تبحث هذه الورقة في التحديات البيئية والإدارية والعمرانية التي تواجه محمية الحسوة للأراضي الرطبة في مدينة عدن خلال المدة من 2015 إلى 2024، وتوضح كيف تحولت المحمية، بعد تجربة ناجحة في الاستعادة البيئية والإدارة المجتمعية، إلى مساحة تتعرض بصورة متزايدة للنفايات ومخلفات البناء وتسربات الصرف الصحي والتعديات العمرانية وقطع الأشجار والصيد غير المنظم. وتناقش الدراسة أثر هذه الضغوط في التربة والغطاء النباتي والطيور المقيمة والمهاجرة، وفي الوظائف الطبيعية التي تؤديها الأراضي الرطبة، ومنها تنقية المياه واحتجاز الرواسب وتخفيف التلوث الواصل إلى الساحل وتوفير موائل للكائنات الحية.
وتستند الورقة إلى المنهج الوصفي التحليلي، وإلى قراءة تاريخية لتطور الموقع من أرض سبخة مرتبطة بإنتاج الملح إلى محمية معلنة ومشروع مجتمعي حاز جائزة خط الاستواء عام 2014. وتخلص إلى أن تدهور الحسوة لا يعود إلى الحرب وحدها، بل إلى ضعف الإدارة والتمويل والرقابة، وغياب حدود محمية مثبتة ميدانياً، وتعطل منظومة معالجة المياه، وعدم وجود آلية مستقرة للتنسيق بين الجهات المحلية والبيئية والخدمية. وتقترح الدراسة برنامجاً مرحلياً يبدأ بوقف التعديات وإزالة مصادر التلوث، ثم استعادة الأحواض والغطاء النباتي، وينتهي بإدارة تشاركية تمولها السياحة البيئية والبحث العلمي والأنشطة المحلية المستدامة.
الكلمات المفتاحية: محمية الحسوة، عدن، الأراضي الرطبة، التنوع البيولوجي، التلوث، التوسع العمراني، السياحة البيئية.
مقدمة
تعد محمية الحسوة واحدة من أبرز نظم الأراضي الرطبة الساحلية في عدن، وتقع عند الطرف الغربي للمدينة في منطقة يلتقي فيها مسار الوادي الكبير بالمجال الساحلي لخليج عدن. وتمنحها هذه الوضعية الجغرافية قيمة مزدوجة؛ فهي تستقبل مياه السيول الموسمية والرواسب القادمة من حوض دلتا تبن، كما ترتبط بأحواض تجميع ومعالجة المياه العادمة التي أسهمت، في فترات انتظامها، في تكوين بيئة رطبة غنية بالنباتات والطيور والكائنات الصغيرة. وفي مدينة حارة ومحدودة المساحات الخضراء، تؤدي الحسوة وظيفة بيئية وحضرية يصعب تعويضها.
بدأ الاعتراف الرسمي بالموقع في عام 2006، عندما أُعلنت الحسوة محمية طبيعية بموجب قرار حكومي، ثم تأسست جمعية الحسوة البيئية في أبريل 2007، وبدأت المحمية استقبال الزوار ضمن مشروع للسياحة البيئية في السنوات التالية. وتقدر مساحتها بنحو 185 هكتاراً، منها قرابة 30 هكتاراً من الأحواض المائية المرتبطة بمعالجة المياه. وقد نجحت التجربة، في ذروتها، في الجمع بين الاستعادة البيئية والمشاركة المجتمعية وتوفير فرص دخل من الزراعة والرعي والحرف والسياحة. ووفق مبادرة خط الاستواء التابعة للأمم المتحدة، استطاع المجتمع المحلي تحويل مكب سابق للنفايات إلى نظام أراض رطبة يؤدي وظائف بيئية وإنتاجية، ويوفر موقعاً لتكاثر واستراحة أكثر من مئة نوع من الطيور المهاجرة.
حصل المشروع على جائزة خط الاستواء عام 2014، وهي جائزة تكرم المبادرات المحلية التي تربط حماية التنوع البيولوجي بالتنمية المستدامة. غير أن هذا النجاح تعرض بعد عام 2015 لانتكاسة حادة. فقد توقفت مرافق، وتراجعت الصيانة والحراسة، وتعطلت أجزاء من منظومة معالجة المياه، وتوسع رمي المخلفات، وتعرضت منشآت للنهب والتخريب، وانحسر النشاط السياحي والبحثي. وأصبح السؤال الرئيس لا يتعلق بقيمة المحمية، فهي مثبتة بيئياً واجتماعياً، بل بقدرة المؤسسات المعنية على وقف مسار التدهور وإعادة بناء نموذج الإدارة الذي منح الحسوة مكانتها.
مشكلة البحث
تتمثل مشكلة البحث في تعرض محمية الحسوة لضغوط متداخلة تهدد بنيتها ووظائفها الطبيعية. فالنفايات المنزلية والبلاستيكية ومخلفات البناء تتراكم في أجزاء من الموقع، وتسربات الصرف الصحي تصل إلى الأحواض والتربة والساحل من دون معالجة منتظمة، بينما تقلص التعديات العمرانية وشق الطرق المساحات المفتوحة والموائل الطبيعية. ويضاف إلى ذلك الصيد الجائر وقطع الأشجار والرعي غير المنظم والحرائق، وهي عوامل تؤدي مجتمعة إلى تجزئة الموائل وإضعاف قدرتها على التجدد.
تكمن خطورة هذه المشكلة في أن الحسوة ليست حديقة حضرية يمكن تعويض أشجارها بالزراعة التجميلية، بل نظام بيئي مترابط يعتمد على توازن المياه والتربة والغطاء النباتي والكائنات الدقيقة والطيور. أي خلل في نوعية المياه أو مستوى تدفقها ينعكس على النباتات والحشرات والأسماك الصغيرة، ثم ينتقل أثره إلى الطيور التي تعتمد على الموقع للغذاء والراحة. كما أن تراكم المخلفات الصلبة يغير تصريف المياه ويؤدي إلى انسداد المسارات، وقد يخلق بؤراً لتكاثر الحشرات والكلاب الضالة وينقل ملوثات إلى البحر والمياه الجوفية.
وتفترض الدراسة أن الحرب فاقمت التدهور، لكنها ليست التفسير الوحيد. فقد كشفت سنوات ما بعد 2015 ضعف البناء المؤسسي للمحمية واعتمادها الكبير على مبادرات ومشروعات محدودة الأجل. وعندما تراجع التمويل وتعطلت الأجهزة الخدمية، لم تكن هناك ميزانية تشغيل دائمة، أو قوة ضبط بيئي، أو نظام واضح للمساءلة. لذلك فإن استعادة الحسوة لا يمكن أن تقتصر على حملة نظافة مؤقتة، بل تتطلب معالجة أسباب التدهور في الإدارة والتشريع والتمويل واستخدام الأرض.
أسئلة البحث
- ما أبرز التحولات التي طرأت على محمية الحسوة خلال المدة من 2015 إلى 2024؟
- كيف أثرت النفايات والصرف الصحي والتوسع العمراني في التربة والغطاء النباتي والطيور؟
- ما أوجه القصور في إدارة المحمية وتطبيق التشريعات البيئية؟
- ما التدخلات الواقعية القادرة على استعادة وظائف المحمية وضمان استدامتها؟
أهداف البحث
- تحليل الضغوط البشرية والطبيعية المؤثرة في اتزان النظام البيئي داخل المحمية.
- تحديد القيمة العلمية للمحمية بوصفها موقعاً لدراسة الطيور والأراضي الرطبة والتغيرات الساحلية.
- تقييم إمكانات السياحة البيئية ودورها في تمويل الحماية وتوفير فرص عمل للسكان المحليين.
- تعزيز الوعي بأهمية الأراضي الرطبة، وتوضيح مسؤولية المجتمع والمؤسسات في حمايتها.
- اقتراح إطار عملي لصيانة التراث الطبيعي واستثمار موارده المتجددة من دون استنزافها.
أهمية البحث
تنبع أهمية البحث من ندرة الأراضي الرطبة داخل المدن اليمنية، ومن وقوع الحسوة داخل نطاق حضري يتعرض لضغط سكاني وعمراني متزايد. وتؤدي هذه الأراضي دوراً في تخزين المياه مؤقتاً، واحتجاز الرواسب، وترشيح جزء من الملوثات، وتلطيف المناخ المحلي، وتثبيت التربة، وتوفير الغذاء والمأوى للطيور والكائنات الأخرى. وتشير دراسات إقليمية حديثة إلى أن الأراضي الرطبة الساحلية في شبه الجزيرة العربية تمثل محطات حيوية على مسار هجرة الطيور الإفريقي الأوراسي، وأن تدهورها يقطع شبكة مترابطة تتجاوز حدود الدولة الواحدة.
وتتجاوز أهمية الحسوة بعدها الطبيعي إلى البعد الاجتماعي. فقد وفرت في مراحل نشاطها متنفساً لسكان عدن، وموقعاً للزيارات المدرسية والجامعية، وفرصاً للعاملين في الزراعة والرعي والحرف وإدارة الموارد. وتفيد بيانات صحفية رسمية بأن عدد زوارها بين 2008 و2011 تجاوز 135 ألف زائر. ولذلك فإن تدهورها يعني فقدان مساحة تعليمية وترفيهية واقتصادية، فضلاً عن الخسارة البيئية المباشرة.
حدود البحث ومنهجه
الحدود المكانية
يمتد النطاق المكاني للدراسة من المنصورة شمالاً إلى خليج عدن جنوباً، ومن جولة كالتكس شرقاً إلى منطقة محطة الحسوة الكهروحرارية غرباً، عند نهاية مصب الوادي الكبير، ضمن النطاق الإداري لمديرية البريقة. وتبلغ المساحة المتداولة للمحمية نحو 185 هكتاراً، أي قرابة 1.85 كيلومتر مربع. ويجب تثبيت هذه الحدود بإحداثيات ومسح مساحي حديث، لأن اختلاف الأرقام الواردة في بعض التغطيات الصحفية يكشف الحاجة إلى مرجع خرائطي رسمي موحد.
الحدود الزمنية
تغطي الدراسة المدة من 2015 إلى 2024، وهي مرحلة شهدت توقف النشاط السياحي وتراجع الصيانة والرقابة واتساع التعديات. ويستفاد من تاريخ المحمية قبل 2015 بوصفه خط أساس يساعد على مقارنة حالة النجاح السابقة بمظاهر التدهور اللاحقة.
منهج البحث
تعتمد الورقة المنهج الوصفي التحليلي في قراءة مظاهر التدهور وعلاقاتها السببية، والمنهج التاريخي في تتبع تغير استعمالات الأرض وتطور الحماية الرسمية والإدارة المجتمعية، ومنهج دراسة الحالة في تحليل الحسوة بوصفها نموذجاً لمحمية حضرية تتأثر بالنزاع وضعف الخدمات. وتستند إلى بيانات منشورة للهيئة العامة لحماية البيئة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة خط الاستواء، وإلى تقارير صحفية ومشاهدات موثقة عن النفايات والصرف والتعديات. ولا تغني هذه المادة عن مسح ميداني حديث لقياس جودة المياه والتربة وإجراء تعداد موسمي للطيور والنباتات.
الإطار التاريخي للمحمية
كانت منطقة الحسوة جزءاً من نطاق سبخي ارتبط تاريخياً بإنتاج الملح واستغلال البيئات الساحلية المنخفضة. وترد في بعض الكتابات المحلية رواية تفيد بشراء الأمير سيف الدين سنقر الأتابكي أرضاً في هذا النطاق خلال القرن السادس الهجري، ثم انتقالها لاحقاً ضمن ممتلكات سلطنة لحج. وهذه الرواية تستحق فحصاً أرشيفياً مستقلاً، لكنها تعكس قدم الصلة بين السكان والموارد الطبيعية في المنطقة، ولا سيما الملح والرعي والنخيل والمياه الموسمية.
في العصر الحديث تغيرت وظيفة الموقع مع توسع عدن وقيام شبكات الصرف ومحطات المعالجة. وأسهم توجيه المياه المعالجة إلى أحواض الحسوة في تكوين بيئة رطبة اصطناعية جزئياً، سرعان ما اكتسبت خصائص طبيعية مهمة. فقد نمت النباتات حول الأحواض، وازدادت الحشرات والكائنات المائية الصغيرة، وجذبت المنطقة أعداداً من الطيور المقيمة والمهاجرة. وهكذا نشأت قيمة المحمية من التفاعل بين الموقع الطبيعي والتدخل البشري المنظم، وهو ما يعني أن استمرارها يحتاج إلى إدارة المياه، لا إلى ترك الموقع من دون تدخل.
أُعلنت الحسوة محمية في أغسطس 2006 بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 354 وفق ما نشرته الهيئة العامة لحماية البيئة في عدن، ثم أُشهرت جمعية الحسوة البيئية في أبريل 2007. وتولت الجمعية، بالتعاون مع الجهات الحكومية وبرامج دولية، أعمال الحراسة والتوعية وتنظيم الزيارات والأنشطة الحرفية ومراقبة الموارد. وقد أصبحت التجربة مثالاً على الإدارة المجتمعية للأراضي الرطبة، قبل أن تتراجع بعد الحرب وتفقد مصادر دخلها وأدواتها التشغيلية.
الخصائص الطبيعية والجغرافية
الموقع وشبكة المياه
تقع المحمية في نهاية مسار الوادي الكبير الذي يحمل مياه السيول الموسمية والرواسب من دلتا تبن باتجاه ساحل عدن. ويؤدي انبساط السطح وانخفاضه إلى انتشار المياه في مساحات واسعة وتكوين تدرج من البيئات الرطبة وشبه الرطبة والسبخية والجافة. وتؤثر حركة المد ومياه البحر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في الملوحة ونوعية التربة قرب الساحل، بينما تعتمد الأجزاء الداخلية على السيول والمياه المعالجة والتسربات.
هذا النظام المائي حساس للغاية. فإذا انخفض تدفق المياه المعالجة جفت بعض الموائل وفقدت النباتات والطيور مصادرها، وإذا تدفقت مياه الصرف الخام أو زادت الملوثات العضوية اختل الأكسجين وارتفعت الروائح وانتشرت مسببات الأمراض. ومن ثم فإن إدارة المحمية مرتبطة عضوياً بإدارة محطات الصرف في عدن، ولا يمكن فصل حماية الحسوة عن إصلاح شبكة المعالجة والمراقبة الدورية لجودة المياه.
التربة
تتدرج تربة الحسوة من رواسب رملية قرب المناطق الساحلية ومجاري المياه إلى تربة طميية وطينية في المنخفضات التي تترسب فيها المواد الدقيقة. وتظهر في بعض المواضع خصائص ملحية نتيجة التبخر المرتفع والتأثر بالسبخة والبحر. ويتيح هذا التنوع قيام جماعات نباتية مختلفة، لكنه يجعل التربة عرضة أيضاً لتراكم الملوثات والمعادن والزيوت والمواد البلاستيكية الدقيقة.
تؤدي مخلفات البناء إلى ضغط سطح التربة وتغيير نفاذيتها، وقد تسد المجاري الصغيرة التي توزع المياه. أما النفايات العضوية فترفع الحمل الميكروبي وتستقطب الحشرات والحيوانات الضالة. وعندما تحرق النفايات في الموقع تنتقل ملوثات إلى الهواء وتتراكم بقايا الاحتراق في التربة. لذلك ينبغي أن تتضمن أي خطة استعادة تحليلاً مخبرياً لعينات التربة والمياه، مع تحديد البؤر الأعلى تلوثاً قبل البدء في الزراعة أو فتح الموقع للزوار.
النبات الطبيعي
تضم المحمية نباتات ساحلية وصحراوية قادرة على تحمل الملوحة والجفاف، ويشار في البيانات المحلية إلى وجود نحو 23 نوعاً نباتياً تنتمي إلى تسع عائلات. ومن أبرزها نخيل الدوم أو البهش، المعروف محلياً بالطاري، ونبات السويداء أو العصل، إلى جانب أعشاب وشجيرات تنمو حول الأحواض والمجاري. ويؤدي الغطاء النباتي دوراً في تثبيت التربة واحتجاز الرواسب وتوفير الظل والغذاء وأماكن التعشيش والاختباء.
تعرض هذا الغطاء منذ 2015 لقطع وجفاف وحرائق وتراجع في الري المنتظم. كما أدى شق الطرق والحركة العشوائية للمركبات والرعي غير المنظم إلى تدمير البادرات ومنع التجدد الطبيعي. ولا تكفي إعادة التشجير بأنواع سريعة النمو؛ إذ يجب اعتماد الأنواع المحلية الملائمة للملوحة، وتحديد مناطق حماية صارمة، وتنظيم الرعي، ومنع إدخال أنواع دخيلة قد تزاحم الغطاء الطبيعي أو تستهلك المياه بكميات كبيرة.
التنوع الحيواني والطيور
تؤوي الحسوة ثدييات صغيرة وزواحف وحشرات وكائنات مائية، وتذكر الروايات المحلية الأرانب والثعالب والسحالي ضمن الأنواع التي شوهدت في المنطقة. غير أن الطيور تظل المؤشر الأكثر وضوحاً لقيمة المحمية. فهي تقع ضمن نطاق تتقاطع فيه مسارات الطيور القادمة من آسيا وأوروبا إلى شرق إفريقيا، وتوفر الأحواض والمسطحات الطينية والنباتات مواقع للغذاء والراحة خلال الرحلات الموسمية.
تختلف الأرقام المنشورة باختلاف سنوات الرصد ومنهجيته. فبعض السجلات المحلية تشير إلى 171 نوعاً شوهدت عبر مواسم متعددة، بينما وثقت منشورات أخرى 39 نوعاً في مسوحات محددة، وتذكر مبادرة خط الاستواء أن الموقع وفر موئلاً لأكثر من مئة نوع من الطيور المهاجرة. ولا يعد هذا التباين تناقضاً بالضرورة، لأن العدد التراكمي للأنواع عبر سنوات يختلف عن عدد الأنواع المرصودة في موسم أو مسح واحد. لكنه يؤكد الحاجة إلى برنامج علمي ثابت للرصد الموسمي.
من الطيور التي ارتبط ذكرها بالمحمية النحام الكبير أو الصغير بحسب الموسم، والنورس أبيض العينين، وأبو منجل، والبلشونات، فضلاً عن طيور الشواطئ والخرشنة والبط. وتتأثر هذه الأنواع بإزعاج الزوار والصيد والكلاب الضالة وتراجع الغذاء وتلوث المياه. والطيور المهاجرة أكثر حساسية لفقدان محطات التوقف، لأنها تصل بعد رحلات طويلة وتحتاج إلى الغذاء والهدوء لاستكمال مسارها. لذلك تمثل حماية الحسوة مساهمة عدنية في شبكة دولية من الموائل، وليست شأناً محلياً محدوداً.
التحديات البيئية خلال الفترة من 2015 إلى 2024
النفايات ومخلفات البناء
تحولت أجزاء من المحمية إلى نقاط مفتوحة لرمي القمامة ومخلفات البناء والأخشاب والبلاستيك. ويعود ذلك إلى سهولة وصول المركبات، وغياب الحراسة، وقرب الموقع من الأحياء والأنشطة العمرانية، وضعف منظومة جمع النفايات في المدينة. وتتراكم المخلفات على حواف الأحواض وتحت الأشجار وفي المسارات، فتشوه المشهد وتعيق حركة المياه وتعرض الحيوانات للابتلاع أو الاختناق أو الإصابة.
وتكمن المشكلة في استمرار التدفق بعد حملات التنظيف. فإزالة المخلفات من دون إغلاق المداخل غير النظامية ومراقبة الناقلين وتوفير بديل قانوني لمخلفات البناء تعيد إنتاج الأزمة خلال أسابيع. ويتطلب الحل سجلاً للمركبات العاملة في نقل الأنقاض، وغرامات قابلة للتنفيذ، ونقاط تفتيش أو كاميرات في المداخل، وتنسيقاً مع صندوق النظافة والسلطات الأمنية والبلدية.
الصرف الصحي وتدهور الأحواض
كانت المياه المعالجة عاملاً في نجاح التجربة، لكن تعطل الصيانة منذ 2015 حوّل العنصر نفسه إلى مصدر خطر. وتشير إفادات مسؤولي المحميات وتقارير محلية إلى أن أحواض المعالجة والمنظومة التابعة لها لم تتلق الصيانة الكافية، وأن مياه صرف تسربت إلى المحمية والساحل. وعندما تختلط المياه غير المعالجة بالبحر أو تتجمع في أحواض راكدة، تتدهور جودة المياه وترتفع الروائح وتتكاثر الحشرات وقد تتأثر المواشي وصحة السكان القريبين.
لهذا ينبغي الفصل بين استخدام المياه المعالجة، وهو خيار بيئي مفيد عند استيفاء المعايير، وبين استقبال الصرف الخام. ويجب تركيب نقاط قياس عند المدخل والأحواض والمخرج الساحلي، وفحص المؤشرات البكتيرية والكيميائية بصورة شهرية، ونشر النتائج بشفافية. كما يلزم وضع بروتوكول يوقف ضخ المياه إلى أجزاء المحمية عند تجاوز الحدود الآمنة، ويحولها إلى مسار معالجة بديل حتى استعادة الجودة.
التوسع العمراني والتعديات
تتعرض الأراضي الواقعة حول الحسوة لضغط عمراني متزايد بسبب توسع المدينة وارتفاع قيمة الأرض والحاجة إلى الطرق والخدمات. وفي غياب علامات حدودية واضحة، يسهل التدرج من استخدام مؤقت إلى استيلاء دائم. كما أن الطريق الذي يقتطع جزءاً من المحمية لا يفقدها المساحة فقط، بل يقسم الموائل ويزيد الضوضاء والغبار وحركة المركبات ويتيح مداخل جديدة لرمي النفايات.
تحتاج الحماية إلى تثبيت الحدود القانونية بالإحداثيات، وإدراجها في المخطط الحضري لعدن، ومنع إصدار أي تراخيص متعارضة معها. وينبغي إنشاء منطقة عازلة تتدرج فيها الاستخدامات من حماية مشددة إلى نشاط زراعي وسياحي منظم، حتى لا تلتصق المنشآت العمرانية مباشرة بقلب الأراضي الرطبة.
الصيد والقطع والحرائق
يزيد غياب الحراسة فرص صيد الطيور والحيوانات وقطع الأشجار وجمع الحطب. كما تعرضت أجزاء من المحمية لحرائق أضرت بأشجارها وغطائها النباتي. سواء كانت الحرائق متعمدة أو ناتجة عن حرق النفايات، فإن آثارها تمتد إلى الأعشاش والكائنات الدقيقة وبذور النباتات. ويقتضي الرد تجهيز نقاط مراقبة ومعدات إطفاء أولية، وتدريب فريق محلي على الاستجابة السريعة، مع تحقيقات جدية في الحوادث بدلاً من التعامل معها بوصفها أضراراً عابرة.
التغير المناخي
يرفع تغير المناخ درجات الحرارة ومعدلات التبخر، ويزيد عدم انتظام الأمطار والسيول وارتفاع مخاطر العواصف الساحلية. وفي محمية تعتمد على توازن دقيق بين المياه العذبة وشبه المالحة، يمكن لهذه التغيرات أن ترفع الملوحة أو تجفف الأحواض أو تغمر أجزاء منخفضة بمياه البحر. ويزيد التدهور البشري حساسية النظام لهذه الصدمات؛ فالمحمية التي تحتفظ بغطائها النباتي ومسارات مياهها تتكيف أفضل من أرض مجزأة ومضغوطة ومليئة بالنفايات.
الآثار الاجتماعية والاقتصادية
أدى تراجع المحمية إلى فقدان متنفس عام في مدينة تندر فيها الحدائق والمساحات الخضراء. كما تضررت فرص العمل المرتبطة بالزيارة والإرشاد والحرف وبيع المنتجات المحلية والزراعة والرعي المنظم. وقد كان نموذج الحسوة السابق يبرهن أن الحماية يمكن أن تنتج دخلاً، وأن المجتمع المحلي يستطيع أن يصبح حارساً للمورد عندما يرى منفعة واضحة من بقائه.
أما استمرار التلوث فيحمل كلفة صحية وخدمية غير مباشرة. فالروائح والحشرات والمياه الراكدة تؤثر في الأحياء المجاورة، وقد تنتقل الملوثات إلى الساحل ومناطق الصيد. كما تخسر الجامعات والمدارس موقعاً ميدانياً يمكن استخدامه في تدريس الجغرافيا والبيئة والأحياء. ومن ثم فإن الإنفاق على استعادة الحسوة ليس بنداً تجميلياً، بل استثمار في الصحة والتعليم والسياحة والقدرة الحضرية على التكيف.
تقييم الإدارة والحماية القانونية
تكشف حالة الحسوة عن تعدد الجهات من دون وحدة قرار. فالهيئة العامة لحماية البيئة معنية بالحماية، والسلطة المحلية مسؤولة عن الأرض والخدمات، ومؤسسات المياه والصرف تتحكم في نوعية التدفقات، وصندوق النظافة يتعامل مع المخلفات، والأجهزة الأمنية تضبط التعديات، بينما تملك الجمعية المحلية الخبرة اليومية. وعندما لا توجد إدارة مشتركة بصلاحيات وميزانية، تتحول المسؤولية إلى حلقات إحالة متبادلة.
كما أن القوانين البيئية العامة لا تكفي إذا غابت اللائحة الخاصة بالمحمية، والحدود المعلنة، وقائمة الأنشطة المسموح بها والمحظورة، وآلية العقوبة. وتحتاج الحسوة إلى مجلس إدارة مصغر برئاسة محلية وعضوية الجهات الفنية والجمعية والجامعة، مع تقرير ربع سنوي علني عن المياه والنفايات والتعديات والطيور والإنفاق. وتوفر هذه الصيغة مساءلة أوضح من الحملات المنفصلة.
برنامج الاستعادة المقترح
المرحلة العاجلة خلال ستة أشهر
- تثبيت حدود المحمية ميدانياً ووضع لوحات قانونية وإغلاق المداخل المستخدمة لرمي المخلفات.
- تنفيذ حصر مصور ومحدد بالإحداثيات للنفايات والتعديات والطرق والحرائق ومصادر الصرف.
- إزالة المخلفات الخطرة ومخلفات البناء وفق خطة تمنع نقل التلوث إلى موقع آخر غير مؤهل.
- وقف ضخ الصرف غير المعالج، وإصلاح الأعطال الأكثر تأثيراً في الأحواض والمخرج الساحلي.
- تشكيل دورية حماية مشتركة، وتركيب كاميرات في النقاط الحرجة وربطها بغرفة عمليات محددة المسؤولية.
مرحلة التأهيل من ستة أشهر إلى سنتين
- تنظيف مجاري المياه وإعادة تشكيل الأحواض من دون الإضرار بالمناطق التي ما زالت تحتفظ بقيمة بيئية.
- إجراء مسح للتربة والمياه، ثم معالجة البؤر الملوثة قبل إعادة الزراعة أو استقبال الزوار.
- إكثار الأنواع النباتية المحلية، وحماية مناطق التجدد الطبيعي، وتنظيم الرعي وفق قدرة الموقع.
- إطلاق برنامج رصد موسمي للطيور بالتعاون مع جامعة عدن وتدريب طلاب وباحثين محليين.
- إعادة تأهيل مركز الزوار والممرات ونقاط المشاهدة على نحو محدود يحمي مناطق التعشيش.
مرحلة الاستدامة
- اعتماد رسم زيارة رمزي يعود مباشرة إلى تشغيل المحمية والحراسة والصيانة.
- تطوير برنامج للزيارات المدرسية والجامعية والإرشاد البيئي والحرف المرتبطة بنخيل الدوم.
- إنشاء قاعدة بيانات مفتوحة عن المياه والنبات والطيور والتعديات، وتحديثها دورياً.
- تأسيس صندوق محلي للمحمية يجمع الموارد الحكومية والمنح وعائدات الزيارة ضمن رقابة مالية واضحة.
- ربط الحسوة بخطة أشمل للأراضي الرطبة في عدن تشمل المملاح ومواقع الطيور والساحل.
الخاتمة
تكشف تجربة الحسوة مسارين متعارضين في إدارة البيئة. ففي المسار الأول استطاع مجتمع محلي، بدعم حكومي ودولي، تحويل موقع متدهور إلى أرض رطبة منتجة ومقصد تعليمي وسياحي حاز اعترافاً دولياً. وفي المسار الثاني أدت الحرب وتعطل الخدمات وضعف الرقابة وتشتت المسؤوليات إلى تراجع سريع، فعادت النفايات والصرف والتعديات إلى تهديد الموقع. وهذه المفارقة تؤكد أن الاستعادة البيئية ممكنة، لكنها قابلة للانتكاس إذا لم تتحول إلى مؤسسة دائمة.
إنقاذ المحمية يبدأ بوقف مصادر الضرر قبل التفكير في إعادة افتتاحها للزوار. فلا معنى لزراعة أشجار جديدة مع استمرار الصرف الخام، ولا جدوى من حملة نظافة إذا بقيت شاحنات الأنقاض تدخل من دون عقوبة. كما أن نجاح الحماية يتوقف على إشراك سكان الحسوة ومنحهم دوراً اقتصادياً ورقابياً، لأن الإدارة البعيدة لا تستطيع متابعة موقع مفتوح داخل مدينة واسعة.
وتملك عدن فرصة لاستعادة أحد أهم أصولها الطبيعية عبر برنامج واقعي ومتدرج يجمع إصلاح البنية التحتية بالبحث العلمي والحماية القانونية والتمويل المحلي. فإذا استعادت الحسوة وظائفها، ستعود موئلاً للطيور، ومختبراً طبيعياً للجامعات، ومساحة عامة للسكان، وحاجزاً يخفف انتقال الملوثات إلى الساحل. أما استمرار الإهمال فسيحول خسارة قابلة للعلاج إلى تدهور يصعب عكسه وتزداد كلفته عاماً بعد آخر.
التوصيات
- إصدار قرار محلي تنفيذي يثبت حدود المحمية وإحداثياتها، ويوقف أي توسع عمراني أو شق طرق داخلها.
- إعداد لائحة خاصة بالحسوة تحدد الأنشطة المسموح بها والعقوبات على الرمي والصيد والقطع والحرق والاستيلاء.
- تخصيص بند سنوي ثابت في موازنة السلطة المحلية للحراسة والصيانة والرصد البيئي.
- إصلاح منظومة معالجة الصرف، ومنع دخول المياه غير المطابقة، وإنشاء مختبر أو تعاقد دوري لفحص العينات.
- تركيب كاميرات تعمل على مدار الساعة عند المداخل والنقاط الحرجة، مع حفظ البيانات وتحديد جهة الاستجابة.
- إنشاء مجلس إدارة مشترك يضم البيئة والسلطة المحلية والمياه والنظافة والأمن وجامعة عدن والجمعية البيئية.
- إجراء مسح شامل للتنوع الحيوي كل عام، وتوحيد أرقام الأنواع وفق منهج رصد معلن وقابل للمراجعة.
- تنظيم الرعي والزراعة والحرف داخل المنطقة العازلة بعقود واضحة تمنع الاستنزاف وتضمن منفعة السكان.
- إعادة السياحة البيئية تدريجياً بعد استيفاء شروط السلامة والنظافة، وتوجيه عائداتها إلى المحمية.
- إطلاق برنامج توعية مستمر في المدارس والأحياء المجاورة، وعدم الاكتفاء بفعاليات موسمية قصيرة.
- طلب دعم فني من برامج الأراضي الرطبة والتنوع البيولوجي، مع بقاء القرار والإدارة والمساءلة محلية.
- نشر تقرير سنوي عن حالة المحمية يتضمن صوراً جوية ومؤشرات للمياه والنبات والطيور والتعديات والإنفاق.
المراجع والهوامش
1. الهيئة العامة لحماية البيئة، بيانات المحميات الطبيعية في اليمن، 2012.
2. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، المحميات الطبيعية في اليمن، 26 يونيو 2013: https://www.undp.org/yemen/publications/protected-areas-yemen
3. مبادرة خط الاستواء، محمية الحسوة للأراضي الرطبة، ملف جائزة خط الاستواء 2014: https://www.equatorinitiative.org/2017/05/26/al-heswa-wetland-protected-area/
4. جمال باوزير وعبدالله حمود أبو الفتوح، الدراسة الأولية للوضع الراهن للمنطقة الساحلية لمحافظة عدن، الهيئة الإقليمية للمحافظة على بيئة البحر الأحمر وخليج عدن، عدن، 2001.
5. نور أحمد هيثم، المشكلات البيئية في مدينة عدن، رسالة دكتوراه غير منشورة، القاهرة، 2006.
6. صحيفة 14 أكتوبر، محميات الحسوة الطبيعية أول محمية سياحية بيئية في اليمن، 2007: https://14october.com/News/7SWPDFPA-C00II8
7. الجزيرة، محمية الحسوة في عدن من حديقة خلابة إلى مكب للنفايات، 13 مايو 2022: https://www.aljazeera.net/amp/misc/2022/5/13/
8. سويس إنفو، محمية الحسوة في عدن من قصة نجاح إلى مكب للنفايات، مارس 2022: https://www.swissinfo.ch/ara/47440132
9. صحيفة الأيام، تلوث محمية الحسوة ينذر بكارثة بيئية خطرة، 2022: https://www.alayyam.info/news/9262AZL0-JIFWGP-217E
10. مؤسسة اليوم الثامن، جهود حكومية لحماية محمية الحسوة بحاجة إلى إجراءات صارمة، 2024: https://alyoum8.net/posts/94923
11. BirdLife International، الأراضي الرطبة الساحلية في شبه الجزيرة العربية، 30 يوليو 2025: https://www.birdlife.org/news/2025/07/30/the-arabian-peninsulas-coastal-wetlands-vital-for-nature-essential-for-life/
12. جريدة الأمناء، العدد 1587، 17 ديسمبر 2023.