بعد عشر سنوات من الحرب، تبدو السعودية أقرب إلى دولة تبحث عن مخرج آمن من اليمن، لا عن نصرٍ سياسي فيه. فالحرب التي بدأت بوصفها مشروعًا لإعادة رسم توازنات المنطقة، انتهت إلى واقع أكثر تعقيدًا: الحوثيون ما زالوا في صنعاء، النفوذ الإيراني لم يتراجع، واليمن نفسه تحول إلى مساحة مفتوحة للفوضى والتدخلات وتعدد مراكز القوة.
حين أطلق محمد بن سلمان الحرب عام 2015، كان الخطاب السعودي يتحدث عن حسم سريع، واستعادة الدولة اليمنية، وكسر النفوذ الإيراني جنوب الجزيرة العربية. لكن ما حدث فعليًا كان العكس تقريبًا. فالحرب الطويلة لم تُنهِ الحوثيين، بل دفعتهم للتحول من جماعة محلية مسلحة إلى فاعل إقليمي يمتلك قدرة متزايدة على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي والملاحة والطاقة.
المفارقة الأكثر قسوة أن الحرب التي كان يفترض أن تؤسس لصعود سعودي حاسم في المنطقة، تحولت إلى واحدة من أكثر لحظات الإنهاك الاستراتيجي للرياض. فالتفوق العسكري الهائل، والدعم الدولي، والتحالف الواسع، لم تكن كافية لإنتاج تسوية مستقرة أو فرض واقع سياسي جديد داخل اليمن.
ومع مرور الوقت، بدأت السعودية نفسها تتراجع تدريجيًا عن خطاب الحرب. انتقلت من الحديث عن “هزيمة الحوثيين” إلى التفاوض معهم، ثم إلى التفاهم مع إيران ذاتها برعاية صينية. لم يكن ذلك مجرد تغيير تكتيكي، بل تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة دخلت مرحلة لم تعد فيها الحروب المفتوحة قادرة على إنتاج انتصارات واضحة.
هذا التحول لا يخص السعودية وحدها. فالشرق الأوسط بأكمله يبدو اليوم أقل اقتناعًا بأوهام الحسم العسكري، وأكثر ميلًا إلى سياسات الاحتواء وإدارة التوازنات. الحروب الطويلة في اليمن وسوريا وليبيا والعراق كشفت حدود القوة التقليدية، وأظهرت أن إسقاط المدن لا يعني بالضرورة إسقاط النفوذ، وأن الجماعات المسلحة باتت جزءًا ثابتًا من خرائط القوة، لا ظواهر مؤقتة يمكن إنهاؤها بالقصف الجوي.
وفي اليمن تحديدًا، كشفت الحرب هشاشة فكرة “استعادة الدولة”. فبعد سنوات من القتال، تبدو الدولة اليمنية نفسها أكثر ضعفًا وتفككًا، بينما تتوسع خرائط النفوذ المحلية والإقليمية، وتتداخل الحسابات الأمنية بالمصالح الاقتصادية وخطوط الملاحة والطاقة.
كما أن تراجع الانخراط الأمريكي المباشر، وصعود الصين كلاعب سياسي واقتصادي، دفع القوى الإقليمية إلى إعادة صياغة أولوياتها. لم تعد الأولوية إسقاط الخصوم بقدر ما أصبحت منع الانفجار الشامل، وحماية الاقتصاد، وتأمين الاستقرار الداخلي، حتى وإن اقتضى ذلك التعايش مع خصوم الأمس.
لكن المشكلة أن المنطقة لا تتجه نحو سلام حقيقي، بل نحو شكل أكثر هدوءًا من الفوضى. تفاهمات مؤقتة، وتوازنات هشة، وهدن قابلة للانفجار في أي لحظة. أما اليمن، فما يزال النموذج الأكثر وضوحًا لفشل مشاريع القوة التقليدية في الشرق الأوسط.
بعد عقد كامل من الحرب، لم يعد السؤال: من انتصر في اليمن؟، إيران ام السعودية؟، وهل انتهت المعركة والصراع هنا، ام ان حروب الوكالة لا تزال تطبخ خلف الشعارات المذهبية، بين سلفية جهادية مدعومة من السعودية في الجنوب، وشيعية اثنى عشرية مدعومة من إيران في الشمال، قد تبدو العلاقة طبيعية بين البلدين والخصمين اللدودين، لكن هذه العلاقة تظل قائمة على أساس الصراع والتقاسم المذهبي، فالنتيجة اليوم إعادة بناء الجماعات المتطرفة في عدن وبناء نواة أخرى لحزب الله في صنعاء.
