تبحث هذه الورقة في النتائج الاستراتيجية للسياسة السعودية في جنوب اليمن خلال الفترة الممتدة من الحرب التي اندلعت أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى معركة المخا وباب المندب في سبتمبر/أيلول 2026. وتنطلق من فرضية أن الرياض لم تتمكن من تفكيك مشروع استقلال الجنوب، لكنها نجحت في إضعاف التحالف العسكري والسياسي الذي كان يشكل الجبهة الأكثر فاعلية في مواجهة الحوثيين وتنظيم القاعدة وشبكات النفوذ الإيراني.
فقد وظفت السعودية تفوقها الجوي ونفوذها داخل حكومة مجلس القيادة الرئاسي لإقصاء المجلس الانتقالي الجنوبي، وإنهاء ما تبقى من الدور الإماراتي المتخصص في مكافحة الإرهاب، وإحلال تشكيلات يمنية محلية موالية لها محل قوات جنوبية راكمت خبرة في حماية عدن وحضرموت وشبوة وأبين والساحل الغربي. وقد حققت الرياض بذلك انتصاراً تكتيكياً سريعاً في يناير/كانون الثاني، لكنها لم تبنِ بديلاً عسكرياً وسياسياً قادراً على الاحتفاظ بالأرض أو مواجهة الحوثيين.
أظهرت معركة المخا وباب المندب في سبتمبر/أيلول النتيجة النهائية لهذه السياسة. فقد حقق الحوثيون أهم اختراق جغرافي لهم منذ سنوات، ووسعوا قدرتهم على التأثير في الملاحة الدولية، بينما أصبحت إيران وأذرعها قادرة على ممارسة الضغط عند مضيقي هرمز وباب المندب في وقت واحد، على الرغم من الضربات العسكرية التي تلقتها طهران على يد الولايات المتحدة وإسرائيل.
وتخلص الورقة إلى أن المكاسب الإيرانية لم تكن نتيجة تفوق إيراني مطلق، بقدر ما كانت ثمرة إخفاق سعودي في إدارة التحالف المناهض لطهران. لقد اعتقدت الرياض أن إقصاء الإمارات وإضعاف الجنوب سيمنحانها الهيمنة المنفردة على اليمن والممرات البحرية، لكنهما أزالا القوة المحلية التي كانت تمنع الحوثيين من التمدد. وتوصي الورقة بانسحاب السعودية من الجنوب، ووقف تدخلها السياسي والإعلامي، وفتح تحقيق مستقل في الحرب التي شنتها ضد القوى الجنوبية، والالتزام بالتعويض وجبر الضرر، والانتقال إلى تسوية إقليمية تنهي مشروعي الهيمنة الإيراني والسعودي معاً.
الكلمات المفتاحية: السعودية، جنوب اليمن، باب المندب، المخا، إيران، الحوثيون، الإمارات، تنظيم القاعدة، البحر الأحمر، خليج عدن.
مقدمة
في العاشر من سبتمبر/أيلول 2026، لم تكن خسارة المخا وما أعقبها من تمدد حوثي نحو باب المندب تطوراً عسكرياً محلياً يمكن عزله عن التحولات التي شهدها جنوب اليمن قبل تسعة أشهر. كانت النتيجة المتأخرة لقرار سعودي أعاد ترتيب أولويات الحرب: إضعاف القوى الجنوبية تقدم على مواجهة الحوثيين، وفرض الهيمنة على المناطق المحررة أصبح أكثر إلحاحاً من حماية الجبهة المناهضة لإيران.
في يناير/كانون الثاني، بدت السعودية منتصرة. ساعد طيرانها القوى الموالية لها على استعادة حضرموت والمهرة، ثم انهارت السيطرة الإدارية والعسكرية للمجلس الانتقالي الجنوبي في عدن ومناطق أخرى. أُقصيت قياداته من مؤسسات السلطة، وأُعلن من الرياض حل المجلس في خطوة رفضتها قيادات وقواعد جنوبية واسعة، بينما غادرت الإمارات ما تبقى من فرقها المتخصصة في مكافحة الإرهاب.
قدمت الرياض هذه النتيجة باعتبارها استعادة لمؤسسات الدولة ومنعاً لتهديد حدودها. لكن الدولة التي قيل إنها استعادت الجنوب لم تظهر عندما تحرك الحوثيون نحو الساحل الغربي. والقوات التي حشدت لإضعاف الانتقالي لم تمنع سقوط المخا، ولم تحمِ جزيرة ميون والمواقع القريبة من الممر البحري، ولم تحافظ على التوازن الذي أقامته قوى جنوبية ومحلية على امتداد الساحل.
لم تنجح السعودية في تفكيك مشروع استقلال الجنوب. هذا المشروع بقي حاضراً في الشارع وفي شبكات التنظيم السياسي والاجتماعي، وظهرت قدرته على التعبئة بعد أيام من إعلان حل المجلس الانتقالي. ما فككته الرياض هو بنية التحالف الذي جمع، على الرغم من اختلاف أهداف أطرافه، قوى جنوبية وساحلية وإماراتية في مواجهة الحوثيين والقاعدة والمشروع الإيراني.
هذه هي المفارقة التي تنطلق منها الورقة: حققت السعودية هدفاً داخلياً محدوداً، يتمثل في إقصاء خصوم هيمنتها داخل المعسكر المناهض للحوثيين، لكنها دفعت ثمناً إقليمياً يفوق قيمة ذلك الهدف. وبعد أقل من عام، أصبحت إيران في موقع أفضل، والسعودية أكثر انكشافاً، وباب المندب أقل أمناً، والجنوب أكثر تفككاً.
السؤال لم يعد من انتصر في صراع يناير، بل من استفاد منه. والجواب الذي تقود إليه الوقائع هو أن إيران والحوثيين وشبكات التنظيمات المتطرفة كانوا المستفيدين الأكبر.
انتصار يناير: القوة التي هزمت شريكها
بدأ التحول الحاسم مع تقدم القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة خلال ديسمبر/كانون الأول 2025. رأت السعودية في التحرك تجاوزاً لخطوطها الحمراء وتهديداً لمنظومة النفوذ التي بنتها في المحافظات الشرقية، ولا سيما عبر قوات درع الوطن وحلفاء قبليين وتشكيلات مرتبطة بحزب الإصلاح.
في 30 ديسمبر/كانون الأول، شن التحالف الذي تقوده السعودية غارة على ميناء المكلا، وقال إن الهدف شحنة أسلحة مرتبطة بالإمارات كانت في طريقها إلى المجلس الانتقالي. نفت أبوظبي أن تكون الشحنة أسلحة، وأكدت أنها تخص وحداتها العاملة في اليمن. وفي اليوم نفسه، أيدت الرياض طلباً أصدره رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بخروج القوات الإماراتية خلال 24 ساعة.
أعلنت الإمارات بعد ذلك إنهاء مهمة العناصر المتبقية من فرق مكافحة الإرهاب. وكانت أبوظبي قد أنهت وجودها العسكري الرئيسي عام 2019، ولم يبقَ لها سوى عناصر متخصصة تعمل بالتنسيق مع شركاء دوليين في مواجهة التنظيمات الإرهابية. وبذلك لم يؤدِّ التصعيد السعودي إلى إخراج جيش إماراتي من اليمن، بل إلى إنهاء المهمة الأخيرة المرتبطة بمكافحة الإرهاب.
بين 2 و4 يناير/كانون الثاني 2026، استعادت القوات المدعومة سعودياً حضرموت والمهرة بمساندة جوية سعودية، ثم انهارت مواقع الانتقالي في عدن في 7 يناير. وتصف بيانات مشروع رصد مواقع وأحداث النزاع المسلح «ACLED» التطورات بأنها مواجهات بين شبكة من الأطراف المدعومة سعودياً والقوات المرتبطة بالمجلس الانتقالي، وتؤكد أن الطيران السعودي كان عاملاً حاسماً في قلب موازين السيطرة.
لم تتوقف العملية عند إعادة انتشار عسكري. أُقيل عيدروس الزبيدي من مجلس القيادة الرئاسي، وأُحيل إلى المحاكمة بتهمة الخيانة العظمى، وأُبعد مسؤولون محسوبون على المجلس من مواقعهم، قبل أن يعلن وفد موجود في الرياض حل المجلس في 9 يناير/كانون الثاني.
على الورق، كانت السعودية قد أعادت تشكيل الجنوب خلال أيام. غير أن سرعة الانهيار العسكري لم تعنِ انهيار المشروع السياسي. فقد رفضت قيادات جنوبية الإعلان الصادر من الرياض، واستمرت مكاتب المجلس في العمل، وخرجت في عدن في 10 يناير مظاهرة واسعة رفضت الضغوط الخارجية وتمسكت بالقضية الجنوبية. وخلص تقييم «ACLED» إلى أن المجلس ضعف لكنه لم يُهزم، وأن التأييد الشعبي للقضية الجنوبية ظل متجذراً، ولا سيما في عدن والضالع ومناطق جنوبية أخرى.
هنا يظهر أول إخفاق في الحساب السعودي. فقد تعاملت الرياض مع مؤسسة سياسية وعسكرية بوصفها قابلة للإلغاء بقرار يصدر من الخارج، وتجاهلت أن مشروع الاستقلال أقدم من المجلس الانتقالي نفسه، وأن جذوره تمتد إلى حرب 1994 والحراك السلمي الذي انطلق عام 2007 وتجارب طويلة من الصراع على الهوية والسلطة والثروة.
استطاعت السعودية تفكيك هيكل سياسي مؤقتاً، لكنها لم تفكك القضية التي أنتجته. واستطاعت إسقاط مواقع عسكرية، لكنها لم تقدم حلاً للجنوب أو مشروعاً سياسياً يحظى بقبول سكانه. ولهذا بقي الانتصار السعودي تكتيكياً: سيطرة على مؤسسات وأرض، من دون قدرة على إنتاج شرعية مستقرة أو إغلاق السؤال الجنوبي.
ما الذي فككته السعودية فعلياً؟
إذا لم تكن السعودية قد أنهت مشروع استقلال الجنوب، فما الذي حققته حربها؟
النتيجة الأوضح أنها فككت المعسكر المناهض للمشروع الإيراني في اليمن. قبل يناير/كانون الثاني 2026، كان هذا المعسكر منقسماً سياسياً، لكنه احتفظ بتوزيع وظيفي للقوة: قوات جنوبية تؤمّن عدن وأبين وشبوة وأجزاء من حضرموت؛ قوات العمالقة تشكل قوة هجومية ذات خبرة في مواجهة الحوثيين؛ المقاومة الوطنية تنتشر على الساحل الغربي؛ والدور الإماراتي يوفر التدريب والدعم والتنسيق في مكافحة الإرهاب وتأمين السواحل.
لم يكن هذا التحالف مثالياً، ولم تكن مكوناته متفقة على مستقبل اليمن. المجلس الانتقالي تمسك باستقلال الجنوب، بينما تبنت المقاومة الوطنية موقفاً مؤيداً للوحدة، وارتبطت حكومة مجلس القيادة بمصالح وقوى متنافسة. لكن الخلاف السياسي لم يمنع وجود مصلحة مشتركة: وقف التوسع الحوثي والإيراني ومنع القاعدة من استعادة معاقلها.
المقاربة السعودية غيرت ترتيب الخصوم. تحولت القوى الجنوبية من شريك في المعركة ضد الحوثيين إلى هدف عسكري وسياسي، بينما أصبحت التشكيلات الموالية للرياض أداة لإعادة ضبط الجنوب. وبدلاً من توظيف النفوذ السعودي لجمع الأطراف حول جبهة مشتركة، استخدمته الرياض لإعادة إنتاج سلطة مركزية ضعيفة تعتمد عليها في البقاء.
هذا التحول لم يلغِ الانقسامات؛ لقد عمقها. القوات الجديدة حملت ولاءات مختلفة، وبعضها أُنشئ ليكون ثقلاً موازناً للقوى المدعومة إماراتياً، لا ليكون قوة متخصصة في مواجهة الحوثيين. وتؤكد بيانات «ACLED» أن قوات درع الوطن تأسست بتمويل سعودي لتكون قوة موالية للرياض وموازنة للتشكيلات المرتبطة بالإمارات. كما ضم المعسكر المدعوم سعودياً حزب الإصلاح وجماعات قبلية وقوى محلية متباينة المصالح.
هذه ليست مسألة ولاء سياسي فقط، بل مشكلة في وظيفة القوة. الجيش الذي يُبنى لموازنة شريك داخل التحالف يختلف عن الجيش الذي يُبنى لمواجهة خصم منظم يمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة وخبرة حرب طويلة. وعندما جاءت معركة الساحل، ظهر الفارق بين التشكيلات المصممة لإدارة النفوذ والتشكيلات القادرة على القتال في جبهة استراتيجية.
استراتيجية الرياض تعاملت مع السيطرة على الجنوب باعتبارها بديلاً عن الشراكة معه. واعتقد صانع القرار السعودي أن إخضاع المجال السياسي والعسكري الجنوبي سيمنحه قيادة منفردة للمعسكر المناهض للحوثيين. لكن القيادة لا تتكون بإقصاء الشركاء، ولا يمكن نقل خبرة الوحدات العسكرية وإرادتها القتالية إلى تشكيلات جديدة بقرار إداري.
كانت النتيجة أن السعودية ورثت المسؤولية كاملة من دون أن ترث القدرة التي امتلكها التحالف السابق.
إقصاء الإمارات وإزالة العمق العملياتي
مثلت الإمارات الطرف الأكثر التزاماً ببناء القوات المحلية التي واجهت الحوثيين والقاعدة في جنوب اليمن والساحل الغربي. وأسهمت القوات التي دربتها ودعمتها أبوظبي في تحرير عدن والمكلا ومناطق من شبوة وأبين، وفي حماية الساحل والجزر الاستراتيجية.
بدأت الإمارات انسحابها العسكري المنظم عام 2019، لكنها أبقت عدداً محدوداً من المختصين في مكافحة الإرهاب. لذلك فإن تصوير أزمة ديسمبر/كانون الأول 2025 بوصفها إنهاء لاحتلال إماراتي واسع لا يطابق الوقائع التي أوردتها حتى وكالة رويترز، والتي أكدت أن المهمة المتبقية كانت محدودة ومتخصصة في مكافحة الإرهاب.
تمثلت الخسارة الحقيقية في إنهاء شبكة التنسيق والخبرة التي ارتبطت بهذه المهمة، وفي إرسال رسالة سياسية إلى القوات التي تلقت تدريباً ودعماً إماراتياً بأنها أصبحت موضع شك أو استهداف داخل المعسكر الذي ساهمت في حمايته.
منحت هذه السياسة الحوثيين ما عجزوا عن تحقيقه عسكرياً لسنوات: إخراج طرف إقليمي يمتلك خبرة متراكمة في اليمن، وإضعاف القوى المحلية التي قاتلتهم على الأرض، وتعميق الخلاف بين الرياض وأبوظبي.
لم تكن إيران بحاجة إلى هزيمة الإمارات أو القوات الجنوبية في معركة مباشرة. تكفلت السعودية بإنهاء الشراكة، ثم حملت وحدها عبء مواجهة النتيجة.
هذا لا يعني أن السياسات الإماراتية كانت خالية من الأخطاء، أو أن جميع التشكيلات المحلية عملت بانسجام. لكنه يعني أن تقييم التحالفات ينبغي أن يستند إلى الوظيفة والنتائج. وفي مواجهة الحوثيين والقاعدة، أثبتت القوات الجنوبية المدعومة من الإمارات فاعلية لا يمكن إنكارها. أما البديل السعودي فلم يخضع لاختبار جدي إلا عندما وصل الحوثيون إلى المخا.
من أغسطس إلى سبتمبر: الإنذار الذي لم تقرأه الرياض
بدأت المؤشرات تتجمع قبل سقوط المخا. ففي يوليو/تموز 2026، أعلن الحوثيون حظراً على السفن المرتبطة بالسعودية، في وقت كانت فيه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تضغط على الملاحة في مضيق هرمز. وفي أغسطس/آب، انتقل الحوثيون إلى مستوى أعلى من التصعيد، فهاجموا أهدافاً سعودية وسفناً في البحر الأحمر وباب المندب.
في 11 أغسطس، أدى هجوم على سفينة قرب جزيرة ميون إلى سقوط قتلى من طاقمها ومن فرق الإنقاذ. وأظهر الهجوم قدرة الحوثيين على فرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري، بينما تراجعت حركة السفن عبر البحر الأحمر وباب المندب بصورة حادة.
كانت الرسالة واضحة: الحوثيون لم يعودوا يتعاملون مع البحر الأحمر بوصفه ساحة تضامن دعائي أو منصة لهجمات متفرقة، بل بوصفه جبهة يمكن استخدامها لخنق السعودية اقتصادياً وربطها بالحرب الدائرة حول إيران.
لم تتعامل الرياض مع الإنذار بما يناسب خطورته. راهنت على أن القوات اليمنية المحلية الموالية لها ستحتوي التصعيد، وأن الولايات المتحدة قد تتدخل إذا أصبحت الملاحة الدولية مهددة. كما سعت إلى بناء مظلات دفاعية واتفاقات مع تركيا وباكستان، لكنها لم تعالج نقطة الضعف الأساسية: الجبهة اليمنية نفسها.
دخل سبتمبر/أيلول والمعسكر المناهض للحوثيين يعاني آثار تفكيك يناير. القيادة موزعة، والثقة بين القوى المحلية والسعودية ضعيفة، والدور الإماراتي غائب، والمشروع الجنوبي في مواجهة مفتوحة مع الرياض، فيما احتفظ الحوثيون بوحدة القيادة والمبادرة والقدرة على اختيار زمان المعركة ومكانها.
تحرك الحوثيون بسرعة على الساحل الغربي، واستولوا على المخا وذباب وجزر استراتيجية قرب باب المندب. ووصف المعهد الملكي للخدمات المتحدة العملية بأنها مكاسب خاطفة عبرت خطوطاً إقليمية، وأكد أن الانقسام داخل المعسكر المضاد للحوثيين ظل مشكلة مستمرة ومدمرة رغم الأموال التي استثمرت في القوات المدعومة سعودياً.
أما «تشاتام هاوس» فاعتبر سقوط المخا أهم تحول في السيطرة الجغرافية داخل اليمن منذ سنوات، ورأى أن الموقع الجديد للحوثيين منحهم قدرة أكبر على التأثير في الملاحة عبر باب المندب.
لم يكن سقوط المخا مفاجأة استخبارية كاملة. الحشد الحوثي سبق الهجوم، والتصعيد البحري بدأ قبل أسابيع، والتنظيم امتلك وقتاً كافياً لإعداد قواته. المفاجأة الحقيقية كانت هشاشة الجبهة التي أعادت السعودية تشكيلها، وعجزها عن تحويل السيطرة السياسية على الجنوب إلى قوة عسكرية قابلة للاستخدام ضد الحوثيين.
معركة كشفت علو كعب المشروع الإيراني
جاء التقدم الحوثي بعد أشهر من الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي أصابت إيران في منشآتها وقدراتها العسكرية والنووية والبحرية. وقدمت واشنطن وتل أبيب الحرب بوصفها مساراً لتقليص قدرة طهران على تهديد المنطقة ودعم أذرعها.
تعرضت إيران لخسائر فعلية. استُهدفت منشآت وقادة ومخازن وقدرات دفاعية، وأظهرت الطائرات الأمريكية والإسرائيلية تفوقاً جوياً. لكن حجم الضرر النهائي ظل موضع خلاف. ووفق تقديرات استعرضها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، احتفظت إيران بنسبة مهمة من مخزونها الصاروخي، بينما كان الضرر أكبر في قدراتها من الطائرات المسيّرة، وظل تقييم الأضرار التي أصابت برنامجها النووي غير محسوم.
المشكلة في القراءة الأمريكية الإسرائيلية أنها قاست القوة الإيرانية بحجم ما دُمر داخل إيران، لا بقدرة شبكة الحلفاء والوكلاء على إنتاج نفوذ خارج الحدود. فإيران لم تبنِ مشروعها الإقليمي على القوات النظامية وحدها، بل على توزيع القوة بين جماعات قادرة على العمل باستقلال عملياتي نسبي، مع احتفاظها بروابط سياسية وتسليحية وعقائدية مع طهران.
في اليمن، انتظر الحوثيون اللحظة المناسبة. لم ينخرطوا بكل ثقلهم في المراحل الأولى من الحرب على إيران، واحتفظوا بقدراتهم باعتبارها ورقة يمكن استخدامها عندما تصبح السعودية والولايات المتحدة تحت ضغط متزامن. وفي سبتمبر، أثبتوا أن الضربات التي أصابت المركز الإيراني لم تمنع أحد أهم أذرعه من تحقيق مكسب استراتيجي.
تصف تحليلات غربية هذا الوضع بوضوح. فقد أشار مركز صوفان إلى أن الحوثيين احتفظوا بأنفسهم في المراحل الأولى من الحرب بوصفهم ورقة مؤجلة، قبل أن يحققوا تفوقاً حول باب المندب ويجبروا الرياض على البحث عن مساعدة عسكرية.
وخلص «تشاتام هاوس» إلى أن إيران وحلفاءها أصبحوا قادرين على ممارسة الضغط عند اثنين من أهم المضائق في العالم: هرمز وباب المندب. لم تحقق طهران ذلك لأنها خرجت من الحرب بلا خسائر، بل لأنها حافظت على شبكة إقليمية وجدت أمامها جبهة سعودية مفككة في اليمن.
هنا يظهر علو كعب إيران في إدارة الصراع غير المباشر. الولايات المتحدة وإسرائيل ضربتا إيران داخل حدودها، لكن طهران وسعت مساحة الضغط خارج تلك الحدود. والسعودية، التي كانت تسعى إلى تقليص النفوذ الإيراني، أضعفت بنفسها الشركاء المحليين القادرين على منع الحوثيين من الوصول إلى الممر البحري.
باب المندب: المكسب الذي وضع الهيمنة السعودية على كف عفريت
اعتقدت السعودية أن إقصاء الإمارات وإضعاف المشروع الجنوبي سيمنحانها موقع القوة الوحيدة في المناطق المحررة. كانت الحسابات تقوم على أن الرياض تمتلك المال والغطاء الدولي والقدرة الجوية والشرعية المعترف بها، وأن هذه الأدوات تكفي لإدارة الجنوب والساحل من خلال حكومة تابعة وتشكيلات محلية موالية.
لكن الهيمنة ليست القدرة على تعيين المسؤولين أو حل المؤسسات أو إسقاط المدن بالقوة الجوية. الهيمنة الاستراتيجية تعني القدرة على حماية المصالح والأرض والممرات البحرية ومنع الخصم من تغيير موازين القوى.
في هذا الاختبار فشلت السعودية. فبعد أشهر من إقصاء منافسيها داخل المعسكر نفسه، أصبحت منشآتها النفطية وموانئها وسفنها تحت ضغط مزدوج. هددت إيران الملاحة في هرمز، بينما فرض الحوثيون قيوداً على السفن السعودية في باب المندب، وارتفعت تكلفة التأمين على الناقلات المرتبطة بالمملكة، وتعطلت أجزاء من منظومة نقل النفط نحو ساحل البحر الأحمر.
كانت السعودية قد بنت خط الشرق–الغرب لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز، ونقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ينبع. لكن سيطرة الحوثيين على مواقع قريبة من باب المندب والهجمات على البنية النفطية أظهرت أن الطريق البديل نفسه أصبح معرضاً للضغط. وأصبحت الرياض محاصرة بين نفوذ إيران في الخليج وقدرة الحوثيين على تهديد البحر الأحمر.
أشارت دراسة للمعهد الملكي للخدمات المتحدة إلى أن الهجمات على خط الشرق–الغرب والتقدم الحوثي حول باب المندب أظهرا قدرة الحرس الثوري وأذرعه على الضغط على المملكة من اتجاهات متعددة.
وهكذا وضعت إيران استراتيجية الهيمنة السعودية على كف عفريت. فالمملكة التي أرادت إدارة اليمن من دون شراكة إماراتية أو قوة جنوبية مستقلة وجدت نفسها تبحث عن دعم فرنسي وباكستاني وتركي وأمريكي لحماية منشآتها وممراتها. والرياض التي اعتقدت أنها أزالت منافسيها اكتشفت أنها أزالت خطوط دفاعها.
من استفاد من تفكيك الجنوب؟
استفاد الحوثيون أولاً. فقد أُبعدت القوى الجنوبية عن القرار، وتعرضت وحداتها للتفكيك أو إعادة الانتشار، وانتهى التنسيق السابق مع الإمارات، بينما انشغلت السعودية بإعادة تشكيل السلطة في عدن وحضرموت.
واستفاد تنظيم القاعدة ثانياً. فمنذ عام 2022، قادت القوات الجنوبية عمليات ضد التنظيم في أبين وشبوة، واستمرت الحملات حتى سبتمبر/أيلول 2025. وبعد تراجع هذه القوات مطلع 2026، تحدثت تقارير عن استيلاء عناصر القاعدة على أسلحة من مواقع أُخليت، وتوسعها في مناطق من حضرموت.
حذرت «ACLED» في يناير/كانون الثاني من أن انسحاب وحدات مكافحة الإرهاب المدعومة إماراتياً يفتح فرصاً أمام القاعدة لاستعادة مواقع خسرتها في أبين وشبوة، وإعادة ضبط أهدافها وعملياتها. وهذا التحذير صدر قبل أشهر من انهيار جبهة الساحل، ما يثبت أن مخاطر السياسة السعودية لم تكن خفية أو مستحيلة التوقع.
كما استفادت شبكات التهريب التي تعمل بين اليمن والقرن الإفريقي. فضعف الرقابة على السواحل وتشتت أجهزة الأمن منح المهربين والجماعات المسلحة مجالاً أوسع لنقل الأسلحة والمكونات والمقاتلين.
وتكشف دراسة صادرة عن مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت عن شبكة مصالح متداخلة تجمع الحوثيين والقاعدة وحركة الشباب والمهربين في اليمن والصومال. ووفق الدراسة، أسهم التعاون البراغماتي بين الحوثيين والقاعدة في فتح قنوات مع حركة الشباب، بينما أصبحت تجارة السلاح والطائرات المسيّرة والمواد مزدوجة الاستخدام مصدراً للتمويل والنفوذ.
لا يعني ذلك وجود تحالف عقائدي متماسك بين جماعات تنتمي إلى مذاهب ومشروعات مختلفة. العلاقة انتهازية تحكمها المصالح المشتركة والعداء لبعض الخصوم والحاجة إلى المال والسلاح والممرات. وهذه الطبيعة تجعلها أكثر مرونة، لأنها لا تحتاج إلى اتفاق سياسي شامل كي تعمل.
تشير الدراسة نفسها إلى أن الحوثيين والقاعدة تبادلوا سجناء ومعلومات عن خصوم مشتركين، وأن هناك مؤشرات على نقل أسلحة وطائرات مسيّرة منخفضة الكلفة. كما ساهمت العلاقة مع القاعدة في ربط الحوثيين بشبكات حركة الشباب والتهريب في القرن الإفريقي.
وبذلك لا يقتصر أثر تفكيك المنظومة الجنوبية على فتح ثغرة داخلية. إنه يضعف أحد جانبي خليج عدن في وقت تنمو فيه على الجانب الآخر شبكات القرصنة وحركة الشباب وتجارة السلاح. وهذا يحول البحر من حاجز بين أزمتين إلى ممر يصل بينهما.
القاعدة والحوثيون: المستفيدون من خصم واحد
تقدم التجربة اليمنية مثالاً على أن التنظيمات المتعارضة عقائدياً تستطيع الاستفادة من انهيار الخصم المشترك. فالحوثيون والقاعدة خاضوا معارك دامية في البيضاء ومأرب ومناطق أخرى، لكنهما وجدا مصلحة في إضعاف القوات الجنوبية التي لاحقت القاعدة ومنعت الحوثيين من السيطرة على الجنوب.
لم تكن السعودية بحاجة إلى التحالف مع أي من التنظيمين كي تخدمهما النتيجة. يكفي أن تضعف الطرف الذي يحاربهما، وتستبدله بقوة أقل خبرة، وتدفع المجتمع المحلي إلى رفض السلطة الجديدة، حتى تتوسع المساحة المتاحة للجماعات المسلحة.
هذه هي النقطة التي يجب أن يقوم عليها النقد المهني للسياسة السعودية. القضية ليست مؤامرة سعودية لتسليم باب المندب لإيران أو إعادة القاعدة. لا تتوافر أدلة على قرار سعودي من هذا النوع، كما أن التنظيمين يمثلان تهديداً مباشراً للمملكة. القضية أن الرياض اتبعت سياسة هيمنة أنتجت نتيجة تخدم خصومها.
الفشل هنا أكثر خطورة من التواطؤ المفترض؛ لأنه يكشف عجزاً في فهم البيئة المحلية. لقد اعتقدت السعودية أن الولاء لها يعوض الخبرة والشرعية المحلية، وأن التفوق الجوي يستطيع حل المشكلات السياسية، وأن القضية الجنوبية يمكن احتواؤها بمؤتمر ترعاه الرياض، وأن الحوثيين سيظلون مقيدين بالتفاوض.
انهارت هذه الافتراضات تباعاً. بقيت القضية الجنوبية، وتحركت القاعدة، وتقدم الحوثيون، وأصبحت السعودية تطلب حماية خارجية.
الحجة السعودية وما لا تفسره
تقول الحجة السعودية إن تحرك المجلس الانتقالي نحو حضرموت والمهرة اقترب من حدود المملكة وهدد أمنها، وإن الرياض تدخلت لمنع تغيير أحادي في خريطة السيطرة. وتؤكد أن القوات التي دعمتها تعمل تحت مظلة الحكومة المعترف بها دولياً، وأن هدفها توحيد المؤسسات العسكرية واستعادة سلطة الدولة.
هذه الحجة تفسر الدافع السعودي المعلن، لكنها لا تبرر حجم الحرب ولا نتائجها. حماية الحدود لا تستوجب تفكيك القوة التي تحمي الساحل من الحوثيين، ولا تفرض إخراج فرق مكافحة الإرهاب، ولا تقتضي إلغاء التمثيل السياسي الجنوبي من الخارج، ولا تبرر استبدال الشراكة بالوصاية.
لو كان الهدف محصوراً في أمن الحدود، كان يمكن التوصل إلى ترتيبات انتشار وضمانات ومراقبة مشتركة. لكن ما حدث تجاوز الحدود إلى إعادة تشكيل السلطة في عدن وحضرموت وشبوة، وإقصاء قيادات جنوبية، وفرض بنية عسكرية وسياسية موالية للرياض.
ثم جاءت النتيجة لتقوض الحجة نفسها. فالسياسة التي قيل إنها تحمي الأمن السعودي انتهت بوصول الحوثيين إلى باب المندب، واستهداف منشآت المملكة، وارتفاع أخطار الملاحة والطيران والنفط. إذا كان معيار نجاح السياسة هو أمن السعودية، فإنها أخفقت وفق معيارها المعلن.
كما أن التشبث بوحدة اليمن لم ينتج دولة موحدة. الحوثيون عززوا سلطتهم في الشمال والساحل، وحكومة المنفى بقيت عاجزة عن العودة إلى صنعاء، والجنوب ازداد رفضاً للتدخل السعودي. الوحدة التي تفرض بالقوة على الجنوب، بينما تترك صنعاء للحوثيين، لا تعيد بناء الدولة؛ إنها تحفظ إطاراً قانونياً فارغاً تستخدمه الرياض لإدارة نفوذها.
إخفاق سعودي لا انتصار إيراني مطلق
ينبغي عدم المبالغة في تصوير إيران بوصفها قوة لا تُهزم. طهران تعرضت لضربات مؤلمة، واقتصادها يواجه ضغوطاً، وبنيتها العسكرية فقدت قدرات، كما أن توسع الحوثيين قد يستدعي رداً إقليمياً ودولياً يفرض عليهم كلفة مرتفعة.
لكن الاعتراف بحدود القوة الإيرانية لا يلغي حقيقة أن إيران حققت مكسباً استراتيجياً على حساب السعودية. فالقوة تُقاس أيضاً بالقدرة على تحويل أخطاء الخصم إلى نفوذ. وقد نجحت طهران في الاحتفاظ بذراع حوثية متماسكة، بينما بددت الرياض تماسك المعسكر المقابل.
معركة المخا لا تثبت أن إيران أقوى من الولايات المتحدة وإسرائيل عسكرياً. إنها تثبت أن الضربات الجوية ضد الدولة الراعية لا تكفي إذا بقيت شبكاتها الإقليمية فاعلة، وإذا عمل خصومها على تفكيك القوى المحلية القادرة على مواجهتها.
وتثبت أيضاً أن السعودية لا تستطيع أن تكون بديلاً عن إيران في إدارة المنطقة. فالمشكلة ليست هوية الدولة التي تفرض نفوذها، بل منطق الهيمنة نفسه. إيران تستخدم الجماعات المسلحة والتهريب والعقيدة لتوسيع مجالها، والسعودية تستخدم الشرعية المعترف بها والتمويل والتدخل العسكري لإخضاع القرار المحلي. تختلف الأدوات، لكن النتيجة في الحالتين هي إضعاف المجتمعات وتحويل أراضيها إلى ساحات نفوذ.
أمن المنطقة لا يتحقق بانتقال اليمن والجنوب من المجال الإيراني إلى المجال السعودي. يتحقق عندما تتوقف الدولتان عن التعامل معهما بوصفهما أوراقاً في صراع أكبر.
الجنوب الذي لم يُهزم
أخطأت السعودية حين ساوت بين انهيار مواقع المجلس الانتقالي وانتهاء مشروع استقلال الجنوب. فالمشروعات الوطنية لا تُقاس بعدد المباني التي تسيطر عليها أو المناصب التي تحتفظ بها، بل بقدرتها على البقاء داخل المجتمع وإعادة إنتاج التنظيم والقيادة.
أظهرت الاحتجاجات الجنوبية بعد أحداث يناير أن هناك فجوة بين السيطرة العسكرية والقبول السياسي. واستمرار المطالبة بالاستقلال يعني أن الرياض لم تحل المشكلة، بل نقلتها من المؤسسات إلى الشارع، ومن ترتيبات الشراكة إلى حالة رفض مفتوحة.
كما أن تجربة الأشهر التالية أظهرت أن إقصاء الجنوب أضعف الأمن الإقليمي. فالقوات الجنوبية لم تكن عبئاً على المعسكر المناهض لإيران، بل كانت أحد مكوناته الأساسية. ومن دون شراكة تحترم أهدافها وخصوصيتها، يصعب بناء جبهة مستقرة في مواجهة الحوثيين.
لا يقتضي ذلك قبول جميع مطالب المجلس الانتقالي أو منحه احتكاراً للتمثيل الجنوبي. لكنه يقتضي الاعتراف بأن القضية الجنوبية لا يمكن حلها في الرياض، ولا يجوز أن يكون مستقبل الجنوب نتيجة قرار سعودي أو تسوية ثنائية بين المملكة والحوثيين.
مشروع السلام القابل للحياة يجب أن يمنح الجنوبيين حق تقرير مستقبلهم، ويتيح لجميع مكونات الجنوب المشاركة في صياغة عقد سياسي جديد، بعيداً عن الإكراه العسكري والوصاية الخارجية.
من الهيمنة إلى السلام الإقليمي
وضعت معركة باب المندب السعودية أمام خيارين. الأول مواصلة السياسة نفسها: حشد قوات يمنية محلية، واستدعاء دعم خارجي، وتوسيع القصف، ومحاولة استعادة الساحل من دون معالجة أسباب انهيار الجبهة. قد يحقق هذا الخيار مكاسب مؤقتة، لكنه سيعيد إنتاج دورة الحرب والانقسام.
أما الخيار الثاني فهو الاعتراف بأن الهيمنة فشلت. وهذا يتطلب انسحاباً سعودياً من الجنوب، وإنهاء التدخل في تشكيل سلطاته ومؤسساته، والتوقف عن استخدام حكومة المنفى غطاءً لقرارات لا تعبر عن إرادة السكان.
لا يعني الانسحاب ترك فراغ أمني. يمكن بناء ترتيبات إقليمية لحماية باب المندب تقوم على الشراكة مع القوى المحلية الجنوبية والساحلية، والتعاون مع الإمارات ومصر ودول القرن الإفريقي، وتبادل المعلومات ومكافحة التهريب والقرصنة والإرهاب.
لكن هذه الترتيبات يجب ألا تتحول إلى صيغة جديدة للوصاية. الأمن البحري المستدام يبدأ من استقرار اليابسة، واستقرار الجنوب يبدأ من الاعتراف بحق سكانه في تحديد نظامهم السياسي وإدارة مواردهم وأمنهم.
كما يجب أن يشمل السلام الإقليمي التزاماً متبادلاً بوقف المشاريع التوسعية. على إيران وقف تسليح الحوثيين واستخدامهم للضغط على الملاحة والدول المجاورة. وعلى السعودية وقف استخدام التمويل والقوة العسكرية والتعيينات السياسية لإخضاع الجنوب واليمن لنفوذها.
لا يمكن مطالبة طهران بالتخلي عن أذرعها، بينما تحتفظ الرياض بهياكل موازية وقوات محلية مرتبطة بها وتتدخل في القرار السياسي والإعلامي. قواعد السلام ينبغي أن تطبق على الجميع.
الخاتمة
بين يناير وسبتمبر 2026، انتقلت السعودية من ذروة السيطرة إلى لحظة انكشاف استراتيجي. في يناير، استخدمت قوتها لإضعاف المجلس الانتقالي وإخراج الدور الإماراتي المتبقي وإعادة تشكيل السلطة في الجنوب. وفي سبتمبر، ظهرت الكلفة: جبهة مفككة، وقوات عاجزة عن حماية المخا، وحوثيون على باب المندب، وإيران تضغط على ممرين بحريين.
لم تفكك السعودية مشروع استقلال الجنوب. هذا المشروع نجا من الحرب والإقصاء واستمر في الشارع. الذي فككته الرياض هو التحالف المناهض لإيران، بما ضمه من قوات جنوبية وساحلية وخبرة إماراتية في مكافحة الحوثيين والقاعدة.
حققت إيران مكسبها لأن خصمها السعودي خلط بين حماية الأمن وفرض الوصاية، وبين قيادة التحالف واحتكاره، وبين وحدة الجبهة ووحدة اليمن القسرية. وحين جعلت الرياض إخضاع الجنوب أولوية، أزالت القوة التي كانت تمنع الحوثيين من الوصول إلى البحر.
لم تسقط المخا بسبب نقص البيانات أو التحذيرات. سقطت لأن استراتيجية كاملة بُنيت على افتراض خاطئ: أن التشكيلات الموالية للسعودية تستطيع أن تحل محل القوى المحلية صاحبة القضية والخبرة، وأن المال والطيران يعوضان غياب الشرعية والإرادة القتالية.
تضع معركة باب المندب المنطقة أمام حقيقة يصعب تأجيلها. لا تستطيع السعودية أن تحل محل إيران بوصفها قوة مهيمنة، ولا يمكن مواجهة المشروع الإيراني بمشروع توسع سعودي مضاد. كلاهما ينتج مقاومة محلية ودولاً ضعيفة وفراغات تستفيد منها الجماعات المسلحة.
الحل ليس انتصار الرياض على طهران داخل اليمن، بل إخراج اليمن والجنوب من صراعهما. وهذا يبدأ بإنهاء الوصاية السعودية، ووقف النفوذ الإيراني، والاعتراف بحق الجنوب في تقرير مستقبله، وبناء منظومة أمنية إقليمية تقوم على المصالح المشتركة لا إخضاع الشركاء.
لقد هدمت السعودية الجدار الذي كان يمنع إيران من الوصول إلى باب المندب. ومسؤوليتها اليوم ليست إعادة طلائه أو تحميل الآخرين مسؤولية سقوطه، بل الانسحاب من الأرض التي حوّلتها إلى ساحة نفوذ، وتعويض من أصابتهم حربها، وفتح الطريق أمام سلام لا تكون فيه الرياض أو طهران وصية على أحد.
التوصيات
- الانسحاب السعودي الفوري وغير المشروط من الجنوب، بما يشمل القوات والمستشارين ومراكز القيادة والهياكل العسكرية والأمنية التي أُنشئت أو أعيد تشكيلها لفرض النفوذ السعودي على القرار المحلي.
- وقف التدخل السياسي في شؤون الجنوب، والامتناع عن تعيين القيادات أو فرض الحكومات والمؤتمرات والحوارات التي تُدار من الرياض أو تهدف إلى إنتاج تمثيل جنوبي خاضع للإرادة السعودية.
- وقف الأنشطة الإعلامية الممولة أو الموجهة سعودياً التي تستهدف المشروع الجنوبي أو تبرر الحرب والوصاية، وإنهاء استخدام وسائل الإعلام والمؤسسات التابعة لحكومة المنفى في التحريض على القوى الجنوبية.
- وقف تمويل القوى والجماعات المعادية لمشروع استقلال الجنوب، ولا سيما الأطراف التي أسهم تمكينها في تفكيك المعسكر المناهض للحوثيين وإيران، أو خلق بيئة استفاد منها تنظيم القاعدة وشبكات التهريب.
- تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة لتوثيق العمليات العسكرية التي شنتها السعودية ضد الجنوب منذ 30 ديسمبر/كانون الأول 2025، وتحديد المسؤوليات عن الضحايا والاعتقالات والتهجير وتدمير المنشآت والممتلكات.
- التزام السعودية بالتعويض وجبر الضرر عن الحرب العدوانية التي شنتها على الجنوب والقوى الحليفة داخل المعسكر المناهض لإيران، بما يشمل تعويض أسر الضحايا والجرحى والمتضررين وإعادة إعمار المنشآت المدنية والعسكرية والخدمية التي تعرضت للقصف أو التدمير.
- الإفراج عن المعتقلين والمحتجزين على خلفية مواقفهم السياسية الجنوبية، والكشف عن مصير المخفيين قسراً، وإلغاء الملاحقات التي استُخدمت لإقصاء القيادات المناهضة للوصاية.
- إعادة الممتلكات والمقار والأصول المصادرة إلى أصحابها ومؤسساتها، وإبطال الإجراءات التي ترتبت على قرارات سياسية صدرت تحت ضغط الحرب أو الاحتجاز أو الإكراه الخارجي.
- إجراء مراجعة مستقلة لبنية القوات التي أنشأتها السعودية، ومنع استخدامها في الصراع السياسي الداخلي، وإعادة مسؤولية الأمن إلى مؤسسات محلية مهنية تعكس المجتمع الذي تعمل داخله.
- الاعتراف بحق شعب الجنوب في تقرير مستقبله السياسي عبر عملية حرة تجري داخل الجنوب، بعيداً عن الإملاءات السعودية أو ترتيبات حكومة المنفى أو الصفقات الثنائية مع الحوثيين.
- إعادة بناء الجبهة المناهضة للمشروع الإيراني على أساس الشراكة بين القوى المحلية الجنوبية والساحلية والدول الإقليمية المتضررة من تهديد الحوثيين، مع الاستفادة من الخبرة الإماراتية المتراكمة في مكافحة الإرهاب وتأمين السواحل.
- إنشاء منظومة إقليمية لحماية باب المندب وخليج عدن تشمل الجنوب والإمارات ومصر ودول القرن الإفريقي، وتختص بمكافحة تهريب السلاح والقرصنة والإرهاب وحماية الملاحة، من دون أن تتحول إلى أداة لفرض نفوذ دولة على أخرى.
- وقف الدعم الإيراني للحوثيين وفرض رقابة دولية فعالة على طرق نقل الأسلحة والمكونات الصاروخية والطائرات المسيّرة، وربط أي تسوية مع طهران بالتزام واضح بعدم استخدام اليمن والممرات البحرية أداةً للضغط.
- الدفع نحو اتفاق إقليمي لعدم التدخل ينهي مشاريع التوسع الإيرانية والسعودية على حد سواء، ويحظر تمويل الجماعات المحلية أو توظيفها لفرض النفوذ السياسي والعسكري.
- ربط السلام البحري بالحل السياسي على اليابسة؛ فلا يمكن حماية باب المندب بقواعد عسكرية واتفاقات دفاعية بينما يستمر تفكيك الجنوب وحرمان سكانه من حقهم في اختيار مستقبلهم.
الهوامش والمراجع
- Armed Conflict Location & Event Data Project (ACLED)، Southern Yemen: How Did We Get Here, and What Happens Next?، 15 يناير/كانون الثاني 2026.
- Reuters، UAE to Pull Remaining Forces from Yemen in Crisis with Saudi Arabia، 30 ديسمبر/كانون الأول 2025.
- Chatham House، The Houthis’ Capture of Mocha Has Transformed the War in Yemen and the Geopolitics of the Red Sea، 14 سبتمبر/أيلول 2026.
- Royal United Services Institute، The Battle for Bab Al-Mandeb Is Becoming a Contest for Regional Power، 21 سبتمبر/أيلول 2026.
- Carnegie Middle East Center، The Pitfalls of Saudi Arabia’s Security-Centric Strategy in Yemen، 12 أكتوبر/تشرين الأول 2022.
- Combating Terrorism Center at West Point، Looking West: The Houthis’ Expanding Footprint in the Horn of Africa، 2024.
- ACLED، Al-Qaeda in the Arabian Peninsula: Sustained Resurgence in Yemen or Signs of Further Decline?.
- Center for Strategic and International Studies، Preventing Iran’s Military Reconstitution، 2026.
- The Soufan Center، What Is the Status of Iran’s Axis of Resistance?، 25 سبتمبر/أيلول 2026.
- Chatham House، The Houthi Red Sea Blockade: Will Collective Maritime Security Be Defended, or Break Down?، 24 يوليو/تموز 2026.
- Reuters، تقرير الهجوم على السفينة في باب المندب، 11 أغسطس/آب 2026.
- Middle East Institute، Security in South Yemen، 2019.
- Middle East Institute، Riyadh Takes the Helm in Yemen، 2026.
- الأمم المتحدة، تقارير فريق الدعم التحليلي ورصد العقوبات بشأن تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة، 2025 و2026.
- برنامج الأمم المتحدة العالمي لمكافحة الجريمة البحرية، Assessment of the Response to Illicit Weapons Trafficking in the Gulf of Aden and Red Sea، 2024.