من قطاع.
لا يعني ذلك أن توحيد القيادة سهل أو أن القوى المحلية بلا تناقضات. توجد مصالح جنوبية ويمنية وإقليمية مختلفة، كما توجد مخاوف من احتكار طرف للساحل أو استخدام الأمن البحري لتوسيع نفوذ سياسي. لكن البديل الحالي أسوأ: تعدد بلا قواعد، وتمويل بلا مساءلة، وقوة عسكرية لا تعرف دائما من يملك قرار تحريكها. يمكن بناء تنسيق وظيفي لحماية الممر من دون حل كل الخلافات السياسية، بشرط الاعتراف بها لا دفنها تحت تسمية عامة.
ينبغي أن يبدأ ذلك بمركز معلومات بحري يضم السلطات الساحلية المعنية ويعمل وفق بروتوكول واضح، مع مسارات اتصال مباشرة بخفر السواحل والموانئ والقوات الدولية. لا يحتاج المركز إلى قيادة كل القوات؛ يكفي أن ينتج صورة مشتركة ويحدد من يستجيب لكل نوع من الحوادث. كما تحتاج فرق الإنقاذ إلى حماية واتصال خاص، بعد أن أثبتت حادثة تِهامة أن المنقذ قد يصبح هدفا.
سياسيا، لا يمكن فصل أمن الممر عن مستقبل الجنوب والحرب اليمنية. تجاهل القوى التي تسيطر فعليا على قطاعات ساحلية، أو التعامل معها كأدوات مؤقتة، ينتج فجوة بين الشرعية الورقية والقدرة الميدانية. تحتاج أي تسوية إلى تحديد مسؤوليات الساحل والجزر والموانئ، وضمان ألا تستخدم ترتيبات الأمن لإعادة فرض هيمنة سياسية تتجاهل مطالب السكان. الاستقرار الذي يقوم على إقصاء الفاعل المحلي يبقى قابلا للانهيار عند تغير الراعي الخارجي.
المشكلة السعودية أن سياستها حاولت في أوقات مختلفة الجمع بين تهدئة الحوثيين والتحكم بالقوى المناهضة لهم وإدارة الخلافات داخل المعسكر نفسه. هذه الأهداف لا تنسجم دائما. كلما أضعفت الرياض قوة محلية تستطيع الضغط على الحوثيين، زاد اعتمادها على التفاهم المباشر معهم أو على الحماية الدولية. ثم تجد نفسها مضطرة إلى بناء تحالفات جديدة عندما لا توفر التهدئة ولا المظلة الخارجية الردع المطلوب. هذه الحلقة هي أحد تفسيرات تحركات أغسطس.
من يحكم الممرات الشركات أم الدول
تكشف الأزمات المتزامنة تحولا في توزيع السلطة. الدول تملك السفن الحربية والقانون، لكن شركات التأمين والشحن تحدد متى يصبح العبور غير قابل للتنفيذ. الموانئ تعيد ترتيب جداولها، ومزودو الوقود يغيرون الأسعار، والبحارة قد يرفضون الرحلة أو يطالبون بتعويضات. لذلك لا تستعيد الحكومة الملاحة بمجرد إعلان السيطرة؛ عليها إقناع شبكة تجارية كاملة بأن الخطر انخفض بالفعل.
هذا يفسر الفارق بين فتح الممر وعودة الحركة الطبيعية. يمكن لسفينة عسكرية أن ترافق ناقلة واحدة، لكنها لا تستطيع مرافقة كل حاوية وكل سفينة بضائع سائبة. السوق يحتاج إلى قاعدة يمكن تكرارها: إشعارات واضحة، تنسيق إنقاذ، معلومات عن الحوادث، وتغطية يمكن شراؤها. حين تغيب القاعدة يتحول العبور إلى استثناء، والاستثناء لا يبني سلسلة إمداد.
تؤثر قرارات الشركات بدورها في السياسة. تحويل السفن عن قناة السويس يضغط على مصر، ونقل صادرات السعودية إلى البحر الأحمر يرفع قيمة باب المندب، وتوقف ناقلات الغاز يضغط على المستهلكين في آسيا وأوروبا. بهذه الطريقة تنتقل الهجمات من المياه الإقليمية إلى موازنات حكومات بعيدة. الفاعل المسلح يعرف أن السوق يضخم أثره، ولذلك يختار أهدافا ذات دلالة تجارية حتى لو لم تكن ذات قيمة عسكرية كبيرة.
لكن الشركات ليست ضحايا بلا مسؤولية. بعض هياكل الملكية معقدة إلى درجة تعيق معرفة المستفيد الحقيقي، وقد تعتمد سفن على أعلام دول لا تملك قدرة على الرقابة أو الإنقاذ. كما يمكن أن تتأخر الشركات في مشاركة المعلومات خوفا من السمعة أو المطالبات. تحسين الأمن يحتاج إلى شفافية أكبر في الملكية والحمولة وسجلات المرور، مع حماية البيانات الحساسة من الاستخدام العسكري أو التجاري المنافس.
أما البحارة فيبقون الطرف الأضعف. هم الذين يقفون على السطح عند وصول المقذوف، ويبقون في الأسر عندما تنتهي الأخبار، ويعيشون شهورا على سفن عالقة. يجب أن تشمل أي ترتيبات للممرات بروتوكولا لإجلاء الأطقم وتزويدها ورعايتها، وألا تُستخدم سلامتهم ورقة تفاوض. هذه ليست إضافة إنسانية إلى السياسة؛ إنها معيار فاعلية النظام نفسه.
إذا كانت الدولة عاجزة عن حماية البحار أو إطلاقه أو ضمان حقه في رفض رحلة شديدة الخطر، فإن حديثها عن حرية الملاحة يبقى ناقصا. حرية السفينة لا تنفصل عن أمن من يعمل عليها. وقد أظهر أغسطس أن الخسارة البشرية هي التي نقلت بعض الحوادث من نشرات التحذير المتخصصة إلى جدول العمل الدولي.
سيناريوهات ما بعد أغسطس
السيناريو الأول هو استمرار الاحتكاك المتقطع. في هذا المسار لا يغلق أي مضيق بالكامل، ولا تتوقف الهجمات نهائيا. يختار الحوثيون أهدافا مرتبطة بالسعودية، وتبقى القرصنة عند مستوى يسمح بالفدية من دون استدعاء حملة دولية ضخمة، ويمر بعض الشحن عبر هرمز بترتيبات انتقائية. هذا هو السيناريو الأكثر قابلية للاستمرار، لكنه يرسخ علاوة خطر دائمة ويمنح الفاعلين المسلحين حقا عمليا في تحديد من يعبر ومتى.
السيناريو الثاني هو احتواء تدريجي. يحتاج إلى اتفاق ملاحي محدود في هرمز، وتراجع موثق للهجمات الحوثية، وتحرك مبكر ضد شبكات الفدية، ورفع قدرة المؤسسات الساحلية. لا يفترض هذا السيناريو تسوية كل النزاعات، بل فصل الحد الأدنى الإنساني والتجاري عنها. نجاحه يقاس بانخفاض الأقساط وعودة المسارات، لا بعدد البيانات. وهو ممكن، لكنه يحتاج إلى تنازلات متزامنة وآلية تحقق تمنع كل طرف من تحميل الآخر مسؤولية أول حادث.
السيناريو الثالث هو الانفجار المتبادل. قد يبدأ بإصابة ناقلة كبيرة أو مقتل عدد مرتفع من البحارة أو ضربة على منشأة طاقة، ثم ينتقل إلى رد عسكري يوسع قائمة الأهداف. في بيئة تضم سفنا وقواعد ومنصات متعددة، يرتفع خطر سوء التعرف وسوء الحساب. الحرب الواسعة قد تعطل هرمز وباب المندب معا، وتضع أسواق الطاقة أمام صدمة لا تستطيع المسارات البديلة امتصاصها بسرعة.
هناك سيناريو رابع أقل وضوحا: تفكك التحالفات الجديدة قبل أن تتحول إلى قدرة. قد توقع الدول اتفاقات ثم تختلف عند تحديد العدو والقيادة والكلفة. إذا وقع هجوم ولم يتحرك الشركاء كما تتوقع الرياض، ستتراجع قيمة الردع أكثر مما لو لم يعلن الاتفاق أصلا. ولذلك يجب عدم رفع سقف الالتزام السياسي فوق القدرة الفعلية على التنفيذ.
المؤشرات التي تستحق المتابعة هي نوعية لا عددية فقط: هل تتسع معايير الحوثيين لاستهداف السفن؟ هل تظهر سفن أم جديدة قبالة الصومال؟ هل توافق شركات التأمين على تخفيض الأقساط؟ هل تنشئ السعودية وتركيا وباكستان قيادة أو خطة مشتركة؟ هل تنتج الوساطة العمانية آلية مرور قابلة للتحقق؟ الإجابات ستكشف الاتجاه قبل أن يظهر في أرقام الحوادث الشهرية.
مهما كان السيناريو، لن يعود الوضع ببساطة إلى ما كان عليه. تعلمت الجماعات المسلحة أن الممرات تضاعف قدرتها السياسية، وتعلمت الدول أن الاعتماد على مظلة واحدة يحمل مخاطر، وتعلمت الشركات أن التحويلات الطويلة قد تصبح جزءا من التخطيط. التحدي هو منع هذه الدروس من تحويل الاستثناء إلى نظام دائم.
خاتمة استعادة البحر تبدأ من اليابسة
أثبت أغسطس 2026 أن الممرات لا تتعطل فقط عندما تغلقها قوة بحرية. قد تبقى المياه مفتوحة بينما تتوقف التجارة الطبيعية بفعل التأمين والخوف وغياب القواعد. وقد تنتشر الأساطيل بينما يجد القراصنة نافذة بين المهام. وقد توقع الدول اتفاقات دفاعية بينما تظل القيادة وقواعد الاشتباك غامضة. الفارق بين الوجود والقدرة هو الذي يفسر كثيرا من تناقضات الشهر.
في باب المندب، لا يمكن فصل الملاحة عن الحرب اليمنية وعن بنية القوى التي تسيطر على الساحل. وفي الصومال لا تنتهي القرصنة عند اعتراض القارب، لأنها تعيش على اقتصاد وتمويل وملاذات. وفي هرمز لا يكفي فتح ممر عسكري إذا لم تقبل شركات التأمين العودة. أما التحالفات السعودية فلن توفر ردعا ما لم تتحول من رمزية سياسية إلى قيادة ومعلومات ومسؤوليات.
تبدأ السياسة الأكثر واقعية بثلاثة مستويات مترابطة. الأول حماية فورية للبحارة والإنقاذ وتبادل المعلومات. الثاني ملاحقة مصادر الهجوم والتمويل على اليابسة ضمن قواعد قانونية واضحة. والثالث معالجة النزاعات السياسية التي تجعل الممر أداة مساومة. إهمال أي مستوى يعيد إنتاج الأزمة: الحماية وحدها تستنزف، والضرب وحده يصعد، والتفاوض من دون قدرة تنفيذ يبقى وعدا.
بالنسبة إلى السعودية، لا تعوض التحالفات الجديدة كلفة تفكيك خصوم الحوثيين أو إضعاف القوى المحلية التي تستطيع حماية الساحل. وبالنسبة إلى المجتمع الدولي، لا توفر الدوريات بديلا عن مؤسسات يمنية وصومالية قادرة. أما عُمان فتستطيع فتح الباب، لكنها تحتاج إلى قبول وضمانات من القوى التي تملك قرار الحرب. هذه حدود الأدوار، والاعتراف بها شرط لبناء ترتيب واقعي.
الخلاصة أن البحر لا يمكن حمايته من البحر وحده. أمنه يبدأ في شكل السلطة على الساحل، وفي قدرة الميناء وخفر السواحل والقضاء، وفي علاقة القوة المحلية بالدولة والراعي الخارجي. عندما تُترك اليابسة منقسمة، يصبح كل مضيق مكانا مثاليا لتحويل ضعف المؤسسات إلى نفوذ. وعندما تبنى قواعد مشتركة ومساءلة محلية، تفقد الهجمات قدرتها على فرض نظام كامل من الخوف والتكلفة.
المصادر والمراجع
- المنظمة البحرية الدولية، «بيان بشأن الهجوم المميت على سفينة في البحر الأحمر»، 12 أغسطس 2026. www.imo.org
- المنظمة البحرية الدولية، «دعوة إلى تحرك عاجل مع عودة القرصنة في خليج عدن»، 24 أغسطس 2026. www.imo.org
- المنظمة البحرية الدولية، «ستة أشهر من عدم اليقين أمام البحارة في مضيق هرمز»، 28 أغسطس 2026، ضمن أرشيف البيانات الصحفية للمنظمة. www.imo.org
- هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية UKMTO، «سجل الحوادث والتحذيرات البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق هرمز»، أغسطس 2026. ويتضمن التحذيرات من الرقم 105-26 إلى 124-26. ukmto.org
- Security Council Report، «إحاطة ومشاورات مجلس الأمن بشأن اليمن»، 12 أغسطس 2026. www.securitycouncilreport.org
- الأمين العام للأمم المتحدة، «هجمات الحوثيين على السفن التجارية وسفن الشحن في البحر الأحمر»، الوثيقة رقم S/2026/667، 10 أغسطس 2026. Security Council
- محمد الغباري وجوناثان سول ونايرا عبدالله وياسمين غنية، «مقتل أربعة من أفراد الطاقم ومنقذين اثنين في هجوم بالبحر الأحمر»، رويترز، 11–12 أغسطس 2026. www.investing.com
- إيناس العشري وستيف هولاند ونفيسة الطاهر، «إيران تقول إن الاتفاق بشأن مضيق هرمز بات قريبًا لكنه لا يكفي لإعادة فتح الممر»، رويترز، 8 أغسطس 2026. fidelity.com
- باريسا حافظي وجانا شوكير، «إيران وعُمان تواصلان العمل على تفاصيل اتفاق مضيق هرمز»، رويترز، 26 أغسطس 2026. Internazionale
- توفان غومروكجو، «تركيا تعرض خطط تنفيذ الاتفاق الدفاعي مع السعودية وباكستان»، رويترز، 13 أغسطس 2026. reuters.com
- تيمور أزهري، «السعودية تراهن على تحالفات دفاعية لمنع الانزلاق إلى الحرب»، رويترز، 12 أغسطس 2026. investing.com
- محمد داود إسماعيل، «هل تظهر موجة جديدة من القرصنة الصومالية في خليج عدن؟»، مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة ACLED، 2026. acleddata.com
- مشروع ACLED، «مكاسب الحوثيين حول باب المندب ترفع المخاطر على الملاحة في البحر الأحمر وأسواق النفط العالمية»، 2026. acleddata.com
- القوة البحرية للاتحاد الأوروبي – عملية أتلانتا، «تحديث بشأن حوادث القرصنة قبالة الساحل الشمالي للصومال»، 16 أكتوبر 2026. يتضمن التحديث تفاصيل حوادث وقعت في أغسطس 2026. eunavfor.eu
- الإدارة البحرية الأميركية MARAD، «القرصنة والسطو المسلح والخطف مقابل الفدية في خليج عدن وبحر العرب والمحيط الهندي»، التحذير البحري رقم 2026-010. www.maritime.dot.gov
- وكالة الأنباء السعودية، «البيان المشترك لقمة مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان»، 9 أغسطس 2026. وينص الاتفاق على اعتبار الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا. my.gov.sa
- وزارة الخارجية المصرية، «مصر تدين استهداف السفينة تِهامة وتهديد الملاحة في البحر الأحمر»، 13 أغسطس 2026. sis.gov.eg